دور الإعلام في بناء الديمقراطية العراقية

 

 

 

يرى الكثير من الباحثين في مجال الاتصالات ان وسائل الاعلام ذات اهمية كبيرة في غرس اتجاهات وقيم تؤدي الى تغيرات سلوكية لدى الفرد والمجتمع واحداث تحولات كبيرة في طريقة التفكير والعمل والحياة.ولان الانسان في اغلب الاحيان يفكر ويتأثر ويسلك سلوكا يتناسب مع مؤثرات بيئته،تستخدم وسائل الاعلام كوسيلة للتأثير وتغيير الاتجاهات لدى الفئات المستهدفة (الرأي العام) وخلق توجهات واتجاهات، وبالتالي خلق سلوك مطلوب يقع ضمن اهداف الحملة الاعلامية المطلوبة ، والمجتمع المستهدف بهذه الحملة .

وتعمل وسائل الاعلام على اعادة الترتيب القيمي والسلوكي للمجتمع المستهدف عن طريق خلق المعايير الجديدة ، وفرض الاوضاع الاجتماعية المرغوبة والمعاونة على انشاء قواعد واطر مرجعية جديدة لتأطير السلوك المرغوب ومتابعة الظواهر المرفوضة والمنحرفة وكشفها ، وتعديل المواقف والاتجاهات الضعيفة وتدعيم الافكار والاتجاهات والمواقف المرغوبة التي تتلاءم وروح العصر، والعمل على ايجاد ثغرات في بنية القيم المرفوضة ، تستطيع من خلالها وسائل الاعلام ان تتسلل للتأثير وزعزعة القناعة بها واظهار مساوئها واضرارها وايجاد نوع من الكراهية اتجاهها لدى الجمهور.ومن هنا فوسائل الاعلام تبشر بالافكار وتقوم بنشرها ، وقد يتبنى الانسان هذه الافكار او يرفضها ويخضع هذا الامر لمؤثرات كثيرة تتمثل بتلاؤمها مع مصالحه ومدى مقبوليتها اجتماعيا وشدة ضغطها عليه والتكرار لنفس الافكار في وسائل الاعلام واستمرارية الطرق كفيلة بايجاد منفذ الى عقل المتلقي.

وتتلخص مهمة الإعلام في النظام الديموقراطي بتقديم المعلومات الصحيحة للمواطنين. ويعد الحصول على المعلومات الصحيحة أمرا أساسيا في ديمومة أي نظام ديموقراطي وذلك للسببين التاليين.

1. يساعد حصول المواطنين على معلومات صحيحة على اتخاذهم قرارات واعية ومسؤولة بشأن مستقبل بلدهم والطريقة التي يريدون ان يُحكموا من خلالها، بدلاً من اتخاذ قرارات خاطئة ومستندة على معلومات مغلوطة تضر في اخر المطاف بمصلحة البلد وبهم كمواطنين.

2. يؤدي الإعلام من خلال تقديمه معلومات صحيحة وظيفة رقابية مهمة تعرف بخدمة الصالح العام. وتعني خدمة الصالح العام كشف أية ممارسات خاطئة وغير قانونية أو فاسدة تمارسها مؤسسات الحكومة أو المجتمع المدني أو أية مؤسسة أخرى في المجتمع وتؤثر سلباً على الصالح العام من خلال لفت الإعلام الانتباه لهذه الممارسات بغية تصحيحها، واذا تطلبت الحاجة معاقبة المسؤولين عنها.

إن إحدى فوائد هذه الوظيفة الرقابية للإعلام هي مساعدة الحكومة والقوى السياسية الأخرى في البلد على تحقيق فهم أفضل لمشاكل المجتمع يصب في تطوير أدائها السياسي والإداري. ويُعد هذا الدور الرقابي الذي يمارسه الإعلام المسؤول، السبب وراء تسمية الإعلام بالسلطة الرابعة وهي سلطة معنوية غير رسمية تأتي بعد السلطات الثلاث الرسمية المتمثلة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومن اجل القاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع كانت لنا هذه اللقاءات مع عدد من الكتاب والاعلاميين.

اضطراب المشروع السياسي

الكاتب سعد السوداني قال: ان الاعلام افرازاً وتأسيساً ينطلق من داخل المشروع الديمقراطي،والمشروع السياسي ديمقراطيا كان او غير ديمقراطي هو الذي يرعى الاعلام ،والاعلام يرافق ولادة وتطور المشروع السياسي الديمقراطي،ويلعب دورا مهما في اشاعة الثقافةالديمقراطية ، ويشكل ركيزة مهمة من ركائز البناء الديمقراطي ومن دونها يبقى البناء هشا، والمشروع الديمقراطي في العراق وبواقعه الحالي لايمتلك رؤية واضحة ومنهجية دقيقة لطبيعة الواقع ومعطياته ومتطلبات النهوض به وبمعنى ادق ان المشروع الديمقراطي ذاته غير مكتمل في جوانبه النظرية، ناهيك عن مقتضيات  التطبيق العملي .

اما معوقات الاداء الاعلامي الفاعل فيشير السوداني الى عدة عوامل منها: قصور التمويل المالي لوسائل الاعلام او انعدامه في بعض الاحيان واقتصار الدعم على وسائل الاعلام الرسمية،فضلا عن غياب مؤسسات الاعداد والتدريب للعاملين في مجالات الاعلام وقنواته وكثرة الطارئين على العمل الاعلامي الذين لايملكون المؤهلات اللازمة،او يقوم البعض منهم باداء ادوار لصالح احزابهم او كتلهم السياسية،وفي بعض الاحيان يحدث تقاطع بين رؤية الاعلام ورؤية المؤسسة السياسية وعدم وجود مرونة من قبل المؤسسة السياسية ،اذ تعد الاعلام تابعا لها في بعض الاحيان، وقد يحدث هذا في ظل عدم وجود نظرية اعلامية متكاملة وخضوع الاعلام للتقلبات السياسية السريعة في مراكز القرار السياسي،وقد يكون احد اسباب تعثر الخطاب الاعلامي وقصوره راجعاً الى غياب او عدم وضوح المشروع السياسي او عدم اكتماله ونضجه او انعدام مقبوليته لدى فئات الشعب كلها او بعضها.

الشفافية واستقلالية الاعلام

فيما يقول الكاتب والاعلامي كاظم الحسن: عندما يمثل الاعلام احدى السلطات ،فانه تلقائيا يتحمل المسؤولية الاخلاقية والانسانية فتصبح المصداقية من اهم  ركائز الاعلام ، وهذا يحتم التفريق بين الاعلام التعبوي والحزبي،والاعلام الذي يتوخى نقل المعلومة ويتصف بالموضوعية. وهذا من شأنه ان يؤدي الى خلق رأي عام مؤثر في العملية السياسية ويفعل عملية الحراك السياسي والثقافي على انشطة المجتمع ومنظماته والدولة ومؤسساتها ويبث الروح الحية في الحياة السياسية ويشيع القيم الديمقراطية.

وبالنسبة للمعوقات التي تواجه العمل الاعلامى يعتقد الحسن : ان عدم الفصل بين اعلام السلطة والاعلام الحر يؤثر بل يشل حركة الاعلام الديمقراطي على طريق زحزحته عن اهدافه ودمجه بالاداء الحكومي او تحويله لخدمة الاداء الحكومي  وهذا يجعل من الاعلام،كما يرى الحسن، الخصم والحكم في آن معا، ما يقوض مصداقيته.وهناك  ظروف اخرى يعانيها الاعلاميين لها الاثر الكبير في أدائهم الاعلاميون، يقف في مقدمتها المستوى المعاشي  للعاملين في المجال الاعلامي، يحولهم في بعض الاحيان من حصة هذه الجهة او تلك ،او يجعلهم تحت رحمة مكرمات المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وهذا لسمعة وشرف المهنة فيتحول الاعلامي عن هدفه الذي يتمثل بالرقابة على اداء هذه المؤسسات وتقويم ونقد هذا الاداء،فضلا عن حاجة الاعلاميين الى ضمانات قانونية تكفل لهم الحماية والرعاية ، وتجسير العلاقة التي تسودها الثقة مع المؤسسات الحكومية وتوفير نوع من الشفافية تسهل على الاعلامي الحصول على المعلومات وعدم غلق ابواب المؤسسات بوجهه كما يحصل الآن من هروب للمسؤولين من لقاء الاعلاميين وعدم توفير البيانات والمعلومات لهم.

عدم وجود أطر قانونية

وبصدد الموضوع ذاته حدثنا الباحث الاكاديمي موسى القريشي قائلا : ادى الاعلام العراقي بعد التغيير دورا رياديا مهما في تجسيد قيم المواطنة ومبادىء حقوق الانسان وصيانة كرامته من دون تمييز على اساس اللون والعرق او الدين، وقد راعى في ذلك القيم الدستورية المقرة في الدستور العراقي. وساهم الاعلام في تشجيع ودعم واشاعة الثقافة الديمقراطية والدفاع عن مصالح الشرائح الاجتماعية.   وبشأن معوقات العمل الاعلامي ،اكدالقريشي :  ان هناك نوعاً من الشد والجذب رافق المسيرة الاعلامية وسببه عدم وجود اطارقانوني للاعلام على الرغم من وجود  الكثير من المراكز الاعلامية والثقافية كانت قد طرحت مسودة قانون حرية الصحافة وهذا ماقمنا به في مركز الآن للثقافة الديمقراطية،وكان الهدف من طرحها ايجاد قانون ينظم العمل الاعلامي في العراق على وفق اسس ومعايير وطنية وديمقراطية تضمن حرية التعبير عن الرأي  ومبادئ حقوق الانسان واحترام القيم العليا في المجتمع،وبقيت الدولة عاجزة عن تلبية مطالب الاعلاميين في ايجاد اطار قانوني لعملهم.

لهذا ظل العمل الاعلامي يعاني الكثير من استلاب الحقوق.ويضيف القريشي: ان على الدولة ان تكفل حماية الاعلاميين وتحسين اوضاعهم الاقتصادية، وتعويض عوائل الشهداء من الاعلاميين،وتوفير الشفافية في عمل مؤسسات الدولة من اجل اتاحة الفرصة للاعلاميين في الحصول على معلومات بشأن خطط وبرامج مؤسسات الدولة من اجل مراقبة الاداء الحكومي،واتاحة الفرصة الواسعة امام الاعلاميين لحضور جلسات مجلس النواب

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-24-9-2007