تقرير جديد يلقي الضوء على التحديات الجديدة أمام الإعلام الأمريكي

 

 

صدر أخيرا تقرير بعنوان The State of the News Media 2006 "حالة وسائل الإعلام الإخبارية عام 2006"  يتعرض لأحوال كافة وسائل الإعلام الأمريكية من صحف وشبكات إذاعة وتليفزيون وأيضا صحافة الكترونية من مواقع علي شبكة الانترنيت ومدونات ـ بلوغز. والتقرير من إعداد معهد مشروع الامتياز في الصحافة ذي صلة بمدرسة الصحافة بجامعة كولومبيا. وشارك في إعداد الدراسة عدد من معاهد ومراكز الأبحاث المعنية بشئون الإعلام في الولايات المتحدة. والتقرير ضخم ويضم أكثر من 178 ألف كلمة.

والدراسة التي مولتها مؤسسة بيو الشهيرة ـ تتناول توجهات كل وسيلة إعلام ـ مضمونها وجمهورها واقتصادياتها. كما تعالج بالتحليل التحديات التي تواجهها وسائل الإعلام الأمريكية وأيضا مواقف وأراء الجمهور المتلقي تجاه تلك الوسائل.

2005 بداية موت الصحافة المكتوبة

ويري التقرير في مقدمته بأن استعراض أبرز العناوين الخاصة بالإعلام والصحافة في العام الذي مضى قد يدفعنا إلى التساؤل هل سنذكر في يوم من الأيام عام 2005 بأنه كان العام الذي شهد بداية موت الصحافة المكتوبة؟ خصوصا أن الأخبار غير السارة والخاصة بالصحف الكبرى جعلت الكثير من المتابعين يتساءلون إذا كان هذا حال الصحف الكبرى فماذا سيكون حال الصحف الصغرى؟ فصحيفة نيويورك تايمز ـ مثلا ـ قررت الاستغناء عن 60 من محرريها. قرار مشابه اتخذته صحيفة لوس أنجلوس تايمز بالاستغناء عن 85 من محرريها. ومع حلول شهر نوفمبر بدا واضحا أن مجموعة نايت ريدر الصحفية (التي تنشر أكثر من 30 صحيفة أمريكية) تعاني ماديا وأنها ستطرح للبيع وهذا ما حدث أخيرا. وبالطبع لا يمكن تجاهل ما حدث من تدهور في اقتصاديات الصحف بسبب انخفاض التوزيع ونقص الموارد المالية أيضا.

وهذا القلق لم يقتصر علي الصحف بل امتد للمجلات الكبرى ( تايم و نيوزويك ويواس نيوز) فكبرى تلك الشركات تايم ـ لأنها بدأت تعاني من هبوط في حجم الإعلانات و أعداد التوزيع ـ قررت الاستغناء عن 205 من العاملين بها ووعدت بأنها سوف تغير نفسها من شركة "ناشرة لمجلة "إلى "شركة إعلامية متعددة الوسائل" وتحديدا بالانجليزية “multiplatform media

company ". وحسب ماتم شرحه في توصيف هذا المفهوم هو أن تقوم "تايم" بتقديم خدماتها الإخبارية في أكثر من شكل ووسيلة ـ مكتوبة ومرئية ومسموعة و .. الكترونية.

ويتفادى التقرير القيام  بكتابة "شهادة وفاة"  للصحف ويكتفي بالإشارة إلي ما قاله توم جولدستين العميد السابق لكلية الصحافة بجامعة كولومبيا "إذا لم تتفاعل وتتغير الصحف حسب الأجواء المتبدلة فأنها سوف تواجه خطر الفناء" . ولا ينسى التقرير التذكير بأن الصحف مازالت تعد أكبر المؤسسات في الولايات المتحدة في مجال جلب وجمع الأخبار بالنسبة لأغلب المدن كما أنها المصدر الرئيسي لمد الانترنيت بالمواد الإخبارية.  ويذكر التقرير أن ما نشهده في الوقت الحالي لا يدفعنا للاستنتاج بأن الصحف سوف تموت قريبا ولكننا نشهد تغييرا ضخما ـ زلزالا في الوسائل والطرق التي يستطيع بها المواطن أن يعرف ماذا يحدث في العالم. وأن دور أو نفوذ الصحفي "كحارس بوابة" حول ما يعرفه أو لا يعرفه الناس أخذ في التقلص. كما أن المواطن أو القارئ أو المستهلك للمادة الإعلامية يريد أن يلعب دورا أكثر فاعلية في تجميع وتحرير واختيار وأحيانا خلق تلك الأخبار. والأهم أن الجمهور أو المتلقي يبتعد عما يمكن تسميته بالميديا القديمة مثل التليفزيون (نعم التليفزيون) والصحف متوجها إلى الميديا الجديدة أي الانترنيت. ومن هنا تأتي ضرورة وأهمية أن يقوم الصحفي بتطوير وتحديث أدواته وتحديد تلك المبادئ والقيم التي يريد أن يدافع عنها ويحميها في المستقبل.

الإنترنت وانخفاض توزيع الصحف

بالنسبة للصحف يبين التقرير أن مع نهاية شهر سبتمبر 2005 فان توزيع الصحف - خلال أيام الأسبوع ويوم الأحد "العدد الأسبوعي"- قد انخفض بنسبة 3 في المائة من العام السابق. وأن مابين عامي 1990 و2004 فأن الصحف خسرت نحو 12 في المائة من توزيعها اليومي (7.7 مليون نسخة) و8 في المائة من توزيعها لعدد الأحد الأسبوعي (4.9 مليون نسخة). وتوجد أسباب عدة لشرح وتفسير الانخفاض إلا أن هناك عنصرا واحدا يساهم في تسريع هذا الانخفاض وهو أن الكثير من الأمريكيين يتوجهون إلى الانترنيت من أجل متابعة الأخبار.

اللجوء إلي الانترنيت وتحديدا مواقع الصحف الكبرى أصبح توجه ملحوظ في الفترة الأخيرة ولذلك اهتمت تلك الصحف بإثراء وتعميق مضمون الموقع ـ فتوجد بجانب مواد الصحيفة المنشورة مواقع ذات صلة وأرشيف وحوارات مع كتابها وإمكانية التواصل معهم الكترونيا من أجل تبادل الآراء والخبرات والإلمام بكل جوانب الموضوع.

ويشير التقرير إلى وجود ستة توجهات جديدة جديرة بالاهتمام والرصد خلال العام الحالي2006 في إطار متابعة التغييرات الجارية في عالم الصحافة والإعلام:

- لعل أبرز توجه أو صدمة هو قيام وسائل إعلام عديدة و كثيرة بتغطية لأحداث أقل. فمع تزايد وسائل وأماكن بث ونشر الأخبار إلا أن الجمهور لكل وسيلة من تلك الوسائل يتناقص كما أن عدد الصحفيين العاملين في كل وسيلة إعلام معرض للانخفاض. ثم نجد- حسبما يذكر التقرير- أن تلك الوسائل عليها أن تغطي الأحداث الكبرى مثل كارثة كاترينا فتوجه كل مواردها البشرية والمالية لذلك الحدث وبالتالي لا تستطيع أن تتابع أحداث أخري أو تغطيتها بشكل جاد ومتعمق.

- ثم بالنسبة للتوجه الثاني نجد أن الصحف الأكثر تعرضا لتهديدات ومخاطر العصر هي الصحف المحلية للمدن الكبرى والتي كانت صاحبة النفوذ المؤثر في أواخر القرن العشرين. وأن هذه الصحف بما لها من إمكانيات مادية وبشرية تحاول الآن أن تطور نفسها تماشيا مع ما يستجد في حياة المدينة وضواحيها وما يطالب به ساكنو المدينة. 

- أما التوجه الثالث فهو أن المثاليين أو المدافعين عما كان يسمى في وقت من الأوقات مبادئ وقيم للدفاع عن المصلحة العامة في المؤسسات الإعلامية العريقة قد خسروا مواجهتهم الضارية مع الإدارة المالية أو المحاسبين المعنيين بشئون الأموال في تلك المؤسسات. والتقرير رغم رصده لهذا التوجه في إطار الحديث عن توجهات الوقت الحالي إلا أن المهتمين أو المهمومين بشئون الإعلام لا يرون في هذا الشيء الجديد بل هو التوجه المتواجد والمتجدد الذي يضرب الإعلام والإعلاميين في صميم عملهم وحياتهم. فعام 2005 شهد ابتعاد أو انسحاب أحد أبرز رؤساء التحرير في الولايات المتحدة من العمل الصحفي وهو جون كارول رئيس تحرير لوس انجلوس تايمز بعد خلافات إدارية مع رؤسائه. خطوة مماثلة اتخذها نجم أخر من نجوم الإعلام هو الإعلامي التليفزيوني الشهير تيد كابل وهو يبتعد عن شبكة اي بي سي التليفزيونية.

- أما التوجه الرابع في توجهات الإعلام الأمريكي الجارية أن الميديا التقليدية نفسها، مثلما حدث مع صحيفة "واشنطن بوست" تسير بل أحيانا تهرول وتركض نحو الابتكارات التكنولوجية الحديثة.

- يلاحظ التقرير- كتوجه خامس- أن من يوصفون بجامعي الأخبار على شبكة الانترنيت مثل موقعي غوغل وياهو يستعدون لتطوير أدواتهم ووسائل تواصلهم مع مستهلكي الأخبار.

- ويبقى السؤال الأساسي في عالم الإعلام ـ كتوجه سادس ـ كم من الوقت تحتاجه الصحافة الالكترونية لكي تتحول إلى آلة اقتصادية ومالية ضخمة قادرة على جلب الأموال مثلما هو الحال مع الصحافة المكتوبة والتليفزيون في الوقت الحالي!؟

شك وريبة

يشير التقرير إلى أن الرأي العام لا يزال ينظر بالشك والريبة تجاه وسائل الإعلام...

تري ما هي الأسباب والدوافع ؟ وهذا هو ما سنتناوله في الأسبوع المقبل ونحن نواصل قراءتنا للتقرير. وماذا يعني عام 2007 للصحافة الالكترونية؟ وتري ما هي اقتصاديات الراديو والتليفزيون في أمريكا؟ وماذا عن شبكات الكابل الإخبارية مثل CNN وFOX وMSNBC والصراعات الدائرة فيما بينهم من أجل كسب نسبة أكبر من المشاهدين؟ وما نصيب الصحافة االعرقية من كل هذا التنافس الإعلامي؟ وأسئلة وقضايا أخري يطرحها التقرير المتميز والمتعمق في أحوال الميديا الأمريكية.  

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد51-25-3-2006