وثيقة تجمع بين الضرائر

 

أحمد أميري 

 

 

على العين والرأس بعض ما جاء في وثيقة تنظيم البث الفضائي التي وقعها وزراء الإعلام العرب مؤخراً، لكن، كما لا يمكن الجمع بين الضرّتين تحت سقف واحد إلا بهلاك الزوج، فإنه لا يمكن الجمع بين بعض بنود الوثيقة وبعضها الآخر إلا بتجاهل الوثيقة برمتها.الوثيقة تكفل احترام الحق في التعبير عن الرأي، وهي "كفالة" تتعارض مع عدد "محترم" من بنود الوثيقة. خذ مثلاً "عدم التأثير سلباً على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية"، فكيف نستطيع كفالة احترام حق الفرقاء اللبنانيين في التعبير عن آرائهم من دون أن يؤثر هذا "التعبير" سلباً على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية؟

وفي الجانب المقابل، كيف يمكن السكوت عن "الرمز الديني" إذا كان هو وراء فتوى تفجير أو قتل؟ وإذا كان هذا كله يمكن الامتناع عن بثه في الفضائيات العامة أو الإخبارية، فكيف هو الحال مع الفضائيات الدينية المشغولة بهذه الأمور 24 ساعة/ 365 يوماً؟ وإذا كان ما سبق أشبه بالضرّتين في بيت واحد، فما سيأتي صورة لأربع ضرائر يجتمعن في مكان واحد، ففي أحد البنود فقرات متناقضة، منها "الامتناع عن بث كل ما يتعارض مع توجهات التضامن العربي، أو مع تعزيز أواصر التعاون والتكامل بين الدول العربية، أو يعرِّضها للخطر"، ثم إلى "الالتزام بالموضوعية والأمانة باحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية وعدم تناول قادتها أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح"، ثم إلى "الالتزام بالصدق والدقة فيما يبثه الإعلام من بيانات ومعلومات وأخبار..".

فكيف بالله عليكم، يمكن الامتناع عن بث ما يعكّر صفو العلاقات العربية وفي الوقت نفسه الالتزام بالموضوعية والأمانة إذا كانت بعض الأنظمة العربية لا يمكن ذكرها إلا بعد إجراء عملية تجميل لسياستها ومواقفها بشكل يخالف الموضوعية والأمانة بالذات؟ ناهيكم عن أن كلمة "صفو" حين تعقبها "العلاقات العربية" مدعاة للضحك والبكاء معاً وكيف يمكن الالتزام بالصدق والدقة وفي الوقت ذاته عدم تناول قادة الدول العربية ورموزها الوطنية والدينية بالتجريح، إذا كان بعض هؤلاء، لا يمكن تناول مواقفهم من دون تجريحهم؟ أضف إلى هذا، أن مصطلح "رمز" غامض وفضفاض، فمن هو الرمز ومن الذي يحدده وهل له تاريخ صلاحية يصبح بعدها "ليس رمزاً" ولنتخيل أن هذه الوثيقة صدرت أيام صدام مثلاً، فهل كان بإمكان أي فضائية عربية، الالتزام بالصدق والدقة، في نقل جرائم الرجل، من دون أن يؤثر هذا النقل الصادق والدقيق في العلاقات العربية ومن دون أن "يجرح" شعوره؟ يقول المثل :"إذا أردت أن تُطاع فاطلبْ المستطاع" ولا يمكن الجمع بين عشرات الضرائر في بيت واحد إلا بهدم البيت فوق رؤوسهن! وهذا ما سيحدث مع الوثيقة التي ستذهب إلى أرشيف التاريخ.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad