حرية الصحافة وقوانين اللجم... والممارسة!

 

 

د. أحمد عبد الملك

 

عشية الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو 3 مايو من كل عام، وصل عدد الصحافيين الذين قضُوا في العراق منذ الاجتياح الأميركي، وحتى نهاية شهر أبريل إلى 74 صحافياً، وهو الرقم الأعلى في العالم، فلقد سقط 69 صحافياً في الحرب العالمية الثانية، و63 صحافياً في حرب فيتنام وكمبوديا. والرقم -في العراق- مفتوح لمزيد من الضحايا من الصحافيين، في ظل الأوضاع المتردية على أكثر من صعيد.

وتواجه حرية الصحافة في العالم العربي مآزق كثيرة، لعل أهمها "هيمنة" الدولة على القرار الإعلامي. وفي ظل ذلك الواقع يتم انتهاك حرية الصحافة أو حرية التعبير. وفي ظل ذلك الواقع أيضاً، تتلاشى منظومة القيم (Codes of ethics) التي تنظم سير الإعلام، وإن كانت غير مكتوبة، ولعلها تتضح في ضمير الصحافي.

كما تستشري في ظل ذلك الواقع -الذي تغيب عنه الديمقراطية، كمظلة حافظة لكل الحقوق- قوة مراكز القوى، وسلطة الإداريين الذين تعيّنهم الدولة لأسباب أمنية و"ولائية" دون أي اعتبار لمؤهلات أكثرهم، واستيعابهم لتطورات المخرجات الإعلامية، وما يدور في أروقة الإعلام من أفكار ورؤى تخرج على القوالب التقليدية التي مارسها ووظفها الإعلام العربي أكثر من أربعين عاماً، وفرضها على الناس كإنجاز حضاري للدولة.

وفي ظل هذا الواقع أيضاً تغيب المهنية، وتسقط دعامات الإعلام الحر والصحيح. ويتمثل ذلك في تسيّد برامج الإلهاء، وضعف اللغة، وضعف أداء مقدمي البرامج أو القائمين على التحقيقات أو اختيار العناوين في الصحف.

ولقد عانى العديد من صحافيي الخليج من وطأة وجَوْر قوانين المطبوعات ردحاً من الزمن، ثم جاءت بعض الدساتير "المُبشِّرة" بعهد جديد من الحرية، ولكن للأسف ربطت تلك الحرية بقوانين المطبوعات، التي تقيّد تلك الحرية، بل وتتضمن أحكام الحبس ضد الصحافيين. واليوم، وإن كانت الحكومات "تتمترس" وراء قوانين المطبوعات الجائرة -في بعض مناطق العالم العربي- نجد برلمانيين -يمثلون الديمقراطية والحرية- يطالبون بحبس الصحافي، بل وفرض الرقابة المسبَّقة على النص الصحافي! تصوروا، في هذا القرن، وبعد كفاح مرير من الصحافيين -في المنطقة- وذهاب بعضهم إلى ذاكرة التاريخ، وتكسير بعضهم لأقلامهم، يخرج "الديمقراطيون الجُدد" مطالبين بالعودة إلى عهود الظلام، فقط لإسكات الأصوات التي تعارضهم، أو تنتقد سلوكهم البرلماني أو الانتخابي.

فإذا كان بعض ممثلي الشعب يمارسون دور السلطة الشمولية، فكيف لنا أن نلوم الحكومات، التي تعوّدت وكبرت على أخطاء الماضي. إلى أين يريد هؤلاء إيصال شعوبهم؟ وفي عهد الانفتاح الإعلامي وثورة التكنولوجيا. هل هذه ثمرة الديمقراطية التي "تُمنح" اليوم على طبق من ذهب للشعوب التي صمتت طويلاً! وهل هذه مقاربة من مقاربات "المُداهنة" بين السلطة وبعض ذوي الاتجاهات الدينية، تماماً كما استخدمت الأنظمةُ السابقةُ الدينَ، في تمرير وتبرير سلوكيات تلك الأنظمة المخالفة لأبسط قواعد حقوق الإنسان؟ هل يعيد التاريخ نفسه، ولكن من تحت عباءة البرلمانيين!

لقد نجحت دولة الكويت في إلغاء مادة حبس الصحافي من قانون مطبوعاتها، بل فاجأتنا المحكمة الدستورية بالكويت بإلغاء قانون يضع قيوداً على التجمعات العامة في البلاد، والذي عُمل به لأكثر من ثلاثة عقود! وتلك ظاهرة حضارية.

وإذا كانت بعض الأنظمة المتطورة -في الخليج خصوصاً- قد خفّفت من قوانين الرقابة، إلا أنها "خلقت" ألف رقيب في رأس رئيس التحرير، وهذا ما جعل رؤساء التحرير -في بعض الحالات- يتشوقون إلى رقيب الحكومة الذي يرفع عن كاهلهم عَناء القراءة وتجشّم المسؤولية في "الانجرار" نحو مراكز الشرطة والوقوف مع المجرمين في المحاكم.

وأفرز هذا الواقع صداماً كبيراً بين الكتّاب الملتزمين بقضايا بلدانهم، والوطنيين الساعين للتغيير وبين رؤساء التحرير الذين لا يريدون "تعكير" مزاج الحكومة، أو المغامرة بمناصبهم من أجل عيون "وطني" يبيع الكلام! لذلك انسحب فريق من الساعين للإصلاح من وسائل الإعلام، وأُسكتَ فريق آخر.. وسارت عربة الإعلام تجرّها سيقان الشقراوات، ويتناطح داخلها المتناطحون، ويعبث فيها تلفزيون الواقع، حتى تفاجأ الخليجيون بأن صحافتهم مخطوفة -حسبما أفاد أحد رؤساء التحرير الكويتيين- بل ووصل الأمر بنا إلى الاعتراف بأن الصحافة والإعلام الخليجي في حالة اختلال! لأن هذا الإعلام -في كثير من الحالات- لا يستأنس العنصر المحلي.. ولا يؤمن بالكفاءة المحلية، في الوقت الذي لا ينتج هذا الإعلام -مع كفاءته الوافدة- منتوجاً إعلامياً مميزاً.

وفي وضع كهذا، يتغلب الدولار على المهنية، وتنتشر ظاهرة (أنا وابن عمي على الغريب). لذلك لا نندهش عندما نسمع أن موظفة أو سكرتيرة "يرضى" عنها مسؤولها العربي في محطة خليجية "محتلة" تُمنح درجة صحافية، وتعطى راتباً أساسياً لا يمنح لحامل دكتوراه مواطن تفوق خبرته 25 عاماً! وهنا نصل إلى "المال السائب" في بعض المحطات الفضائية العربية، والتي تتم فيها محاربة المواطنين وإقصاؤهم، رغم خبراتهم، وتقريب الوافدين بصورة واضحة رغم تواضع خبراتهم الإعلامية! وقد تكون لديهم خبرات في مجالات أخرى!

فمن سيهتمُّ لحرية التعبير؟ ومن سيدافع عن قوانين جديدة للنشر، إذا كانت وسائل الإعلام توظف أنصاف الإعلاميين من الخارج وتمنحهم رواتب عالية جداً، وتصنع من بعضهم "نجوماً" من ورق؟ هؤلاء النجوم لا يسكنهم هاجس الإصلاح السياسي والاجتماعي والإعلامي، بقدر ما يمكن أن يجمعوه لمستقبل الأيام.

في بعض دول الخليج نلاحظ "غضبة" ضد الإعلاميين المواطنين الجادّين، ونجد حالات إقصاء! فرئيس التحرير الذي لا يستسيغه الوزير يُطرد من مكتبه دون سابق إنذار، والكاتب الوطني توقف مقالاته دونما مبرر، لأنه لا يكتب مادحاً "بشت" الوزير أو "مُعظماً" إنجازات الوكيل. والمذيع والمُعد الوطني تحاربه الفضائيات لأنه يحمل تهمة الانتماء للأرض، ويود مناقشة قضايا مجتمعة بروح من الصراحة والشفافية، وينأى بنفسه عن الوقوع في شرك الأغاني الهابطة.. أو برامج الدعايات السمجة التي لا تفيد في الحراك الثقافي والفكري للمجتمع.

إننا في مناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، نأمل أن يستفيد الإعلام في الخليج من الطاقات المعطلة! ونأمل أن يخرج هذا الإعلام و-الصحافة- من حالات السُّبات الوطني.. وتُعاد إليه سيادته غير منقوصة أسوة بباقي وسائل الإعلام في العالم. ويقوم رؤساء التحرير -في اجتماعهم الخليجي- برفض إقصاء الإعلاميين الخليجيين وإعادتهم إلى البيت الإعلامي، جنباً إلى جنب مع إخوانهم العرب، ومنحهم الامتيازات التي تمنح لإخوانهم العرب. وهذا أبسط مظاهر الديمقراطية أو حرية التعبير التي يجب أن تطبّقها الحكومات في المنطقة.

و كل ذلك بحسب راي د. أحمد عبد الملك   في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الإماراتية – 11-5-2006