إعلامنا واستباحة الإنسان العربي..!

 

ولد على جثث العراقيين الأبرياء نوع آخر من الجريمة يرتكب كل يوم في بث مباشر من مسرح الجريمة من خلال استديوهات كثير من قنواتنا العربية التي احترفت تأجيج الفتن وشحن المشاهدين وتبرير القتل والعنف وإعطاء منابرها لمشايخ فتاوى الدماء ومقاولي ذبح العراقيين تحت عناوين ومسميات عديدة.. كل يوم تتسع رقعة العنف في الشارع العربي على وقع فتوحات فضائية هنا وهناك، شريط للزرقاوي، فتوى للشيخ الفلاني، رسالة من إرهابي، تلميع متواصل لقيادات الإرهاب حولَّهم إلى «سوبر ستار» المشهد السياسي العربي، فهم محركو الأحداث في هذا الواقع المضطرب، وهم مرجعياته الفكرية والفقهية العليا.

هل هو إعلام أبله ذلك الذي يوزع فتاوى القتل بالمجان كل يوم على ملايين الناس، أم هو إعلام إرهابي؟ إعلام لا يختلف عن قاطعي الرؤوس ومفجري الشوارع والجوامع والأطفال والمدارس ومفخخي السيارات..؟

يبدو أنه كلما خطت الحكومة العراقية الجديدة خطوة جديدة على درب الأمن والديمقراطية، خرجت فتوى جديدة تروج لسفك دماء العراقيين تحت مسميات عديدة ، وكأن قدر العراقيين الموت بطرق «شرعية ـ حلال» لا تشوبها شائبة! إما بقرار جمهوري شرعي يصدره قائد وضرورة، أو بفتوى شرعية تبيح إهدار دمه.

يعبر الشاعر العراقي موفق محمد في مقدمة كتبها لنصه الملحمي «فتاوى للإيجار» تعبيراً بالغ الأهمية، عن جريمة إعلامية صريحة يشهد عليها ملايين المشاهدين للفضائيات العربية، فيقول:«من رأى منكم عراقياً فليذبحه بيده، فإن لم يستطع فبمدفع هاون، وإن لم يستطع فبسيارة مفخخة وذلك أضعف الإيمان.

رواه الشيخ (الـ...!) وهو يشرب دماء العراقيين ويتمزز منتشياً أكبادهم، ففيها كما يزعم لذة للشاربين!»

ألقى الشاعر ذلك النص الملحمي على هامش ملتقى الشعر العراقي الذي أقامته مؤسسة عبد العزيز البابطين في الكويت أخيرا.

لا شك أن الإعلام العربي تشابكت لديه خيوط الصحافة بخيوط السياسة، وخيوط السياسة بخيوط الجريمة، واختلطت لديه الأدوار. من منا ينسى مراسل قناة «الجزيرة» سامي أيوب الذي التحق بالقناة أثناء حرب العراق رغبة منه، وحسب تصريحات زوجته بعد مقتله، في مساعدة أشقائه العراقيين في التصدي للأميركان!؟. ألم يكن جديراً بالقناة أن تخبره أن مهنة المراسل الإخباري تتطلب خبرة ودراية وليس النوايا؟ من منا ينسى شحوب مذيعة «العربية» منتهى الرمحي وحزنها الشديد وهي تذيع خبر اعتقال صدام حسين؟ وكيف ننسى تيسير علوني مراسل «الجزيرة» المحتجز في اسبانيا ضمن المعتقلين على ذمة قضايا الإرهاب التي شهدتها مدريد؟ .

مئات القنوات، التي تهدر ليلا نهارا في الفضاء العربي تتورط في الإرهاب عن غفلة أو سوء نية، ما زالت عاجزة عن رصد مشاكل وقضايا الإنسان العربي وكأنه رقم غير مهم في حساباتها، فإن لم تكن لهذه القناة أو تلك مصلحة سياسية مباشرة في إثارة موضوع ما خارج نطاق القضايا الكلاسيكية المثيرة للجدل (فلسطين ، العراق ، الإرهاب، القضايا الساخنة إعلامياً) يفقد الخبر أهميته ويصبح وكأنه غير موجود .

خير دليل على ذلك تجاهل وسائل الإعلام وتعاملها الخجول مع ما قامت به الحكومه القطرية منذ مدة عندما أقدمت على إسقاط الجنسية القطرية عن آلاف من أبناء إحدى قبائل الجزيرة العربية المعروفة، وفيما يبدو على خلفية قضية سياسية يعرفها الجميع، إلا أنها مست بتداعياتها أبناء قبيلة كاملة، أي أن كثيرا من الأبرياء دفعوا ثمن انتمائهم لتلك القبيلة بدون أن تكون لهم أي علاقة من قريب أو بعيد بتلك القضية، فعوقب مئات الناس بجريمه لم يقترفوها، كان من الطبيعي أن تتجاهل قناة «الجزيرة» القطرية الحدث وتتعامل معه كأنه لم يكن، ولكن الغرابة أن تغض أغلب وسائل الإعلام العربية الباقية طرفها عن هذه المسأله المهمة التي تعد بحق وصمة لا تنسى.

هذا العقاب الجماعي الذي تم بحق آلاف القطريين الذين نزعت عنهم هويتهم، وتحولوا إلى لاجئين، هو عقاب ينتمي لممارسات التطهير العرقي ولمدرسة صدام حسين التي تبيد الطوائف والأعراق كلما عنَّ لها ذلك إنْ بكيماوي أو بغيره.

وفي عالم اليوم لا يحق لأحد أن يعتقد أنه يستطيع أن يقوم بانتهاكات بهذا الحجم بدون أن يخضع للمساءلة والمحاسبة، فعالم اليوم مترابط ومتشابك، والدول الحديثة ترتبط بمعاهدات دولية تكفل حقوق الإنسان وترصد الإنتهاكات وتعلق الجرس لمن لا يردعه ضميره أو إنسانيته، فموضوع المواطنة اليوم هو شرط من شروط الحياة وليس رفاهية، وطرد المواطنين من وظائفهم ومن منازلهم وحرمانهم من العلاج والخدمات الطبية الطارئة ومنع الجهات الخيرية من تقديم المعونة لهم أمر يتنافى مع أبسط المعايير الأخلاقية والإنسانية التي توافق عليها العالم.

من المخجل حقاً أن تمر شهور على تلك المأساة بدون أن تثير اهتمام غالبية وسائل الإعلام العربية، أما موقف قناة «الجزيرة» القطرية فهو مفهوم، لأنها متخصصة في انتقاد كل شيء إلا ممارسات الحكومة القطرية. ولكن ما هي حجة بقية القنوات والصحف التي اكتفت بإشارات مقتضبة للموضوع وكأنه يحدث خارج مدارات اهتمامها؟

بمعنى آخر، هل أدى الإعلام العربي مهمته في تسليط الضوء على قضايا الإنسان وهمومه في هذه المنطقه من العالم أم أنه اكتفى بتحقيق المكاسب السياسية المباشرة وغير المباشره للأطراف التي تحرك الفضاء الإعلامي؟ وهل زادت جرعة الحرية في وسائل الإعلام من قيمة الإنسان العربي أم جعلته ينشغل بكنس لحم أبنائه من الطرقات كما يقول موفق؟ ... إنه إعلام يدعو للاشمئزاز من دون شك وبشر الفضائيات ..

المصدر : الشرق الاوسط 2-5-2005