تقرير مرصد الحريات السنوي لأوضاع الصحفيين في العراق

 

 

 

تشخيص لإنتهاكات و عراقيل تواجه الصحفيين العراقيين

بالنظر لجسامة مايقوم به الصحفيون العراقيون اليوم في ظل اوضاع غاية في التعقيد والخطورة ،اصدر مرصد الحريات الصحفية تقريره  للفترة من أيلول الماضي حتى الان، لرصد الانتهاكات التي يتعرض له الصحافيون والاعلاميون العراقيون ،لتوجيه انظار كل الجهات الحكومية والبرلمانية والمنظمات الدولية لما يعانيه العاملون في وسائل الاعلام داخل العراق،ومن ثم التصدي لكل محاولات التصفية الجسدية والإقصاء الممارس ضد هؤلاء.تضمن التقرير جوانب عدة.

تأثير الأوضاع الأمنية

شكل تدهور الاوضاع الامنية وتفاقم العنف في العراق خلال الفترة من ايلول العام الماضي و الى ايلول العام الجاري، الخطر الاول الذي يتعرض له الصحفيون من قبل الجماعات المسلحة، حيث قتل بشكل عام (61) صحفياً و معاوناً اعلامياً و اختطف (23) قتل اغلبهم ومازال في عداد المفقودين منهم (6) و استهدف عشرات اخرين نجوا من عمليات اغتيال منظمة ، وتعرض (24) صحفياً لاعتداءات مختلفة منها احكام بالاعدام من قبل محاكم تابعة لجماعات متطرفة ، فيما قام مسلحون بتدمير مؤسستين اعلاميتين بالكامل ،دون ان تحقق القوات الامنية العراقية في اي من تلك الجرائم اليومية التي يتعرضون لها ، و الامثلة على ذلك ، بالرغم من وعودها و تصريحاتها اخفقت القوات الامنية التحقيق بمقتل الزميل نزار الراضي مراسل وكالة (اصوات العراق) الذي قتل في مدينة العمارة جنوب العراق التى تعد من المدن الآمنة نسبياً و لم تبين الشرطة الى الآن شيئاً عن المجرمين الذين قتلوه ،فيما لم تبين الى الان وزارة الداخلية العراقية شيئا عن المجرمين الذين تنكروا بزي الشرطة و اقتحموا قناة (الشعبية) و قتلوا احد عشر شخصا من العاملين فيها.

الإفلات من الجرائم

ويرى مرصد الحريات الصحفية طالما أن  مرتكبي الجرائم يتمكنون الإفلات من العقاب و يدركون أنهم لن يتحملوا مسؤولية جرائمهم ، سيبقى الصحفيون أهدافا سهلة ومستمرة لهم ، ولم يتوقف الامر عند هذا التهديد الخطير فحسب ، بل ان تهديد اخر اضعف الحريات الصحفية بشكل كبير من خلال تصرفات مسؤولين محليين و مجالس المحافظات التي حاولت ان تقييد حرية التعبيرمن خلال ضغوط و اعتداءات مارستها ضد الصحفيين، وسجل مرصد الحريات الصحفية في نفس الفترة المذكورة (60) انتهاكاً مورس ضد صحفيين و مؤسسات اعلامية من قبل السطات المحلية ، وشكل منع الصحفيين من تغطية الاحداث ومحاكمات واعتقالات و حالات ضرب تعرضوا لها، حيث ان هذه الانتهاكات شملت (42) حالة اعتقال تعرض لها مراسلون عند تغطيتهم للاحداث ميدانيا، اضافة الى التصرف الرقابي والتحقيقات الجنائية التي تم من خلالها التضييق على الحريات الصحفية، منها حالات تعرض خلالها صحفيون لمضايقات أو اعتقال أو مصادرتها لمعداتهم من قبل الشرطة العراقية أو القوات المسلحة ، و نذكر منها ما تعرض له الصحفيون في نيسان الماضي في مدينة الديوانية عندما منعتهم قوة مشتركة من تغطية احداث عنف اندلعت في المدينة واستخدمت ضدهم السلاح و اطلقت عليهم الرصاص بشكل عشوائي و احتجزت بعض الصحفيين هناك ، وكانت تحاول حينها منعهم من التغطية الاخبارية واستقاء المعلومات من موقع الحدث مباشرة ، وواجه الصحفيون العراقيون محاكمات جنائية بقضايا النشر ووجهت لهم تهم تشهير ، حيث تعرض (18) صحفياً لمحاكمات و حبس بسبب دعاوى قضائية رفعت ضدهم من قبل مسؤولين محليين و امنيين ، وجرت اغلبها خارج اطار القوانين السارية المفعول ، ولم يكن الصحفيون محصنين من صدور اوامر بالقاء القبض عليهم و كأنهم مجرمون ، حيث مارست السلطات الامنية في جميع محافظات و اقاليم العراق شتى انواع الترهيب بحقهم من خلال اوامر الاعتقال و السجن و الملاحقة و التحقيقات التي تعرضوا لها في دوائر الامن و الشرطة وتمثل حالة الصحفيين في مدينة الناصرية الدليل على ذلك ، فلا يجوز أبدا أن يواجه الصحفيون تحقيقات جنائية أو اعتقالات و حبس بسبب ادائهم لواجبهم ، حتى ان رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي قد امر بفتح تحقيق بقضية اعتقال الشرطة لمراسل قناة (البغدادية) و الاعتداء عليه في حزيران الماضي في الديوانية ، الا ان زميلنا المراسل قد ابلغ مرصد الحريات الصحفية ، بعد شهرين، ان الجهات المسؤولة لم تحقق في القضية.

القوات الأميركية

هذا ولم تكن  القوات الاميركية والبريطانية بعيدا عن هذه الانتهاكات، حيث سجل المرصد (13) انتهاكا ارتكبته القوات المتعددة الجنسيات ، و فشلت القوات الاميركية بأجراء تحقيق في مقتل مصور و سائق وكالة رويترز للانباء اللذين قتلا بقذيفة صاروخية قال شهود العيان: انها انطلقت من طائرة مقاتلة تابعة للجيش الاميركي، و لم تعط القوات ايضاحا حول الهجوم ، فيما تستمر باحتجاز بلال حسين المصور الصحفي الحر الحائز على جائزة بوليتزر و يعمل لدى وكالة (الأسوشيتد بريس)الذي اعتقلته القوات الاميركية بحجة الارتباط بالجماعات المسلحة في شهر نيسان من العام الماضي في مدينة الرمادي غرب العراق ، واحتجزته في احد المعتقلات هناك ثم نقل الى معسكر كروبر في بغداد ، و الذي يتوجب الان اطلاق سراحه بعد ان مر عليه عام و ثمانية اشهر و لم توجه له اية تهم تذكر ، و لايوجد مسوغ قانوني لابقائه في السجن . فضلاً عن ان القوات الاميركية قامت بثلاث عمليات اقتحام و مداهمة لمؤسسات اعلامية.

القوات البريطانية

فيما سجل المرصد انتهاكات ارتكبتها القوات البريطانية من خلال المضايقات التي قامت بها ضد الصحفيين في مدينة البصرة و عرقلت عمل بعضهم عندما احتجزته لساعات ، كما استخدمت تلك القوات الرصاص المطاطي بشكل مفرط ضد الصحفيين اثناء تغطيتهم للاحداث و اصابت (سوا) ثلاثة منهم في مدينة البصرة جنوب العراق وكان ذلك في حوادث منفصلة.

عرقلة عمل الصحافيين

وكانت السلطات العراقية وبعض الشخصيات البرلمانية قد عرقلت عمل بعض الفضائيات و اغلقت ثلاثا منها بشكل كيفي من دون اوامر قضائية ... ، تزامن ذلك مع السماح لمكتب قناة (العربية) بالعمل مرة اخرى من قبل السلطات الحكومية العراقية ، بعد غلقه لمدة شهر على سبيل التنبية .... ولعل الامر الاكثر خطورة هو ملاحقة الجهات الامنية لبعض الكتاب و الاعلاميين خارج العراق من خلال قوائم اعدتها ، حيث ان الكاتب و الاعلامي علي السوداني قد ابلغ مرصد الحريات الصحفية بانه ادرج اسمه ضمن قوائم المطلوبين اية اثار استغرابه فهو لم ينتم لاية حركة او تجمع سياسي مع الحكومة او ضدها وكل ما فعله هو ممارسته لحقه الطبيعي في حرية التعبير وابداء الرأي في العديد من القضايا التي تشغل الراي العام العراقي من خلال مقالات سياسية تنتقد بصوررة موضوعية وساخرة وهذا النشاط لايندرج على لائحة تهم الارهاب او النشاط السياسي المعادي.

تلكؤ البرلمان

كما لاحظ مرصد الحريات الصحفية ، باسف كبير تلكؤ مجلس النواب العراقي بدراسة مسودة خاصة بقوانين الاعلام تسهم في تنظيم العملية الاعلامية وتحدد من خلاله مديات العمل الاعلامي في ضوء الحقوق الممنوحة في الدستور وكنا نامل ان يتم ذلك من خلال اشراك الاعلاميين انفسهم في مناقشة هذه المسودة مع البرلمانيين لكن الخطورة تكمن في ان الاعلام يمارس في البلاد منذ سقوط النظام السابق حتى الان بدون قانون.

الفترة الأسوأ

وبهذا تكون هذه الفترة هي الأسوأ على الصحفيين العاملين في العراق من كل الفترات التي سبقتها ، حيث لم يشهد العراق على مدى الاربع سنوات الماضية انتهاكات بهذه الاعداد، واذا ما تحدثنا عن الاربعة الاعوام التالية فان اكثر من (215) صحفيا و مساعدا اعلاميا عراقيا و اجنبيا قد قتلوا بشكل عام ، منهم (112) صحفياً قتلوا بسبب عملهم الصحفي وكذلك (41) فنيا و مساعدا اعلاميا ، فيما لف الغموض العمليات الاجرامية الاخرى التي استهدفت بطريقة غير مباشرة صحفيين وفنيين لم يأت استهدافهم بسبب العمل الصحفي ، واختطف (59 ) صحفياً ومساعداً اعلامياً قتل اغلبهم ومازال ( 14 ) منهم في عداد المفقودين و تعرض للمحاكمة (28) صحفياً ، وحيث ان الاخطار المحدقة بالصحفيين اخذت تتسع و التي يتوجب ايقافها .

ومن جملة ما طالب به المرصد لتجاوز هذه الانتهاكات مستقبلا: يتحمل مجلس النواب العراقي وتتحمل الحكومة العراقية والجهات القضائية المسؤولية القانونية والاخلاقية لحماية الاعلاميين وتوفير الظروف الآمنة لممارسة عملهم بحرية كاملة بدون قيود او تدخل وحمايتهم والعمل الجاد لملاحقة الارهابيين الذين تورطوا في قتل الاعلاميين وتحويلهم للعدالة لينالوا جزاءهم العادل والغاء تلك العبارة غير المسؤولة والتي تنسب اليها المئات من حالات الاختطاف والقتل وهي " جهات مجهولة"،كما تجب  اعادة النظر في المواد المانعة للحريات في الدستور العراقي وتضمينها عبارات صريحة وواضحة عن حرية التعبير عبر وسائل الاعلام والاتصال بكل اشكالها واتجاهاتها ورعاية الاعلام المستقل وحماية الصحفيين من الانتهاكات بكل انواعها , والتاكيد بنص صريح بانه لايجوز للبرلمان او اية سلطة اخرى تشريع اي قانون ينتقص من حرية الراي والفكر ويقيد حرية وسائل الاعلام تحت مختلف الظروف وعد ذلك حقا طبيعيا كما نصت عليه اللوائح العالمية لحقوق الانسان،إضافة إلى  المشاركة الجادة للاعلاميين في وضع المواد الاساسية للقوانيين والتشريعات الاعلامية الضامنة لحريتهم وحقوقهم ويجري ذلك بالمشاركة مع اللجان المعنية في مجلس النواب وعدم تفرد المجلس باصدار قوانين لاتلبي متطلبات المرحلة الراهنة والمستقبل ،و تحمل المنظمات الدولية واولها الامم المتحدة ومنظماتها التخصصية والمنظمات المعنية بالصحافة توفير الحماية والاسناد والتاهيل المهني للصحفيين العراقيين في اطار الدعم الدولي لوسائل الاعلام في العراق وان تتحمل بجدية مسؤولية الدعم الحقيقي للصحفيين العراقيين وممارسة الضغط على الجهات الحكومية والكيانات السياسية والقوات المتعددة الجنسيات ، لحمايتهم من الانتهاكات المختلفة التي يتعرضون اليها ، وضرورة اعادة النظرفي برامج الدعم والتاهيل لوسائل الاعلام العراقية التي لم تحقق اهدافها المنشودة بعد .

وذلك لنضمن عدم ضياع فرصة بناء اعلام عراقي حر ومستقل،والدعوة الى  ضرورة التعجيل بوضع ضوابط تنظيمية لممارسة الاعلام في العراق بشكل يضمن حمايتهم وحقهم باجور مجزية وايقاف عمليات الطرد الكيفي وتنظيم عقود عمل اصولية وتوجيه الاجهزة الحكومية باحترام الاعلاميين وتسهيل تحركاتهم في المواقع الساخنة وتسهيل مهماتهم الاخبارية ،و العمل الحثيث لانضاج قانون عن الشفافية وحق الوصول للمعلومات يلزم الجهات الحكومية بالكشف الاقصى عن المعلومات لوسائل الاعلام مع مراعاة بعض الاستثناءات القليلة ولدواعي المصلحة العامة والامن الوطني ، ويتزامن ذلك مع دعم تأسيس اتحادات وتجمعات مهنية للاعلاميين والاتفاق على لائحة سلوك اخلاقية او ميثاق شرف يؤطر الممارسة الاعلامية باطر تكفل حرية التعبير وتصون وتحترم الخصوصيات،وراى المركز  ان عمق التجربة الاعلامية في العراق وجسامة التضحيات التي تقدم كل يوم في سبيل مواصلة العمل الاعلامي ومن اجل حرية التعبير ونشر الحقيقة والتمسك بالنهج المستقل .

نطالب المنظمات الدولية الاعتراف بهذا الجهد المميز وتخصيص جوائز قيمة للاعلاميين العراقيين وخاصة للذين تميزوا بتضحيتهم ومواقفهم او تفردوا بعمل اعلامي مشهود له بالكفاءة والابداع وعد من يتم اختياره نموذجا رائدا لدعم حرية الصحافة والنضال من اجل الحقيقة، ناهيك عن التحرك السريع لضمان حياة كريمة لاسر الضحايا.