وقفة مع التأثير المتبادل:

                                                                                        بين الرأي العام والصحافة

 

 

 عبدالرزاق السويراوي

 

 

تعتبر الصحافة من أقدم وسائل الاعلام، وكان ظهورها مرتبطاً تقريبا بتطور الحضارة الغربية في أوائل القرن السابع عشر، غير ان الإنطلاقة الحقيقية للصحافة، بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. والصحافة تتمتع بمزايا عديدة قد يكون من ابرزها، هو التأثير الذي تتركه على الرأي العام، وكذلك ما تلعبه من دور مهم في عملية الإندماج الإجتماعي للأفراد ضمن الهيكلية العامة للمجتمع، حيث ان المداومة على قراءة المطبوع أو الصحيفة عموما، يمثل في الواقع، نوعا من الحوار الذي يؤدي الى الإنفتاح على العالم، إضافة الى أن القراءة في حد ذاتها تسهم في دعم إنتماء الفرد الى الجماعات الأخرى ذات التوجه الثقافي والفكري أو السياسي.

ومن ناحية أخرى فان التنوع الذي تتميز به الصحافة، يساعد في رفد المتابعين للصحافة بمجموعة من القيم الأخلاقية والثقافية والسياسية والاجتماعية مما يؤدي في المحصلة الى إبراز نوع من الروابط الوطنية بين هؤلاء الأفراد ويشيع روح التضامن الإجتماعي بينهم.  أمّا ما تؤديه الصحافة من خدمات فهي كثيرة ومتعددة، وقد يأتي الدور السياسي في المقام الأول من بين هذه الخدمات،  وبناء على ما تقدم تتضح لنا مدى العلاقة التي تنشأ بين الصحافة والقراء، وذلك بالنظر الى ما أشرنا الى بعضه، وما نود التركيز عليه أكثر من غيره، هي عملية التأثير المتبادل للصحافة على الرأي العام،  وبالوقت نفسه تأثير الرأي العام على الصحافة، في فترة ما بعد السقوط والى الآن.مما لا شك فيه أن وسائل الإعلام وبضمنها الصحافة، تشكل عنصرا أساسيا في بلورة وتكوين الرأي العام، فعصرنا الراهن الذي يمتاز بتسارع أحداثه يلجئ الأنسان الى البحث عن المعلومة التي تقدم له صورة واضحة عمّا يدور من حوله من وقائع وأحداث، أي بمعنى أن الإنسان يجد نفسه مضطرا للبحث عن حقيقة الخبر أو الواقعة، ليستطيع من خلالها بلورة أفكاره ومن ثم التمكن من تكوين رأي معين عن مجمل ما يدور من أحداث سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، والتساؤل الذي يرد ها هنا هو ما هو الرأي العام ؟

هناك تعاريف كثيرة تتناول مفهوم الرأي العام، ومن بين هذه التعاريف هناك تعريف لـ (ديفيدسون) حيث يقول: (ان الرأي العام، هو رأي عدد كبير من الأفراد الذين لا يعرف بعضهم البعض الآخر شخصيا، ولكنهم يستجيبون إزاء واقعة معينة وذلك بإنتظار أن طوائف معينة من أفراد آخرين سوف يعبرون عن مواقف متماثلة بمعرض نفس الواقعة) ص 78  ـ الرأي العام / ظاهرة اجتماعية وقوة سياسية/ الدكتور صادق الأسود. إذن يمكننا الآن بناء على التعريف الذي أوردناه للرأي العام، أن نتناول موضوع الرأي العام وعلاقته بالصحافة وتأثير أحدهما على الآخر في عراق ما بعد 9/ 4/ 2003  من المعروف أن المجتمع الذي يتعرض الى حالة من التحولات الكبرى، فان هذه التحولات سوف لا تقتصر على مجال دون آخر وانما سيكون التغيير شاملا تقريبا، ومن بين التغييرات المهمة التي طرأت في العراق هي القفزة الكبيرة التي حدثت في مجال الصحافة العراقية كما ونوعا، فقد تم إصدار الكثير من الصحف بحيث تجاوز عددها أكثر من مئتي صحيفة محلية، وبالرغم من ان هذا الكم الكبير من الصحف مقارنة بما كان عليه في عهد النظام السابق، يعبر في الواقع عن ظاهرة صحية تنسجم مع المنطق الحضاري المعاصر، إلاّ أن الوقوف على مستوى ونوعية الكثير من هذه الصحف لا يبعث في النفس حالة من التفاؤل المنشود، حيث أن الكثير من هذه الصحف لا يمكن تصنيفها إلاّ ضمن خانة الصحف التجارية الهابطة فضلا عن أن معظم أصحاب هذه الصحف ليست لديهم المهنية التي تؤهلهم للعمل في مهنة صاحبة الجلالة، وإنما هم ليسوا أكثر من مجرد أناس يمتلك بعضهم رأس المال الذي يساعده في إصدار صحيفة وبذلك يكونوا قد أضروا بمهنة الصحافة أكثر مما نفعوها. وهناك أيضا من الصحف لا يمكننا إلاّ ان نضعها بين بين إذا جاز التعبير. ولكننا نقف من جانب آخر أمام صحف أخرى أستطاعت أن تستقطب من حولها الكثير من القراء المتميزين بوعيهم، ليصبح حضورها في ساحة الصحافة العراقية حضورا متميزا، والى جانب ما ذكرنا فان هناك بعض الصحف التي يمكن ان نسميها بصحف الأحزاب، حيث ان كل صحيفة من هذه الصحف تعتبر لسان حال الحزب الذي تمثله، والصنف الأخير من هذه الصحف يكاد تأثيره على الرأي العام، وتأثير الرأي العام عليه، أكثر من غيره من الصحف الأخرى، وبطبيعة الحال ان من حق أيّ تيار أو حزب سياسي أن يعكس عبر صحيفته ما يراه منسجما مع خطابه السياسي الذي يتبناه، ومن المؤكد تماما أن هذه الأحزاب لها قواعدها الشعبية التي تمنحها ولاءها وتلعب الصحيفة طبعا دورا كبيرا في التأثيرعلى قواعدها وبالتالي على الرأي العام، ولكن ثمة حقيقة تتعلق بقضية التأثير على الرأي العام فيما يختص بصحافة الأحزاب، فمن المعروف أن المكونات السياسية في العراق متعددة الأتجاهات في رؤاها الفكرية والسياسية وبما أن الصحف التي تمثل هذه الأحزاب ينسحب عليها أيضا هذا التباين في الطرح السياسي الأمر الذي يعني أن حالة من التشظي ستصيب حتما الرأي العام، في حين أن المفروض من صحافة الأحزاب على إعتبار أنها صاحبة رؤية سياسية، أن يكون توجه صحافتها بعيدا عن فرض فكرة الرأي بالقوة وأن يكون بدلا عن ذلك أن تلتقي إتجاهات هذه الصحف على اساس القواسم الوطنية المشتركة ليتسنى بلورة رأي عام يمتاز بالتشخيص الموضوعي لمجمل ما يعيشه المشهد العراقي. وقبل أن انهي المقال أود أن أشير الى مسألة لها حضورها الفاعل سواء على مستوى وسائل الإعلام أو على مستوى الرأي العام، وهي مسألة الأنتشار المكثف للفضائيات والأنترنت، هاتان الوسيلتان اللتان حرم منهما الشعب العراقي طيلة حكم العهد البائد وما يمثلانه من حضور وتأثير فاعل على المواطن العراقي وبالتالي على الرأي العام وقد لا نبالغ بالقول بان هاتين الوسيلتين الإعلاميتين قد تصدرتا فعلا، الأولوية أكثر من الصحافة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-30-5-2006