حصاد السلطة الرابعة

تشرين الأول  2007

القسم الثالث

بإشراف : إحسان جواد علي

 

 

فريد زكريا : يريدوننا أن نصدق أن طهران على وشك أن تقلب النظام الدولي!

العقوبات الاقتصادية على طهران...بداية النهاية

موسكو - واشنطن: في البدء كان النفط !

استقالة لاريجاني: تغيير وجوه أم تغيير مسارات

هل يستخدم بوتين ايران مثلما استخدم خروتشيف كوبا ؟

واشنطن وطهران... حرب كلامية بلا سقف!

 

 

 

فريد زكريا : يريدوننا أن نصدق أن طهران على وشك أن تقلب النظام الدولي!

 

فريـد زكريـا

 

 

على أي كوكب نعيش؟

خلال لقاء مع الصحافيين الأسبوع الماضي، قال الرئيس بوش: "إذا كان يهمكم تجنب حرب عالمية ثالثة، لا بد أن تكونوا مهتمين بمنع [ إيران ] من امتلاك الخبرة الضرورية لصنع سلاح نووي". لم يكن هذا تعليقا ساخرا من محافظ جديد متطرف أو سياسي مهمش يحاول لفت انتباه الإعلام كان هذا رئيس الولايات المتحدة، مشيرا إلى إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة إذا اكتسبت إيران مجرد المعرفة الضرورية لصنع سلاح نووي.

يبدو أن النقاش الأمريكي بشأن إيران لم يعد يمت للواقع بصلة. نورمان بودوريتز، الإيديولوجي المحافظ الجديد الذي استشاره بوش في هذا الموضوع، كتب أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد "مثل هتلر ...ثوري هدفه قلب النظام الدولي القائم والاستعاضة عنه مع مرور الزمن بنظام تهيمن عليه إيران وتحكمه الثقافة الدينية السياسية المرتبطة بالفاشية الإسلامية". لكن بودوريتز لا يقدم أي إثباتات تدعم رأيه المذهل هذا.

إليكم ما يجري على أرض الواقع. إن الاقتصاد الإيراني بحجم اقتصاد فنلندا، وميزانية إيران الحربية تصل إلى 4.8 بليون دولار. وهي لم تغز أي بلد منذ أواخر القرن الـ18. أما الولايات المتحدة فناتجها المحلي الإجمالي أكبر بـ68 ضعفا من ناتج إيران وإنفاقها العسكري أكبر بـ 110 أضعاف وإسرائيل وكل الدول العربية (باستثناء سوريا والعراق) متحالفة بشكل سري أو علني ضد إيران مع ذلك، يريدوننا أن نصدق أن طهران على وشك أن تقلب النظام الدولي وتستعيض عنه بنظام إسلامي فاشي. على أي كوكب نعيش؟

عندما انتخب محمد خاتمي المعتدل نسبيا رئيسا لإيران، أشار المحافظون الأمريكيون إلى أنه مجرد رئيس صوري وقالوا (وهم محقون في ذلك) إن السلطة الفعلية، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على الجيش والشرطة، في يد "القائد الأعلى" غير المنتخب، آية الله علي خامنئي. الآن وقد أصبح أحمدي نجاد رئيسا، يدعون أنه على وشك إطلاق صواريخه النووية. (مهلا، لكن إيران لا تملك أسلحة نووية بعد ولن تمتلكها قبل ثلاث إلى ثماني سنوات وفقا لوكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه»، وفي تلك المرحلة قد لا يكون أحمدي نجاد رئيسا. لكن هذه مجرد وقائع).

في خطاب ألقاه رودي جولياني الأسبوع الماضي، قال إنه في حين كان بالإمكان ردع الاتحاد السوفييتي والصين خلال الحرب الباردة، فإنه لا يمكن ردع إيران بهذه الطريقة، شارحا أنه مازال لدى النظامين السوفييتي والصيني "بقايا من التفكير المنطقي". يا للغرابة. ستالين وماو ــ اللذان أمرا بقتل ملايين الناس من شعبيهما، وشجعا أعمال التمرد والثورات، وجوعا مناطق بأسرها لأنها كانت تعارضهما - كانا منطقيين. ولكن ليس أحمــــدي نجاد، وما هي أعماله الشنيعة حتى الآن؟ أحد أغرب الأمور المحيطة بالهستيريا الحالية فيما يتعلق بإيران هو أن المحافظين أصبحوا راضين عن اثنين من أكبر السفاحين في التاريخ.

لو كان علي أن أختار من هو المجنون بين كيم يونغ إل الكوري الشمالي وأحمدي نجاد، ما كنت لأحتار. قبل عقد، ترك كيم يونغ إل مليوني شخص من شعبه يموتون جوعا، وأجبر الآخرين على أن يقتاتوا بالعشب، فيما راح يستورد غالونات من النبيذ الفرنسي الباهظ الثمن. لقد باع تكنولوجيا نووية لدول مارقة أخرى وهدد جيرانه من خلال إطلاق صواريخ تجريبية مع ذلك، فإن الولايات المتحدة ستشارك في عمليات إغاثة دولية لمصلحة بيونغ يانغ تبلغ كلفتها بلايين الدولارات.

نحن على مسار لا يمكن الرجوع عنه سيؤدي إلى مواجهة مع بلد لا نكاد نعرف عنه شيئا فحكومة الولايات المتحدة لم ترسل دبلوماسيين إلى إيران منذ نحو الـ30 عاما وبصعوبة اجتمع مسؤولون أمريكيون مع أي سياسيين أو مسؤولين إيرانيين. وما من تواصل بيننا وبين المجتمع المدني النابض بالحياة في ذلك البلد. إيران بلد نجهل كل شيء عنه... تماما كما أصبح العراق عام 2003.

المرة الوحيدة التي تفاوضنا فيها جديا مع طهران كانت في الأيام الأخيرة من الحرب في أفغانستان، كي نبني نظاما سياسيا جديدا في ذلك البلد. جيمس دوبنز، ممثل بوش في مؤتمر بون، يقول إن "الإيرانيين كانوا محترفين وصريحين وموثوقين ومتعاونين جدا وكان دورهم أساسيا في نجاحنا. لقد أقنعوا تحالف الشمال بالقيام بالتنازلات النهائية التي طلبناها إليه".

يقول دوبنز إن الإيرانيين حاولوا من خلاله ومن خلال غيره أن يحسنوا علاقاتهم بالولايات المتحدة عام 2001 وفي وقت لاحق لكن من دون أن يلقوا جوابا. ويتذكر أنه حتى بعد خطاب محور الشر، عرضوا التعاون في أفغانستان. وقد نقل دوبنز اقتراحهم لكبار المسؤولين في اجتماع في واشنطن لكنه قوبل بصمت مطبق. يقول إن دونالد رامسفيلد الذي كان وزير الدفاع آنذاك "أشاح بنظره وراح يقلّب الأوراق بين يديه". لم يتم إرسال أي جواب إلى الإيرانيين. ما الجدوى من ذلك؟ إنهم مجانين.

السنة الماضية، كتب برنارد لويس، الباحث في جامعة برينستون والمستشار المقــرب من بــوش ونائب الرئيس ديك تشيني مقالة في وول ستريت جورنال يتنبأ فيهــا بـأن الرئيس نجاد سيدمر العالم في 22 أغسطس عام 2006،لكان كل هذا مضحـكا لو لم يكن في غاية الخطورة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:نيوزويك-3-11-2007

 

 

العقوبات الاقتصادية على طهران...بداية النهاية

 

هيلين كوبر

 

دلالة على ضبط النفس أكثر من كونها مؤشراً للحرب

بإعلانها فرض عقوبات جديدة على نخبة طليعية في الحرس الثوري الإيراني يوم الخميس الماضي، حرصت إدارة الرئيس بوش على التأكيد بأن الولايات المتحدة، على الأقل في اللحظة الراهنة، لن تذهب إلى الحرب مع إيران. وقد شدد على ذلك ''نيكولاس بيرنز'' وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية بقوله: ''لا نعتقد بأن الصراع أمر حتمي، لذا يأتي قرار العقوبات لتعزيز الدبلوماسية ولا يؤشر في أي حال من الأحوال على استخدام القوة''. وبموجب التحرك الأخير للإدارة الأميركية، أُدرجت قوات فيلق ''القدس'' التابع للحرس الثوري وأربعة بنوك حكومية في إطار المؤسسات المساندة للإرهاب، فيما اعتبر الحرس الثوري نفسه مصدراً رئيسياً للصواريخ البالستية، وبالطبع ساهم قرار فرض العقوبات في رفع وتيرة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حول قضايا الإرهاب والأسلحة النووية.

بيد أن القرار عكس أيضا الحذر الذي اتسمت به الإدارة الأميركية بمقاومتها للدعوات المطالبة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، رغم أنها تتهم قوات ''فيلق القدس'' بمساعدة الميليشيات الشيعية في تنفيذ هجماتها ضد الجنود الأميركيين، بل وقامت في هذا الإطار باعتقال عناصر من الفيلق. وفي السياق ذاته يقول ''أنطوني كوردزمان'' - الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية -: ''ليس القرار تحذيراً من أن الولايات المتحدة ستغزو إيران، بل من أن مستوى التصعيد الإيراني، لا سيما في العراق قد وصل إلى حد غير مقبول''، مضيفاً: ''لذا فإن القرار يظهر ضبط النفس أكثر مما يؤشر على الحرب'' ومع ذلك يشكل القرار الأميركي الأخير انعطافاً واضحاً نحو السياسة الأحادية بعد 18 شهرا حاولت خلالها الولايات المتحدة الترويج لفضائل التحرك الجماعي ضد إيران.

ويتضمن هذا التغيير في موقف الإدارة الأميركية والمبادرة إلى فرض عقوبات إقراراً ضمنياً بأن الاستراتيجية الدبلوماسية التي أصرت على اتباعها وزيرة الخارجية ''كوندوليزا رايس'' كانت غير فعالة ولم تؤتِ أكلها وكما كان متوقعاً وجهت روسيا انتقادات إلى القرار الأميركي يوم الخميس الماضي عبر عنها الرئيس ''بوتين'' إلى وكالة الصحافة الفرنسية متسائلا: ''لماذا تعقيد الوضع أكثر والوصول بالأمور إلى الطريق المسدود من خلال التهديد بالعقوبات والتدخل العسكري؟'' وتتطلع الإدارة الأميركية إلى مشاركة حلفائها عبر العالم وتبنيهم موقفاً صارماً، لا سيما وأن الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على إيران منذ الثورة الإسلامية في العام ،1979 لم تعد تملك الكثير من النفوذ على الساحة العالمية.

لذا تهدف الإدارة الأميركية إلى توظيف قوتها لعزل إيران من الناحية السياسية والاقتصادية ومنع المؤسسات الأجنبية من التعامل معها. وفي هذا الإطار وصفت ''رايس'' العقوبات بأنها ''ستكون رادعاً قوياً لأي بنك أو شركة دولية تنوي التعامل مع الحكومة الإيرانية''.

ومع ذلك يقر المسؤولون الأميركيون بأن المحاولات السابقة للولايات المتحدة الساعية إلى إشراك الحلفاء في تضييق الخناق على إيران لم تثمر النتائج المرجوة بسبب استمرار بعض الدول في التعامل الاقتصادي والتجاري مع طهران.

إلى ذلك أكدت وزيرة الخارجية الأميركية ''كوندوليزا رايس'' استمرار المسؤولين الأميركيين في العمل مع نظرائهم الأوروبيين والروس والصينيين للتوصل إلى حزمة جديدة من العقوبات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للجم طموحات إيران النووية، لكنها قالت أيضاً إنها مستعدة ''للقاء بأي مسؤول إيراني في أي وقت وفي أي مكان'' شريطة تعليق إيران أولا أنشطتها النووية، وهو ما لم يبدر عن إيران حتى الآن، ولا يبدو أنها ستقوم بذلك، بصرف النظر عن دعوات مجلس الأمن لها بوقف تخصيب اليورانيوم. والواقع أن كبير المفاوضين الإيرانيين بشأن الملف النووي ''علي لاريجاني'' -الذي يعتبره المسؤولون الأميركيون من المعتدلين- استقال من منصبه ليستبدل بـ''سعيد جليلي'' الذي يعتقد بأنه أحد مؤيدي الرئيس الإيراني المحافظ ''محمود أحمدي نجاد''.

ويشار إلى أن الولايات المتحدة لم تضع مجمل الحرس الثوري الإيراني في دائرة الاتهام كمنظمة إرهابية حتى عندما ساندت هذه الخطوة السيناتور ''هيلاري كلينتون'' من نيويورك التي صوتت لصالح مشروع قرار يصنف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية خلال الشهر الماضي، معرضة نفسها لهجوم لاذع من أعضاء الحزب الديمقراطي.

لكن القرار الأخير الذي استهدف ''فيلق القدس'' يعتبر مع ذلك محاولة لتضييق الخناق على المسؤولين الكبار في الحكومة الإيرانية، بمن فيهم مسؤولون في وزارة الدفاع، وهي المرة الأولى التي تستخدم فيها وصمة الإرهاب مصحوبة بالعقوبات الاقتصادية لعزل أو معاقبة المؤسسة العسكرية لدولة أجنبية.

من جهتها نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية ''إيرنا'' عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ''محمد علي حسيني'' استخفافه بتصريحات واشنطن، قائلا: إن السياسات العدائية التي تتبناها أميركا تخالف القواعد الدولية ''ومآلها الفشل''. وأضاف السيد ''حسيني'' أن الولايات المتحدة هي من تنتج الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية وتساند الجماعات الإرهابية، كما وصف اتهامات الإدارة الأميركية لإيران بتسليح الميليشيات الشيعية في العراق بـ''السخيفة''.

ومن ناحيتها رحبت إسرائيل بتصريحات واشنطن، حيث اعتبرها ''سالاي ميريدور''، السفير الإسرائيلي في أميركا ''خطوة دبلوماسية مهمة لمنع إيران- وهي خطر عالمي وراع بارز للإرهاب - من امتلاك الأسلحة النووية التي تهدد الأمن والسلام والدوليين'' ويذكر أن أربعة بنوك إيرانية، هي ''بنك ميلي'' و''بنك ميلات'' و''بنك سيديرات'' و''بنك كارجوشاي'' وضعت في خانة المؤسســات المسانــدة للإرهـــاب من خلال نشاطاتها في أفغانستــان والعراق والشرق الأوسط.

*عضو هيئة تحرير نيويورك تايمز

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز-30-10-2007

 

 

موسكو - واشنطن: في البدء كان النفط !

 

سعد محيو

 

هل بدأ التمرد الروسي على الإمبراطورية الامريكية يُـؤتي ثماره؟

يبدو أن الأمر كذلك أو هذا على الأقل ما يوحي به عرض وزيرا الدفاع والخارجية الأمريكيان، غيتس ورايس، للرئيس الروسي بوتين خلال لقائهما به في موسكو الأسبوع الماضي، والقاضي بتأجيل خُـطة نشر قاعدة إعتراض الصواريخ في بولندا ومحطة الرادار في تشيكيا، والتي تعتبرها موسكو نسفاً لرادعها النووي.

صحيح أن هذا العرض، كما لاحظ جوناثان إيال مدير مركز دراسات الأمن الدولي البريطاني، "يعتبر تنازلاً تكتيكياً يُـمكن لواشنطن التراجع عنه بكبسة زِر، فيما التنازلات الروسية المطلوبة في المقابل، وهي خنق إيران والإعتراف بإستقلال كوسوفو، غير قابلة للتراجع"، إلا أن مجرد قبول الإدارة الأمريكية بمبدإ المساومات مع حكومة بوتين، شكَل أوَل تحوّل من نوعه في السياسة الأمريكية إزاء موسكو منذ إنهيار جدار برلين عام 1989منذ ذلك الحدث، الذي تلاه مباشرة إنهيار الإمبراطورية السوفييتية، إعتادت واشنطن أن تفرض شروطها واعتادت موسكو أن تقبل هذه الشروط من دون تحفظ.

المنتصر في الحرب الباردة كان يحدّد جدول الأعمال، فيتعيّـن على المهزوم الرّقص على إيقاعه (الجدول)، وهذا تحقق على الوجه الأمثل خلال عهدي الرئيسين غورباتشوف ويلتسين وبداية عهد بوتين.

لكن، في النصف الثاني من ولاية بوتين (بدءاً من عام 2003) طرأت تحوّلات مهمّة في هذا النهج الروسي: من الإستسلام إلى التنافس، ومن التعاون المطلق إلى التنسيق المشروط، وتغذى هذا التحوّل آنذاك من عوامل عدة تشمل إنتعاش القومية الروسية مجدداً ونجاح بوتين في إعادة لملمة شتات الدولة الفدرالية الروسية وتحسَن أداء الاقتصاد الروسي بعد إنهيار إستمر أكثر من عقد، لكن الأهم في كل ذلك، كان نجاح بوتين في لعب ورقة النفط، وفي رمْـي قفّـازه في وجه الولايات المتحدة.

كيف حدث ذلك؟

العودة إلى وقائع الزيارة التاريخية لبوتين إلى إيران، والتي تضمّـنت المشاركة في قمة دول بحر قزوين، قد تساعد في الإجابة على بعض جوانب هذا السؤال، فيما ستتكفَّـل التطورات التاريخية، التي سنوردها في الإجابة على بقية الجوانب.

أعلن بوتين في طهران: "بعض الرؤوس الساخنة في الغرب لا تزال تسيطر عليها أفكار عن كيفية الوصول إلى احتياطات روسيا النفطية، بما في ذلك منطقة سيبيريا الشرقية، لكننا لسنا العراق، ونتملك القوة الكافية للدفاع عن مصالحنا" كما أعلن أيضاً: "يجب أن لا نحاول الاختباء وراء أصابعنا: الغزو الأمريكي للعراق استهدف في الدرجة الاولى السيطرة على احتياطاته النفطية".

لماذا قرر الرئيس الروسي كشف النِّـقاب على هذا النحو عن البُـعد النفطي في الحرب الباردة الجديدة، وإن الصغيرة والمحدودة، بين موسكو وواشنطن؟ وإلى أين يمكن أن تصل مثل هذه الحرب؟ قصة الماضي القريب قد تكون مفيدة هنا.

وقائع هذه القصَّـة بدأت في 3 مايو الماضي، حين أدلى نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني بخطاب في ليثوانيا أمام مؤتمر لقادة من دول البلطيق والبحر الأسود، أعتبره العديدون تاريخاً لحرب باردة جديدة بين روسيا وأمريكا.

جاء في الخطاب: "أمريكا وكل أوروبا تريد أن ترى روسيا في خانة الديمقراطيات الصحية والحيوية، ومع ذلك، ثمة في روسيا اليوم من يعارض الإصلاح ويسعى لعكس مكاسب العقد الماضي. في العديد من مجالات المجتمع المدني، من الدِّين إلى وسائل الإعلام والأحزاب، تقيّـد الحكومة بشكل غير عادل وغير ملائم حقوق شعبها، وهذا قد يؤثر على علاقاتها مع الدول الأخرى.

ثم قال: "لا مصلحة شرعية (لروسيا) تخدم حين يصبح النفط والغاز أدوات للتخويف أو الابتزاز، سواء عبر التلاعب بالإمدادات أو من خلال محاولة احتكار وسائل نقل الطاقة".

هذه الفقرة الأخيرة في خطاب تشيني كانت كل بيت القصيد، وجاءت بعد فشل واشنطن في السيطرة على شركة النفط الروسية العملاقة "يوكوس"، التي تحوّلت بسرعة إلى ثالث أو رابع أكبر شركة بترول في العالم، والتي كان رئيسها ميخائيل خودوركوفسكي وثيق الإرتباط بالدوائر الغربية، وعلى الأخص بديك تشيني وبيل غيتس.

كان خودوركوفسكي يخطط لبيع جزء كبير من أسهم "يوكوس" إلى أحد أصدقاء تشيني في شركات نفط تكساس، إما إكسون أو شيفرون. لماذا؟ لأن دخول الغرب على الخط سيمنع الكرملين من محاولة العمل على إستعادة هذه الشركة.

في الوقت ذاته، كان تشيني يضع اللَّـمسات الأخيرة على إستراتيجية السيطرة الأمريكية على كل نفط العالم، والتي حدّدت ملامحها الأولى في أوائل التسعينات  فهو أعلن عام 1998، حين كان مديراً في شركة هاليبورتون: "ليس هناك منطقة أصبحت فجأة مهمَّـة في عصرنا، كما هو الأمر مع منطقة بحر قزوين"، وهو كان على حق. فهذه المنطقة، وخاصة كازاخستان وأذربيجان، فيها ما بين 5 إلى 10 تريليون دولار من النفط، وربما أكثر.

في تلك الأثناء، برزت روسيا كثاني أكبر منتج للنفط في العالم، وفي قمة نفطية روسية - أمريكية عقدت في هيوستون في أواخر عام 2002، تمّ توقيع اتفاقية لبناء خط أنابيب من حقول النفط الغنية في غرب سيبيريا إلى ميرمانسك، حيث يمكن شحن البترول بعد ذلك بسهولة إلى الولايات المتحدة، هذا الخط كان يُـفترض أن يكون أول كونسوراتيوم خاص روسي بقيادة "يوكوس".

كانت هذه أيضاً أول محاولة كبرى لـ "تحرير" النفط الروسي من سيطرة الكرملين ونقله إلى السيطرة الأمريكية، لكن هنا برزت عقبة: بوتين وأنصاره إعتبروا هذا الأنبوب مؤامرة أمريكية، ولأنه فقَـد الثقة بواشنطن بعد إلغاء معاهدة "أي.بي.أم" وإنزال قوات القبَّـعات الخُـضر في جورجيا، فقد قرّر العمل.

بقية القصة معروفة: سيطرة الكرملين على يوكوس في صيف 2003 (بعد غزو العراق)، وضع خودوركوفسكي في السجن لمنعه من السيطرة على الدولة وتحويل روسيا إلى دولة نفطية تدور في فلك أمريكا، ومع هذا التطور، تبدّدت أحلام تشيني بالسيطرة على النفط الروسي، خاصة بعد أن ألغى بوتين مشروع خط أنابيب ميرمانسك. الآن هذا الخط في يد الكرملين وهو ينقل النفط إلى آسيا.

عقب أخيل الأمريكي

هذه كانت القصة الحقيقية وراء الحرب الباردة المحدودة الجديدة، والتي كشف بوتين النقاب عن مكوِّناتها الحقيقية، لكن، لماذا إختار الرئيس الروسي أن يقوم بهذه الخطوة بعد زيارته لطهران، وإلى أين يمكن ان تصل هذه الحرب التي تزكم روائحها البترولية القوية الآن كل الأنوف؟

الرئيس الروسي بوتين يُـدرك أمرين متلازمين إثنين:

الأول، أنه لا يستطيع، حتى لو أراد، خوض سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة، يمكنه أن يرد على نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكي في أوروبا الشرقية بإخراج قاذفاته الإستراتيجية النووية العتيقة وإطلاقها بمحاذاة الأجواء الغربية، وفق أنموذج الحرب الباردة السابقة (وهذا ما فعله)، يمكنه أيضاَ تطوير الصواريخ العابرة للقارات والانسحاب من معاهدة تقليص القوات التقليدية في أوروبا، لكن ليس في مقدوره تحدّي موازنة عسكرية أمريكية تبلغ 400 مليار دولار، بموازنة عسكرية روسية لا تتجاوز حدودها 4 مليارات دولار.

والثاني، أن عقب أخيل الأمريكي يكمُـن أولا وأساساً في النفط. فالولايات المتحدة، وبرغم أنها منتج كبير للبترول، إلا أنها تستورد 60% من حاجياتها (21 مليون برميل يومياً) من الخارج. أحجب أو عرقل إمدادات النفط عنها في بعض المناطق، تكون قادراً على تعريض أمنها القومي للخطر وإزدهارها الإقتصادي للإنهيار.

قيصر الكرملين يركِّـز كل ضرباته هذه الأيام تحت حِـزام عقب أخيل هذا. البداية (كما أشرنا)، كانت مع النفط الروسي نفسه، حين حاول نائب الرئيس الأمريكي تشيني السيطرة عليه طيلة حقبة التسعينات وبداية القرن الجديد، فأحبط بوتين كل مساعيه، وهذه كانت ضربة قوية للخطط الأمريكية التي وضعت قبل سنوات واستهدفت السيطرة على كل إحتياطي النفط العالمي، الذي سيبلغ ذروة الإنتاج بين عامي 2012 و2015، ثم يبدأ مسيرته الإنحدارية الكبرى.

لماذا كانت هذه ضربة قوية؟ لأن روسيا، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بعد السعودية، وهي تنتج الآن نحو 9 ملايين برميل يوميا بالمقارنة مع 10،5 مليون برميل تضخّـها المملكة وفي الفترة بين عامي 2000 و2006، زادت روسيا إنتاجها بمعدل 3 ملايين برميل في اليوم ويُـنتظر أن تضيف إليه 300 ألف برميل قبل نهاية سنة 2008.

بيد أن هذه كانت البداية، مجرّد البداية فقط، إذ سرعان ما تخطَّـى بوتين حدود الوطن الروسي ليضغط على مراكز الوجع النفطي الأمريكي في كل العالم :

فهو عرقل، جنباً إلى جنب مع الصِّـين، العديد من المحاولات الأمريكية لخنق إيران إقتصادياًَ في مجلس الأمن، وكسر خلال قمة قزوين الأخيرة في طهران الحِـصار الدولي عليها، حين كان ثاني رئيس روسي في التاريخ بعد ستالين (الذي حضر قمة طهران عام 1943)، يزور بلاد فارس وهو دعم رئيس فنزويلا شافيز (الذي تزوّد بلاده الولايات المتحدة بنحو 15% من مستورداتها النفطية) بالسلاح الخفيف والمتوسط، وسانده في تهديداته بقطع إمدادات النفط عن واشنطن وهو ضغط بقوة على كازاخستان وأذربيجان، المنتجتن الأبرز للنفط في بحر قزوين، لحملهما على قطع علاقاتهما العسكرية والنفطية مع واشنطن ثم أنه، أخيراً، نشط في نيجيريا والسودان ودول غرب إفريقيا لعرقلة الجهود الأميركية، للسيطرة على نفط تلك البلدان.

كما هو واضح، الدبّ الروسي يلاحق النّـسر الأمريكي في كل مكان يوجد فيه نفط، وهو لا يفعل ذلك طلباً لتجديد الحرب الباردة، بل لإجبار أمريكا على التعاطي مع مصالح روسيا بالإحترام والجدّية اللاّزمين بصفتها دولة كبرى.

هل ينجح بوتين؟

ليس ضرورياً أن ينجح. كل ما عليه فعله هو مواصلة ما يفعله الآن: لعب الورقة النفطية ضد واشنطن حتى الثّـمالة، ثم انتظار من سيصرُخ أولاً والآن، ومع اقتراب سعر برميل النفط من حاجز 100 دولار ومع تفاقم مشاكل أمريكا في العراق وإيران وآسيا الوسطى وبعض دول إفريقيا، قد لا تكون ثمَّـة حاجة للتساؤل عمَّـن سيصرُخ أولاً ولعل عرض غيتس ورايس تأجيل نشر الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية هو أول غيث الصُّـراخ الأمريكي المحتمل..

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو-28-10-2007

 

 

استقالة لاريجاني: تغيير وجوه أم تغيير مسارات

 

عبد العزيز بن عثمان بن صقر

 

 

لا نعلم حقيقة الدوافع التي قادت إلى استقالة علي لاريجاني (أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني) وكبير المفاوضين في الملف النووي يوم السبت 20/10/2007، ولا نعلم بشكل مؤكد ما إذا كان السيد لاريجاني أقيل أم استقال، وهل أن مغادرته المنصب كان إجراء طوعيا أم إجباريا، ولكن استقالته من دون شك جاءت كمحصلة للخلاف والصراع القائم والمتنامي ضمن صفوف الخط الثاني في القيادة الإيرانية حول كيفية التعامل مع أزمة ملف البلاد النووي.

نحن على يقين أن القرار الأساسي والحاسم في هذا الموضوع يعود، أولا وأخيرا، إلى قائد الخط الأول في قيادة الدولة والذي يملك السلطات العليا دستوريا وعمليا والمتمثل بمنصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، ولكن هذه الحقيقة لا تمنع تطور مواقف متعارضة أو اختلاف الآراء ووجهات النظر ضمن قيادات الخط الثاني سعيا لإقناع من يملك مفاتيح القرار النهائي بصحة وجهه نظرهم. وكان لاريجاني بحكم منصبه كرئيس مجلس الأمن القومي والمفاوض الأول حول الملف النووي يسعى دوما للحصول على دعم المرشد الأعلى لأسلوبه التفاوضي، ولكن معارضي لاريجاني كان لهم نصيب مماثل في التأثير على مواقف وقرارات المرشد الأعلى.

مما لا شك فيه أن هامش المناورة أمام المفاوض الإيراني في أزمة الملف النووي بدأ يضيق تدريجيا فأسلوب المراوغة والتسويف من أجل كسب الوقت لم يعد مجديا أمام اشتداد وتصاعد الضغوط الدولية على إيران وإذا كانت القيادة الإيرانية تؤمن حقا أن العمل العسكري ضد منشآت البلاد النووية أمر مستبعد أو غير واقعي كما أشار الرئيس الإيراني، فإن الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية الدولية التي تخضع لها إيران اليوم أمست أمرا واقعا لا يمكن إغفاله وتسبب مشاكل معقدة للاقتصاد الإيراني. كما أن اشتداد الضغوط الخارجية على أي دولة أو نظام يقود عادة إلى نشوء حالة من الخلاف والاختلاف بين القيادات المعنية في صناعة القرار.

وقد تزامن قرار مغادرة لاريجاني لمنصبه مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة لطهران والتي كانت يوم الثلاثاء 16/10/2007 في قمة رؤساء الدول المطلة على بحر قزوين ومحادثاته مع القيادات الإيرانية. ولا يعد ما قاله الرئيس بوتين علنا حول «دعم روسيا لبرنامج إيران النووي للاستخدامات السلمية والمدنية» أمرا جديدا يستحق الانتباه، إن ما يستحق التوقف عنده هو ما لم ينطق به الرئيس بوتين علنا.

فالقيادة الإيرانية تدرك تماما حقيقة الموقف والسياسة الروسية تجاه أزمة الملف النووي الإيراني. «فأصدقاء إيران» المفترضون روسيا والصين، على رغم الكلام والتصريحات المعتدلة، قد قدموا خلال العامين الماضيين الدعم الكامل للسياسة الأمريكية - الأوروبية الهادفة إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران.

ما قاله الرئيس بوتين للمرشد الأعلى في اجتماعهما المغلق قد ساهم في تعميق الصراع ضمن مراكز القيادة وصناعة القرار الإيراني. فالقيادة الإيرانية تدرك واقع وحقيقة الموقف الروسي الذي يقوم على حقيقة أن روسيا لن تغامر بخسارة أو تأزيم علاقاتها مع أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وحتى دول العالم العربي من أجل دعم الموقف الإيراني.

وقد قامت روسيا بترجمة هذا الموقف إلى قرارات عملية حين دعمت إجراءات تحويل ملف إيران النووي من سيطرة اللجنة الدولية للطاقة الذرية إلى سيطرة مجلس الأمن الدولي، ثم قامت بدعم قرارات مجلس الأمن الدولي الثلاثة التي توعدت أو فرضت عقوبات على إيران بناء على الفصل السابع من ميثاق المنظمة، وهو ما يعد تغيرا من الموقف الروسي التقليدي.

هذا بجانب حقيقة مماطلة روسيا في تأهيل مفاعل بوشهر أو تحديد موعد ملزم لتزويد إيران بالوقود النووي المطلوب لتشغيل المفاعل. إن ما قاله الرئيس الروسي للقيادة الإيرانية هو تأكيد عزم روسيا في الاستمرار في المحافظة على سياستها في التعامل مع الأزمة، والتي تعني أن روسيا ستستمر في دعم قرارات مجلس الأمن الدولي الهادفة إلى توليد مزيد من الضغوط الاقتصادية والمالية والدبلوماسية على إيران، وأن روسيا لن تكون قادرة على منع فرض عقوبات أمريكية ـ أوروبية منفردة على إيران خارج إطار مجلس الأمن، بل الأبعد من هذا أن روسيا لن تكون قادرة على منع بعض الأطراف ( أمريكا أو ربما إسرائيل) من اللجوء للخيار العسكري آجلا أم عاجلا.

وهنا يبرز السؤال الأساسي هل أن مغادرة لاريجاني كان هدفها فتح صفحة جديدة في استراتيجية التعامل مع الأزمة بعد تصاعد الضغوط الدولية على إيران. فمن المعلوم أن أسلوب «إحداث تبديل في قيادات الفريق المفاوض» يعد واحدا من الأساليب المعروفة في التعامل الدبلوماسي الهادفة إلى إحداث تغييرات جذرية في أسلوب واستراتيجية التفاوض، ويهدف بشكل رئيسي إلى فتح الباب لإحداث تبديل في المواقف.

هنا يبرز السؤال الأهم بعد قرار تغيير قيادة الفريق الإيراني المفاوض: هل الموقف الإيراني سائر نحو مزيد من التشدد أم نحو مزيد من الانفتاح وتقديم التنازلات. من الخطأ الافتراض أن مغادرة لاريجاني لمنصبه تعني أمرا واحدا، وتعد إشارة لاحتمال اتجاه الموقف الإيراني إلى مزيد من التشدد.

فالأمل هنا أن التغيير إن حدث سيكون إيجابيا وليس سلبيا يعتمد المزيد من المراوغة والتسويف. إن أمن وسلامة إيران تعد متطلبا إقليميا وليس إيرانيا فقط، وتصعيد الأزمة إلى فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية والسياسية سيصيب منطقة الخليج برمتها بخسائر يمكن تجنبها بقليل من الحكمة والأبعد من هذا فإن إصرار القيادة الإيرانية على الاستمرار في أسلوبها الراهن في المراوغة، أو الاتجاه لتبني مواقف تتسم بمزيد من التشدد سيقود المنطقة إلى مواجهة عسكرية حتمية، وهو ما لا نرغب أن نراه.

لذا نحن نعيش في أمل أن قرار تغيير الوجوه التي تقود عملية التفاوض حول أزمة الملف النووي الإيراني، تجسيد لقرار أهم وأثمن هو قرار تغيير السياسة والمواقف لتجنيب إيران والمنطقة مزيدا من الويلات.

* رئيس مركز الخليج للأبحاث

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-28-10-2007

 

 

هل يستخدم بوتين ايران مثلما استخدم خروتشيف كوبا ؟

 

سليم نصار

 

كتب المعلق الروسي المعروف كيريل روغوف، في صحيفة «نوفايا غازيتا» مقالة اتهم فيها الرئيس فلاديمير بوتين باعتماد سياسة خارجية مشوشة أربكت الحلفاء وأزعجت الأصدقاء. ووصف هذه السياسية بـ «الازدواجية» لأنها تقلد اسلوب ستالين في الداخل، واسلوب خروتشيف في الخارج.

وكان روغوف بهذا الوصف ينتقد سياسة الترهيب التي استغلها بوتين ضد خصومه، على أمل تهميشهم أربع سنوات اضافية قبل عودته الى الرئاسة سنة 2012 لذلك ابتكر سيناريو غير مألوف يوم اختار فيكتور زوبكوف لتولي منصب رئيس الوزراء باعتباره الوكيل الموثوق للمحافظة على سياسته المرشحة للاستمرار عقب انتخابات الرئاسة المقررة في آذار (مارس) المقبل.

أما بالنسبة لمسألة اقتباس بوتين لاسلوب خروتشيف المناهض لهيمنة الولايات المتحدة، فإن أنصار الرئيس هاجموا المعلق روغوف، لأنه تجاهل تحديات جورج بوش وإصراره على نشر الدرع الصاروخية في أوروبا. وكان بوتين قد هدد بالانسحاب من معاهدة الأسلحة التقليدية في حال رفض الحلف الاطلسي الاستجابة لمطالبه اي مطالب الاعتراض على نشر الدرع الصاروخية الاميركية في أوروبا كوسيلة لمكافحة تسلح المنظمات الارهابية أو الداعمة لها مثل ايران.

ومع ان بوتين تجاهل الغاية الأساسية من وراء نشر الدرع الصاروخية، إلا ان مهمته السابقة في المانيا الشرقية (رئيس جهاز كي جي بي) سمحت له بالاطلاع على تفاصيل هذه المشكلة. وقد اعتبرها الرئيس غورباتشيف أقسى أنواع التحدي الاقتصادي، نظراً للكلفة الباهظة التي فرضت عليه والسبب ان موسكو اضطرت آخر الثمانينات الى تخصيص موازنة ضخمة من أجل تطوير سلاح ردعي مضاد لمقاومة نظام الدرع الصاروخية التي هدد الرئيس ريغان باستخدامها. ويعترف غورباتشيف بأن تكاليف تطوير هذا السلاح أرغمته على قبول تفكيك المنظومة الدفاعية - الصاروخية منها والنووية - شرط موافقة واشنطن على القيام بعمل مماثل.

وكان من الطبيعي ان يفاجئ هذا الاقتراح الرئيس ريغان في قمة جنيف. والثابت ان هذه المبادرة المتأخرة لم تنفع في معالجة الوضع الاقتصادي المهترئ، الأمر الذي أحدث الانهيار الكبير، وعجل في تفكيك المنظومة الاشتراكية.

في ضوء هذه الخلفية يرى بوتين ان جورج بوش يسعى الى تجريد روسيا من مكاسبها الاقتصادية، ومن نتائج الانتعاش الذي عرفته خلال السنوات الخمس الأخيرة، وذلك عن طريق تجديد التحدي بواسطة الدرع الصاروخية. وهذا ما تقتضيه معايير المنافسة بين دولتين تملكان أكبر ترسانتين صاروخيتين ونوويتين.

والمؤكد ان الرئيس الروسي رفض الإذعان لهذا التحدي الذي يرهق الموازنة، ويضطره الى تأجيل مشاريع الإنماء والإعمار. وهو يعرف جيداً ان الإدارة الأميركية تحاول توريطه في سباق قد يقود البلاد الى الإفلاس والانهيار مرة ثانية. لهذه الاسباب وسواها رفض بوتين نشر الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا وتشيخيا، مهدداً بالانسحاب من معاهدة تقليص الاسلحة الاستراتيجية الهجومية الموقعة بين البلدين. وهو واثق بأن فوز حزب «القاعدة المدنية» في بولندا سيؤدي الى إلغاء نشر الدرع الصاروخية والى سحب القوات الرمزية من العراق.

إضافة الى مظاهر الاستفزاز العسكري في البحر والجو، أبرزت الصحف مظاهر التحدي السياسي الذي يقلد به بوتين اسلوب سلفه نيكيتا خروتشيف. والمعروف ان خروتشيف عزز نظرية الإفادة من أخطاء الخصم، خصوصاً على مستوى السياسة الخارجية. وكان ناظر الخارجية الاميركية فوستر دلاس قد حدد مواصفات الأعداء والأصدقاء من خلال عبارته الشهيرة: «من ليس معنا... فهو ضدنا» ورد عليه خروتشيف باعتماد نهج أكثر إيجابية عندما قال: «من ليس ضدنا... فهو معنا».

ونجحت موسكو من خلال تبنيها سياسة المرونة، في استقطاب دول عدم الانحياز ودول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وقد شهد النهجان المتنافسان سلسلة أحداث خطرة في برلين وكوبا وافريقيا بحيث وصلت التحديات العسكرية في كوبا الى حافة حرب نووية.

بالمقارنة مع الأسلوب الخروتشيفي السابق، يسعى بوتين الى دعم ايران عسكرياً وسياسياً، مثلما تبنى سلفه كوبا وهدد بواسطتها أمن الولايات المتحدة. وعقب انتهاء أزمة الصواريخ في كوبا (1961) خرج خروتشيف بانتصار سياسي وهزيمة عسكرية واستناداً الى تلك الواقعة يتساءل المراقبون عن المكاسب السياسية أو الاقتصادية التي يمكن أن يجنيها بوتين من وراء عملية احتضانه لطموحات ايران الجامحة.

المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، تتهم السياسة الأميركية المتبعة مع بوتين، بأنها مسؤولة عن إحراجه وإخراجه من الشراكة التي وعدته بها. وحرصاً على تمتين هذه الشراكة أبقى الرئيس الروسي علاقاته مفتوحة مع الدول الغربية، بحيث أنه أرجأ قرار إنهاء بناء مفاعل بوشهر النووي مدة خمس سنوات.

وبدلاً من أن يحظى بالمكافأة، كما توقع، ردت عليه واشنطن بإقامة قواعد عسكرية في بعض الدول المحيطة ببلاده، واختارت بولندا موقعاً لتثبيت درعها الصاروخية. كذلك اتهم بوتين في مؤتمره الصحافي الأخير الولايات المتحدة بمحاولة الاستيلاء على الاحتياطات النفطية.

لذلك دشن في زيارته لطهران أول خطوة يقوم بها رئيس روسي منذ ستالين. وقد حاولت الدول الغربية ثنيه عن هذا القرار، فأرسلت الى موسكو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي فشل في اقناعه بالاتبعاد عن طهران. وبعد ساركوزي أرسل بوش وزيري الدفاع والخارجية اللذين لقيا معارضة بلغت حد الإهانة والتهديد.

في ضوء سياسة التغيير، يتساءل المراقبون عن المكاسب التي سيجنيها بوتين من وراء دعمه لسياسة ايران الخارجية!

البعض يعتقد بأن الرئيس الروسي عازم على استخدام ايران ورقة ضغط على ادارة بوش لإجبارها على التخلي عن مشروع الدرع الصاروخية. بينما يرى البعض الآخر أن بوتين يسعى الى بناء سد في وجه التمدد الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، عن طريق إقامة تحالف اقتصادي - سياسي مع ايران يزعزع دعائم التحالف الذي أسسته واشنطن مع العرب وتركيا.

ولوحظ قبل الزيارة ان الصحف الغربية شككت في نيات بوتين، وادعت ان الملف النووي الايراني سيتحول الى ورقة في يد موسكو لكسب مزيد من الامتيازات من الغرب. أو من جهة أخرى، للحصول على حق قانوني لبحر قزوين قد تمنحه ايران لروسيا مقابل دعمها في مفاعل بوشهر النووي. ويبدو أن بوتين لن يخيب أملها بدليل أنه اصطحب معه الى طهران سيرغي كيريينكو، رئيس الوكالة الفيديرالية للطاقة الذرية.

بعد إغراق منطقة الشرق الأوسط بصفقات أسلحة تقدر قيمتها بأكثر من مئة بليون دولار سوف تقبضها الولايات المتحدة، استغلت موسكو أزمة طهران مع الغرب لتصبح المصدّر الأول لترسانتها. وقد ازدادت أهميتها بعدما خسرت روسيا أسواقها في العراق وفي الداخل الخليجي. وآخر صفقة حصل عليها الحرس الثوري من موسكو كانت مجموعة صواريخ أرض - جو بقيمة 700 مليون دولار. ويتوقع الرئيس أحمدي نجاد إقناع الرئيس بوتين بأهمية بيعه صواريخ استراتيجية عابرة للقارات من طراز «توبول»، تساعده على ردع الولايات المتحدة. وبما أن طهران عازمة على تخصيب اليورانيوم على المدى البعيد، فإن احتمال تنفيذ تهديد ديك تشيني، سيظل قائماً. وهذا ما أكده الصحافي سيمور هيرش نقلاً عن وكالة الاستخبارات المركزية.

ادعى ايهود اولمرت أن بوتين أبلغه خلال زيارته الأخيرة لموسكو، ان روسيا لن تزود ايران بوقود يسمح لها بانتاج سلاح نووي. وزعم أيضاً أن الرئيس الروسي وعده بعدم تعريض حياة مليون مهاجر الى اسرائيل، لخطر الإبادة. اضافة الى المخاطر التي يشكلها النظام الايراني على النظام الروسي. وذكرت الصحف الاسرائيلية ان زيارة اولمرت تطرقت ايضاً الى بحث صفقة الصواريخ التي طلبتها سورية ودفعت ثمنها ايران. وهي من النوع الذي لم يصدر الى أي دولة أخرى.

يقول الاقتصاديون ان الجو العالمي المتوتر الذي خلقه تحالف روسيا مع ايران، والوعد بإكمال بناء محطة بوشهر، اضافة الى تهديد تركيا باجتياح شمال العراق... كل هذه الأمور ساعدت على قفز أسعار النفط بشكل جنوني بحيث تجاوز سعر البرميل الـ90 دولاراً. وترى الحكومة البريطانية التي استقبلت اردوغان هذا الاسبوع، ان الاضطراب الأمني في تركيا قد يدفع المضاربين الى ايصال سعر البرميل الى المئة دولار والسبب أن تركيا تمثل نقطة لقاء الانابيب الناقلة لنفط كركوك وايران وبحر قزوين. ومع تنامي شعور الخوف من توقف الضخ، تعرضت الاسواق لتقلبات اسعار غير مسبوقة. وفي النتيجة كان الرابح الأكبر من ارتفاع الأسعار: روسيا وايران.

قال الخبير الاقتصادي فيليب دار فيزيتين، ان العالم خرج من مرحلة التفاؤل من دون أن يعرف الى أي حد سيسقط الدولار، والى أي حد سيرتفع اليورو والنفط  وكان بهذا التوصيف يحذر من صدمة ارتفاع الأسعار، ومن تأثيرها السلبي على حركة النمو في الولايات المتحدة.

وقد ذهب البعض الى ابعد من ذلك عندما ربط تهديد ديك تشيني لإيران، بارتفاع أسعار النفط لكونها تجني الربح من افتعال الاضطرابات في تركيا، خصوصاً بعد ربط بعض المعلقين قرار الاعتداء على الجنود الأتراك، بتشجيع من موسكو التي ساهمت في تأسيس «حزب العمال الكردستاني».

يبقى السؤال الأخير: إذا كان بوتين يعرف جيداً ان استمرار الاضطرابات السياسية سيزيد من فرص ضرب ايران، فلماذا يؤجج الوضع على نحو لا يترك لأميركا أي خيار آخر؟

الجواب على مثل هذا السؤال اعطاه الزعيم السوفياتي بريجنيف، الذي شجع جمال عبد الناصر على خوض حرب 1967، وكانت النتيجة ان سقطت مصر كلياً في حضن موسكو وهذا ما يتوقعه بوتين!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في  المصدرالمذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-27-10-2007

 

 

واشنطن وطهران... حرب كلامية بلا سقف!

 

جيفري كمب 

 

 

لقد تزايدت حدة الخطاب السياسي الصادر من العاصمتين الأميركية والإيرانية خلال الأسبوعين الماضيين، خاصة ما اتصل منه بالطموحات النووية الإيرانية ففي السابع عشر من شهر أكتوبر الجاري، صدر عن الرئيس بوش قوله في مؤتمر صحفي: "إذا كنتم تهتمون بتجنب نشوب حرب عالمية ثالثة، فإن عليكم الاهتمام بمنع إيران من الحصول على المعرفة التي تمكنها من صنع أسلحتها النووية".

وبعد أربعة أيام فحسب من ذلك التاريخ، أي في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، كان ديك تشيني نائب الرئيس بوش، أكثر وضوحاً وتصريحاً في حديثه عن الأمر نفسه أثناء مؤتمر صحفي له عقد في ولاية فرجينيا، إذ قال: "إن على النظام الإيراني أن يدرك، فيما لو أصر على المضي في نهجه الحالي، أن المجتمع الدولي مهيأ لرميه بوابل من العواقب الوخيمة على هذا السلوك.

ذلك أن الولايات المتحدة تضم صوتها وموقفها إلى أصوات ومواقف دول عديدة، تشترك جميعها في توجيه رسالة واضحة المعنى إلى قادة طهران: نحن لن نسمح لكم بتطوير الأسلحة النووية" والواضح هنا أن تشيني إنما كان يلمح بكلماته هذه إلى تلك التصريحات القوية الصادرة عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بشأن البرنامج النووي الإيراني، وكذلك عن وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير، إضافة إلى التعليقات الصارمة التي وردت على لسان رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون.

ولا يقتصر هذا الموقف الحازم من البرنامج النووي الإيراني على المسؤولين المذكورين أعلاه فحسب، وإنما شمل كذلك جميع المرشحين الرئاسيين "الجمهوريين" الذين نسب إليهم الكثير من التصريحات الحازمة، والتي أجمعوا فيها على أهمية بقاء الخيار العسكري خياراً مفتوحاً ومحتملاً في التصدي لإيران، بصرف النظر عن مدى التقدم الذي يمكن إحرازه في مجال العمل الدبلوماسي. وفي الجانب الآخر، أي على صعيد المرشحين الرئاسيين "الديمقراطيين"، فقد سادت نبرة مشابهة وإن كانت أقل حدة ووعيداً وتهديداً، بالنظر إلى تفضيل هؤلاء للتوصل إلى تسوية ما للأزمة الإيرانية على أساس سلمي تفاوضي. غير أن هذا الموقف لم ينف استثناء أو استبعاد أي من المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين أنفسهم لخيار العمل العسكري في حال فشلت الجهود الدبلوماسية مع قيادة طهران.

وعلى سبيل المثال، فقد ورد في مقال نشر للسيناتور هيلاري كلينتون في العدد الأخير من مجلة "الشؤون الخارجية" قولها: "يجب ألا نسمح لإيران بالحصول على الأسلحة النووية أو تطويرها تحت كل الظروف والأحوال وفيما لو لم تف إيران بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها، إلى جانب الالتزامات التي فرضها عليها المجتمع الدولي، فإن عليها أن تدرك أن كل الخيارات تظل مطروحة على طاولة الأعمال".

أما في طهران نفسها، فقد أسهمت كل الأحداث والتطورات التي وقعت هناك مؤخراً، في هذا التصعيد. ففي السابع والعشرين من أكتوبر الجاري، زارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أول زيارة لرئيس روسي لها منذ حضور الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين لقمة طهران التي عقدت عام 1943، وهي قمة شارك فيها الى جانب ستالين كل من نظيره الأميركي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، بهدف وضع حد للحرب الدائرة مع ألمانيا وقتئذ.

وقد انتهى اللقاء الذي عقد بين بوتين والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الإعلان عن بيان مشترك أكد على "تقارب موقف الرئيسين في كافة القضايا الرئيسية، إلى جانب تعاونهما على إنشاء نظام دولي أكثر عدلاً" وفوق ذلك، وعلى نحو منفرد، وجه بوتين تحذيراً للغرب من شن أي هجمات تستهدف البرنامج النووي الإيراني.

الإعلان الذي ذاع مؤخراً من داخل طهران بشأن استبدال علي لاريجاني، رئيس المفاوضين النوويين بخلفه سعيد جليلي الذي طالما نظر إليه الكثيرون داخل إيران وخارجها على أنه أكثر تشدداً وقرباً من الرئيس نجاد، فإنه يضيف عاملاً جديداً إلى عنصر القلق والتوتر إزاء المسار الذي تمضي إليه العلاقة بين الغرب وطهران، لاسيما أن هذا الإعلان قد ضاعف بالفعل احتمال وقوع مواجهة بدت أكثر حتمية الآن بين الجانبين، مقارنة بأي وقت مضى من تاريخ هذا الشد والتوتر. فمما يحسب لصالح لاريجاني أنه كان يحظى باحترام واسع في أوساط الأوروبيين بصفة خاصة، مكنه من إقامة علاقة وطيدة وطيبة مع خافير سولانا، مندوب الاتحاد الأوروبي السامي للسياسات الخارجية والأمنية. وعلى رغم الاتفاق الذي ساد بين الأوروبيين فيما يتعلق بتشدده في أداء مهمته التفاوضية عن إيران، إلا أنه عد في الوقت نفسه شخصية براجماتية عملية تهمها خدمة المصالح العليا الواقعية للجمهورية الإسلامية.

وبالنظر إلى هذا التصعيد الأخير على الجبهة الإيرانية، فلا بد من القول إن الجهود التي بذلتها القوات الأميركية المرابطة في العراق، قد أثمرت بعض التقدم والنجاح في الفترة الأخيرة، غير أن العواقب السالبة المحتملة لتوجيه أي ضربة عسكرية لإيران، تفوق كثيراً أي نجاح حققته هذه القوات مؤخراً في بيت الجوار العراقي. ويصح هذا التوقع على نحو خاص، في وقت بلغت فيه أسعار النفط العالمي أعلى أرقامها على الإطلاق، بينما لا تزال واشنطن تواصل جهودها من أجل الحيلولة دون حدوث توغل عسكري تركي واسع النطاق في الجزء الشمالي من العراق، في إطار المواجهة الدائرة حالياً بين أنقرة ومقاتلي "حزب العمال" الكردستاني الذين تصفهم بالإرهابيين وفوق هذه التعقيدات جميعاً، فقد أعلنت حكومة نوري المالكي في بغداد، عن موقفها الرافض لاستخدام القوة أو توجيه أي ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.

والخطر الكامن وراء حدة النبرة السياسية المتبادلة حالياً بين واشنطن وطهران، أنه يجعل من الصعوبة بمكان، احتمال تقديم أي طرف منهما ما يلزم من التنازلات تحت غطاء سياسي يتيح لهما إعادة تقييم موقفيهما، دون أن يريق أحدهما ماء وجهه أمام الآخر.

وربما كان في وسع موسكو توفير مظلة سياسية لتنازلات كهذه في العاصمتين المتواجهتين، فيما لو شاءت إدارة بوتين ذلك غير أن المرجح أن موسكو لن تبدي أي بادرة منها للقيام بدور إيجابي في الحد من هذا التوتر والدفع بطرفيه نحو تقديم التنازلات، قبل أن ترى بوادر إيجابية من ناحية الولايات المتحدة الأميركية إزاء ما يشكل هاجساً أمنياً لموسكو، لاسيما توسعات حلف "الناتو" في منطقة شرق أوروبا، واعتزام إدارة بوش نشر نظم دفاع صاروخية باليستية لها في كل من بولندا وجمهورية التشيك. بيد أنه لا يرجح تراجع إدارة بوش خطوة واحدة عن سياساتها الأمنية هذه، خاصة أمام إدارة بوتين الحالية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-26-10-2007