الاعلام العربي هل يبحث عن الحقيقة ام عن شئ اخر؟

 

حيدر السلمان

 

 

ربما سيقول احدهم ان دورنا ليس انصاف طرف على طرف آخر ، او تبني رأي على حساب الرأي الاخر ، بل هو الحياد التام ، وما يمليه علينا هذا الحياد هو نقل الاحداث والاراء كما حصلت وكما هي ، وبأمانة دون زيادة او نقصان ، هذا هو دورنا الحقيقي ، لكن نتسائل هل فعلاً هذا ما يحصل ؟

الم نسمع مثلاً بالمراقبين وما يقولوه من اراء ، والتي هي في الحقيقة لسان حال الجهة التي يمثلها ناقل الاراء ، وحتى ان كان هناك مراقب فهو انما يتقاضى اجراً لقاء ارائه القيمة وهذا معروف على اقل تقدير بالنسبة الى الاعلامين ، وبالتالي فالرأي بالنهاية انما هو رأي الممول والذي له اجندته الخاصة به ، والتي وضعت لتخدم امتداده الفكري او العقائدي ، او الصحف التي تتباين من حيث طريقة نقلها للخبر , وكيفية ابرازه بحسب اهميته بالنسبة لها ، وخدمته للهدف الذي انشأة الصحيفة من اجله ، والدليل اننا نجد هذه الصحف تضع الخبر في داخل الاطار العام الذي تتبناه ، حتى ان بعض منها يستخدم وسائل الاثارة لغرض جلب الانتباه لتمرير اجنداتها ، او تركيزها على امر ذا قيمة معنوية كبيرة بالنسبة للعامة ، والذي ستوظفه خدمةً لاهدافها الخاصة ، فهو مجرد تلاعب بالالفاظ ورائه غايات غير معلنه ، وايضاً بالنسبة الى الوسائل المرئية ، ومنها الفضائيات العربية ، والني تحاول جاهدةً ان تظهر على انها تبحث عن الحقيقة ، في حين ان المتتبع لها ، وخصوصاً برامجها الحوارية و الفكرية او برامج الرأي ، فتكون واضحة التوجه بمجرد ان تتعرف على المقدم وانتمائه الفكري ، او المشاركين في الندوة ، والذين هم على الاغلب ينتمون الى نفس المدرسة الفكرية العربية ، وبالتالي سيكون الحوار موظفاً ضد الاخر الذي يختلف مع هذا الفكر ، وترى من مدير الحوار انحيازه الكامل لجهة من الجهات المتحاوره ، اضف الى ذلك انحيازه الكامل لقضيته الوطنية ان صح التعبير ، والتي لطالما روجت لها اغلب وسائل الاعلام في الماضي ولازالت تستهلك اعلامياً ، لاسباب عديدة ، منها خدمة الوضع السياسي القائم ، ورمي الكرة الى الخارج لتتوجه لها الانظار وتترك ما يحصل داخل الملعب !! ، وهنا اتسائل هل امتلكت هذه الوسائل نفس الجرئة في طرحها للقضايا المحلية الخاصة بشعب من الشعوب العربية ، كقضية الديمقراطية في هذه المنطقة ، او قضية الحريات العامة المحرمة في اغلب البلدان العربية كما تفعل مع القضايا الدولية ، بل نرى العكس ، فهي قد تبنت وجهة النظر الحكومية في طرحها لهذه القضايا ، او هكذا هي المحصلة، وان كانت هي على الاغلب تتجنب الخوض في مثل هذه القضايا ، خوفاً من نضوب مصادر التمويل ، فهي حكومية التوجه وان ادعت الاستقلالية !! ، وهي عندما تتحدث عن هذه الحكومات انما تتحدث عن عامل خارجي خلقها وهو يتحكم بها ، فصفت الاول هي الخيانة والذي هو مصطلح فضفاض ، فتارةً يعني الخيانة التي تستحق القتل ، وتارةً اخرى تستحق الولاء! ، لانها مجبرة وبالتالي العامل الخارجي هو البلاء ، والذي يجب ان يقاوم بكل الوسائل ، والتي مهما كانت ، ستجد من يبررها ، وهذا التبرير اصبح لاحقاً ثقافة الشارع وحتى النخب في الدول العربية ، فهي من خلال هذا المنطق التبريري انما هي تسعى الى توضيح الافكار نفسها التي تؤمن بها العامة الى العامة ، فهي بدل من ان ترتقي بمستواه الفكري والثقافي ، تستغل هذه السطحية لتعيد تصنيعها ومن ثم تسويقها ومن خلال هذه الوسائل التي يقودها اقرانهم ، ومرة اخرى هذا الامر لايخدم سوى الحكومات ومشروع بقائها الدائم فهل هنالك من حياد في هذه العملية ، او بحث عن الحقيقة ؟؟ ، ثم المشروع القومي الذي يتغنى به صبح مساء ، فهذه الوسائل تخاطبك على انك من القومية العربية واضيف اليها لاحقاً الديانة الاسلامية! ، بعد ان تحالف هذا مع ذاك ، والذي يعني تبنيها فكر دوغمائي ، فالمنطقة العربية هي ليست فقط متكونه من هذين الانتمائين ( القومية العربية والديانة الاسلامية ) ، كما هو معروف ، فبالتالي هذه الوسائل انما تؤكد انتمائها الديني والقومي ، متجاهلةً شرائح واسعة من المجتمع العربي في خطابها وفي حواراتها النقاشية ، فهي تسمع لهذه القومية وتلك الديانة فقط و لا تتوجه الى غير هؤلاء ، فهل هذا يعني انها اصابت الحقيقة في طرحها للخبر او لقضية ما ، في حالة تجاهلها لفكر وطموحات واراء تلك الفئات ، وهي لاتكتفي بذلك بل تذهب ابعد من ذلك عندما يكون خطابها متبني لفكر طائفة معينة ، بحيث تروج لافكارها المتطرفة ، ومرة اخرى تتجاهل شرائح اضافية من المنطقة العربية، والتي هي كثيرة ولله الحمد، وبالتالي اصبح الحديث عن البحث عن الحقيقة لا عن وجه واحد من اوجهها ، امر يفتقر الى المصداقية، لان ان تدعي انك تتبني فكراً ما وتقولها صراحة ودون مواربة في طروحاتك ، افضل من ان تتبجح بانك تبحث عن الحقيقة ولا شئ سوى الحقيقة ، في حين ان طروحاتك تثبت عكس ذلك ، فانت تظهر الجزء الذي تريد وتخفي الذي لاتريد اظهاره من الحقيقة، وبالتالي فهذا الادعاء اقل ما يقال عنه انه مفتقر للمصداقية ، وهذا الامر وللاسف تجلى في تعاطي وسائل الاعلام العربية للقضية العراقية ، بحيث اتضح وبشكل جلي امتداها الفكري والطائفي ، وبأسوء صوره ، فهي عندما تتصدى للاحداث اليومية الحاصلة في العراق ، لاسيما قتل الابرياء من قبل الارهابيين ، تذكرها ببرود ، وكانه شئ عادي ، ولكن عندما يكون القتل في مكان اخر وباقل مستوى من الضحايا ، تظهرالخبر وكأن مأساة قد حصلت لان القاتل ليس بمسلم !! ، على عكس ما يحصل في العراق فالقاتل يدعي انه مسلم ، وهو نفسه من كان قد تربى على يد هذه الوسائل ، وتثقف بثقافتها المتطرفة ، والتي رفعت لواء الدفاع عنهم وعن توجههم ، وتبرر لهم كل افعالهم حتى وان كانت اشدها دمويةً ، وتحاول جاهدةً البحث لهم عن اسباب (موضوعية ) على لسان المثقفين العرب !!! ، تدفعهم لمثل هذه الافعال لتؤكد مرةً اخرى على انها تمثل امتداداً فكرياً وطائفياً واضح حتى لابسط الناس يساند ويدعم هذا التطرف بالمال والكلمة ، وحتى من خلال التوثيق للاحداث تأريخياً ، ومن جانب اخر تجد ان هذه الوسائل تلعب دوراً اخر ، فهي تحاول ان توهم المتلقي انها تتبنى قضيته في مقاومة الاخر الساعي للقضاء عليه ، وعلى انتمائه الديني ، وهو بالتأكيد من خارج الحدود ، وهي في ذات الوقت تخلق المبررات المتمثل بالارهاب العالمي وافكاره الدموية الذي تسوقه ، للقوى الخارجية للتدخل بالمنطقة والتلاعب بأمنها ، فهنا كيف يمكن ان نفهم هذا الدور ، هل هو ابراز الحقيقة ، ام هو تأمر بصيغ حديثة وعلمية يمكن ان تنطلي على العرب السذج ، عدا العراقيين الذين فقهوا دور هذه الوسائل المغرضة ، بعد ان شهدوا صناعتها للخبر بالمال ( مثلاً عندما تدفع لبعض الافراد للتظاهر وترديد شعارات معينة تهتف بحياة ضخص ما !!)، فمثلاً عندما تتحدث عن الانظمة التي تصفها بالخائنة، لماذا لاتفضح افعالها وممارساتها السيئة تجاه شعوبها ، والتي تعيش في سجون كبيرة كانت من قبل اوطانً ، بل بالعكس ، فهي تجد في بعض الانظمة او هكذا تحاول ان تروج لاسباب عديدة وفي مقدمتها استمرار الدعم المالي لها ، انها انظمة ناصرت القضايا العربية وانتصرت لها عندما حاربت الغرب الامبريالي للحد من اطماعه بالمنطقة ( حرباً كلامية طبعاً وهي لاتتعدى ذلك ، وان تعدت فكان مصيرها الهزيمة المنكرة) ، في المقابل هي تغض الطرف عن كل الافعال الدنيئة التي تقوم بها تلك الانظمة تجاه شعوبها ، ومع كل ذلك لاتلام هي وحدها لانها انما تعكس ثقافة بيئتها الثقافة العربية ، والتي مجدت على مر العصور الاستبداد الشرعي ، ووجوب الانصياع له بالقول وبالفعل ، لذا سنجد انفسنا امام ، شعوب هي التي تطبل وتزمراما خوفاً او خنوعاً ، لحكامها ولكل ما يفعلوه ، فلا عجب اذا ان تكون وسائلهم الاعلامية تفعل ما نراه ، فهي تنتمي لنفس الثقافة المحلية .

وذلك حسب رأي الكاتب .

المصدر : جريدة الصباح - 18-10-2005