عن الصحافة .. تلك السلطة الرابعة

 

 

منتصر الزيات

 

 

مازال الجدل مستمرا في مصر حول ضرورة تعديل قانون سلطة الصحافة والمطالبة بتنفيذ وعد رئيس الجمهورية بتعديله وعدم حبس الصحفيين.

والحقيقة أنه علي مر العصور كانت الصحافة هي المرآة التي تبصر الناس بعيوبهم وهي في الوقت ذاته خط الدفاع الأصيل الذي يحمي المواطنين ضد تغول السلطة وأجهزتها وجهاز كشف الفساد وحينما اصطلحت المجتمعات علي إطلاق اسم السلطة الرابعة عليها كان هذا نتيجة إيمان حقيقي بدورها وسلطتها المعنوية الهائلة وإذا كان القضاة هم ضمير المجتمع فإن الصحفيين كانوا صوته الناطق بالحق.

وقد عرف التاريخ في حقب تاريخية مختلفة حاول الحكام خلالها تكميم أفواه الشعب بقصف أقلام الصحفيين وسجنهم واتهامهم بالتطاول علي الذات الملكية حينا والجمهورية أحيانا أخري غير أن القضاء المصري كان دائما ما ينصف الصحفي ويبرئه من الاتهامات السياسية وإن غلفت في ألفاظ وعبارات قانونية .

وحينما ساد الطغيان وتفشي الاستبداد في فترات أخرى لم يستطع الطغاة سجن أصحاب بلاط الصحافة وإنما كل ما استطاع فعله هو تحويلهم لأعمال إدارية ووظائف أخري حتي قضية اتهام مصطفي أمين بالتخابر التي دفع فيها أحلي سنوات عمره علم القاصي والداني أنها قضية ملفقة.

كان ميزان العدالة هو الفيصل في تبرئة الصحفي من محاولات السلطة اتهامه وخلط الأوراق بين واجبه في النقد وبين ما يقع تحت طائلة القانون.

واستمرت الأحوال علي هذا النحو طويلا استقر خلالها ما هو واجب وما هو مباح وما هو حرام في أداء الصحفي أو الكاتب لواجباته المهنية حتي تدخل بعض الترزية الذين يزينون لأهل الحكم التدخل التشريعي في قضايا النشر ودخلنا في السنوات الأخيرة في متاهات تعديلات تشريعية مختلفة تارة أثناء إمضاء بعض مواد قانون الصحافة وتارة أخري أثناء إمضاء بعض مواد قانون العقوبات وبصفة عامة شهدت السنوات الأخيرة زفة تشريعية ويعرف المجتمع باستقراره متي استقرت تشريعاته زمنا طويلا ويضطرب بكثرة تعديلاته التشريعية.

لكن الذي يجب الاتفاق حوله مسائل جوهرية أهمها ضرورة توفير المناخ اللازم في بلاط صاحبة الجلالة من أجل أن يؤدي أصحابه عملهم بحرية واسعة دون رقيب يعد عليهم الكلمات أو يتدخل بالحذف وهذا ما حققناه فعلا بشكل كبير منذ فترة طويلة استقرت خلالها نعمة الحرية في بلاط صاحبة الجلالة.

وفي الوقت نفسه ينبغي سيادة ثقافة احترام الحريات داخل أجيال الصحفيين الشبان فيعلموا الفرق جيدا بين النقد وبين السب والقذف وعلي المشرع أثناء تناوله لمشروع تشريع يتعلق بحرية الصحافة أن يفرق بين ما يمكن اعتباره حق النقد وهو ما يحاول البعض أن يتهرب منه بإسناد اتهام السب للصحفيين وما يمكن اعتباره قذف ويمكن أن يشكل بالفعل جريمة إسناد اتهامات لأبرياء بواقعات محددة دون توفر مستندات أو أدلة حقيقية أو حكميه لا تنفيها أي عبارات اعتذار أو تبرير فإسناد جريمة السب يحتاج إلي دحض المشرع وإطلاق حق الصحفي في النقد بينما إسناد جريمة القذف قد تتضمن وقائع اتهام محددة لمواطن أو مسئول محدد يثبت عدم صحته وبالتالي يستوجب التدخل التشريعي بالعقوبة المقررة في القانون العام.

لسنا في حاجة إلي نصوص خاصة أو قوانين شاذة لتناول جرائم النشر بقدر ما نحتاج فعلا إلي تطبيق القانون العام العادي الطبيعي فيها وإذا كنا علي مدي خمسة وسبعين عاما لم نشهد تجاوزا يذكر في مجال النشر أمام القضاء فقد تبدو الأزمة في تلك النصوص الإضافية التي تم حشو القوانين الخاصة بها.

إن الصحفي يحتاج إلي حصانة لازمة له في أدائه لعمله بالقدر الذي يحتاج فيه المواطن أيا كان موقعه مسئولا رسميا أو مشتغلا بالعمل العام إلى الحماية من تلويث سمعته أمام أسرته ومجتمعه الذي يعيش فيه وهو أمر يحتاج إلي توازن حقيقي موضوعي وعادل.

إن رجال الصحافة الذين يتعرضون للأخطار ويتهدد هم الموت أحيانا أو السجن أحيانا أخرى هم قبل غيرهم لا يرضون أن تكون علي رأسهم ريشة '' فلا يتعرضون للعقوبة إن أخطأ أحدهم حتي وإن ثبت في حقه الخطأ لا يحبس و يكتفي بالغرامة ذلك تغول علي العدالة يأباها الضمير السليم فالقاضي الذي يثبت ارتكابه للجريمة يحبس ويعزل وتوجد حالات متعددة لقضاة اتهموا بالرشوة ونظرت المحاكم قضاياهم وأدين بعضهم وبرئ آخرون ولم يزل بعضهم قيد الحبس والمحاكمة والمحامي كذلك لو خرج على حدود واجبات مهنته يسأل بل كثيرا ما تنتهك حقوقه هو داخل أقسام الشرطة فلا ينبغي أن يميز الصحفي ففي تميزه مخالفة دستورية تقول إن المواطنين أمام القانون سواء.

القضاة وهيومان رايتس : يثور جدل في مصر هذه الأيام بمناسبة اعتزام نادي قضاة مصر مقابلة وفد للمنظمة الأمريكية هيومان رايتس وتش المعنية بأوضاع حقوق الإنسان وقيل أن هذه المقابلة إن تمت فهي بناء علي طلب من المنظمة الأمريكية والذي لا شك فيه أن مثل هذا اللقاء يصدم المواطن المصري في صميم إيمانه بقدسية القضاء والقضاة إن مثل هذه الخطوة ستنال من ذلك التعاطف الواسع الذي يحتمي به نادي قضاة مصر في الضمير الشعبي فكيف يقبل الشعب الذي يسلم بحتمية خضوع الجميع أمام سلطة القضاء أن يستجوب أجانب ليست لهم صفة قضائية أو حتي إلزامية دولية قضاتنا !! ويسألون والقضاة يجيبون !! هذا وضع شاذ ننزه قضاتنا عن الوقوع فيه .

إننا بالتأكيد نشعر بمدي العنت الذي يتعرض له نادي قضاة مصر من كافة مستويات الأجهزة الرسمية التنفيذية والتشريعية الخاضعة للنظام وتدور في فلكه لكن لأننا نعرف مدي شفافية القضاة ونزاهتهم ونقبل منهم إدارة المعركة شعبيا باعتبار أن جزءا من الأزمة متعلق بحق الشعب في مباشرة حقوقه السياسية والدستورية لكن أن يمتد الطرح ليشمل منظمات حقوقية أجنبية فتلك بقعة سوداء في الثوب الأبيض.

*رئيس لجنة الحريات بنقابة المحامين

وكل ذلك بحسب رأي منتصر الزيات في المصدر المذكور.

المصدر: الراية القطرية-1-4-2006