مغالطات رويترز والبي بي سي العربية

 

 

علي شايع

 

 

مشكلة العراقيين مع الإعلام العربي، مشخّصة ومعلنة، ومكتوب فيها الكثير، لكن مشكلة أخرى تتفاقم بين حين وآخر، متصاعدةً في اتجاهات عدة، ظاهرها يفصح على إنها مشكلة مع الإعلام الغربي، وباطنها يخصّ الموجّه منه إلى العرب أو من تحرص هذه المصادر ترجمته وإيصاله إلى العرب.فمن يشرف على هذا الإعلام الموجّه هم من العرب بكلّ تأكيد، ويبدو إن أكثرهم محكومة مهنيته وموضوعيته بالانتماء الضيق (أو بالعروبي القومي في تعبير أدق)، ولم يضف لهم مكانهم في المحك الإعلامي العالمي من شيء، بل زادتهم خبرتهم إمعاناً بالتنكيل بكل الحقائق، فأكثر من يعملون في الإعلام العربي الآن من جيل الرواد، هم من خريجي مدارس الإعلام العالمي ومؤسساته المرموقة، وللأسف الشديد، بعضهم تقمّص دور المحارب القومي القديم، وآخرون ارتدوا جلابيب فضفاضة بالعقائد، وصار لهم في الورع عهد يرتبط إلى مدى بعيد بحملات القائد الضرورة الإيمانية، التي هبط عليه فيضها العفلقي متأخراً بعض الشيء.

العتب على اللغة!

من خلال خبر يمرّ في أي مصدر إعلامي تستطيع قراءة ما بين الأسطر (مثلما يقال)، وما بين الأسطر العربية دائما أكثر عمقاً وأشد وقعاً، فبين أسطرهم ضاعت أوطان ومرّت ديكتاتوريات، لتعشش في هذه المساحة السرية بين التأويل وبين الدس والتدليس، فاللغة تحتمل الكثير، والشاغر من فراغاتٍ، وضع فيها كلّ ذي مأرب مأربه..وربما يكون العرب أكثر أمم الأرض انشغالاً باللغة..لأنها تستوعب ما يريده كل متمكّن..حتى قال شاعر يذمّ هذه القدرة الهائلة في التحريف..تأنـّق الذلُّ حتى صار غفرانا..والأناقات في الصياغات اللغوية أو التمويه عن حقيقة ما، لا تبقى في حدود الأخبار العربية، بل تتعداها إلى تصريحات وخطب رؤساء تدخل في ذات المأزق، فسرعان ما يلقى اللوم على اللغة الخائنة التي لا توصل المعنى!.

الأخبار المصاغة بالعربية في المصادر العالمية يحمل أكثرها زيفاً يحاول بعضهم أن يأنـّقه ويزوقه إلينا، فالمتلقي المنشغل بهموم يومه يستمع إلى الخبر الذي عادة ما يمرّغه الإعلامي العربي برأيه، ومن مجموعة هذه الآراء يصنع المتلقي وجهة نظره بعد أن يتمثل في نفسه منها الكثير. وحرصاً من أي متلقٍ حاذق على أخذ الأخبار من مصادر موثوقة، صار يلجأ إلى وسائل الإعلام العالمية التي حرص أكثرها على فتح أقنية خبرية متداخلة؛ سمعية وبصرية ومقروءة، فثقته بوسائل الإعلام المحلية والإقليمية منعدمة، انعدام ثقته بالقائمين عليها من حكومات وأفراد، وهذا الشعور بالريبة من هذا الإعلام صار حساً شعبياً جمعياً يعرفه أبسط الناس، حتى إنك ترى وتسمع منذ وقت طويل عند شيوخ العراق كلمات لإشارة الى خبر ما بالجزم تأكيداً عليه:"قالها أبو لندن"!، وتعني محطة البي بي سي العربية.أو "قالها أبو رويتر"!، وهذه الكلمات كافية لإثبات ما يريد القائل تعزيز ثقة السامع به، وهذه حكاية قديمة، وقصص يعرفها الأسلاف ، ونعرفها بمعاصرة الإذاعات الموجّهة للعرب أو وكالات الأنباء التي صارت تنقل وتهتم بأخبارهم.

مغالطات إعلام وأعلام!

حين نتابع مشهد بعض الأخبار وتحريرها في هذه المحطة، وفي وكالة رويترز، فيما يتعلق بالشأن العراقي، سنكتشف الكثير، فرويترز تعتمد على مراسلين أجانب بالكاد يخرجون من المنطقة الخضراء، أو يتحصّنون في فنادق محمية ولا ينصح بالتحرّك خارجها لضرورات أمنية، لذلك تراهم يعتمدون على عيون عربية أو عراقية في التحركات السريعة في بغداد وضواحيها لتغطية المشهد، وحال وصول هذه الأخبار إلى المراسل الأصلي تجده ينقلها إلى وكالته، والعذر موجود، ولكن الحقيقة (لا تـُعـْذِر)!.

منذ وقت طويل أتابع نفساً غريباً في بعض الأخبار التي توردها رويترز من العراق، وبسهولة أستطيع إدراك اللاموضوعية نوعاً ما، وعدم الدقة في بعض الأخبار، أو ورود صياغات تحمل رسائل طائفية، تجانب مهنية المراسل والإعلامي، وأحيانا جهله بالموضوعة العراقية تاريخياً، وحتى جغرافياً، وما يتبع هذا الجهل من مغالطات تتجاوز كونها أخطاء عابرة، وللمثال سأقرأ مع القارئ الكريم سطراً واحداً من خبر أوردته رويترز في نقلها الإستباقي لمجزرة مسجد براثا، يقول الخبر بالنص مثلما نشره موقعهم على الشبكة العالمية الإنترنت:

"قالت الشرطة العراقية ان مفجرا انتحاريا داخل مسجد شيعي في بغداد وآخر خارجه فجراً نفسيهما يوم الجمعة وقتلا 40 شخصا على الأقل. وأصيب في الانفجاريين 45 . والمسجد الواقع في شمال بغداد تابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق المشارك في الائتلاف الشيعي".

في ثلاثة أسطر من خبر تورده وكالة عالمية مهمة مثل رويترز، وفي نقل عاجل من أخبار سبقها الصحفي، ترد ثلاثة أغلاط، وليس أخطاء؛فالخطأ يحتمل التصحيح لأنه قد يدخل في السهو أو الخطأ اللغوي، لكن ما يرد من مغالطات تبدو غريبة، الأولى تتضح في قولهم"إن مفجراً انتحارياً" وهو في حقيقته هجوم إرهابي ينبغي الإشارة لها مبدئياً، والثانية في إضفاء طابع طائفي على الخبر بقولهم".. والمسجد تابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق المشارك في الائتلاف الشيعي" ، والمغالطة الثالثة المستفظعة تكمن في جهل مراسل رويترز بأهمية هذا المكان، فهذا المسجد أقدم من بغداد بقرن ونيف من السنوات كأثر إسلامي، وأقدم من الإسلام كأثر عراقي، ولا تبعية له للشيعة أو السنة، لأنه يـُعرف ب "ملتقى الأديان" ويشدّ إليه الرحال من العالم المسيحي كمكان مقدس له عمق في التاريخ ولا زال يحمل اسمه السرياني.

أما عن مغالطات البي بي سي العربية فحدث ولا حرج، وللحديث شجون متواصلة في كلّ خبر، وحين نقرأ ما أوردته هذه المحطة في ذات النقل للخبر، سنتعرف إلى مغالطات تفوق الثلاثة التي وردت في نقل وكالة رويترز، فمحرر الخبر في البي بي سي غلـّفه بتهويمات أخرى بالقول في السطر الأخير من الخبر:"وقالت محطة تلفزيون الفرات إن ثلاث قذائف هاون استهدفت المسجد الذي يتبع المجلس الأعلى للثورة الاسلامية"، فالمعروف عن هذه المحطّة إنها لا تعتد بأي نقل من غير مصادرها هي، وحين تنقل هذه المرّة عن تلفزيون الفرات فنقلها لغاية سيدركها القارئ من دسَّهم لما يراد القول به في اتجاهين:الأول خبر "قصف الهاون" الذي ينفي الهجوم الانتحاري نقلا عن هذا التلفزيون، والثاني في تبعية تلفزيون الفرات، وتبعية مسجد براثا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

هذا الهوس الإعلامي العربي قولاً بالتبعيات، والتقسيمات الطائفية، غير مستغرب ما دمنا نسمعه من رؤساء دول يجعلون تبعية أكثرية بلد ما بالولاء إلى بلد آخر غير وطنهم، فالمغالطات أصبحت مغالطات إعلام وأعلام أيضاً.

وكل ذلك بحسب رأي علي شايع في المصدر المذكور.

المصدر: ايلاف-10-4-2006