"صوت أميركا"... مقاربات رسمية بلا مغزى:وجهة نظر أمريكية

 

 

ديفيد تراكتنبورج

 

 

يشير تعيين نجم كرة البيسبول "كال ريبكن جونيور" كمبعوث لوزارة الخارجية الأميركية بغية المساهمة في جهود فهم الولايات المتحدة بشكل أكبر في الخارج، إلى أن أميركا مازالت في حاجة إلى من يوقظها من غفوتها. فتقديم وشرح السياسة الأميركية بشكل فعال اليوم، أمرٌ أساسي وبالغ الأهمية في وقت بات فيه العالم المتحضر هدفاً لهجمات المتطرفين الدينيين والإرهابيين... إلا أننا بصدد الفشل للأسف.

وتعد مساعدة الجمهور العالمي على فهم السياسة الخارجية الأميركية من مهام إذاعة "صوت أميركا" الأساسية والهامة. فمنذ عام 1942، تعد تلك الإذاعة الصوت "الرسمي" للولايات المتحدة، إذ تبث الأخبار بخمس وأربعين لغة لأزيد من 115 مليون مستمع عبر العالم.

والواقع أن معظم الأميركيين لم يسمعوا أبداً "صوت أميركا" نظراً لأن القانون يمنعها من بث برامجها للجمهور الداخلي. وباعتبارها مؤسسة إعلامية، تسعى "صوت أميركا" إلى الحفاظ على النزاهة الصحفية رغم التصور الشائع الذي يرى أنها الذراع "الدعائية" للحكومة الأميركية.

والحال أن هدف "صوت أميركا" يتجاوز مجرد تقديم الأخبار بحياد وموضوعية؛ ذلك أن القانون التشريعي المؤسس لـ"صوت أميركا" يطالبها بـ"تقديم سياسات الولايات المتحدة بوضوح وفعالية".

ولهذا الغرض، يتعين على "صوت أميركا" أن تستعمل تعليقاتها وبرامجها لتوضيح وشرح قرارات السياسة الخارجية الأميركية للجمهور الدولي منذ نحو أربعين عاماً وأنا أستمع لـ"صوت أميركا" الرسمية على الموجات القصيرة (يمكن أيضاً الاستماع لها عبر موقعها على شبكة الإنترنت).

غير أن تقاريرها الإخبارية للأسف رتيبة ومملة في معظمها، حيث تبدو كآراء رسمية "تعكس مواقف حكومة الولايات المتحدة وآراءها"؛ لكنها لا تقوم بشرح وتوضيح المغزى والسياق اللذين من شأنهما أن يساعدا الآخرين على فهم السياسات الأميركية.

...تعليقات "صوت أميركا" الخالية من الحيوية كثيرة ومتعددة وقد نَقلَ أحدُها مؤخراً عن مساعد وزيرة الخارجية قوله إن الولايات المتحدة "لن تقدِم على تطبيع علاقاتها بشكل كامل مع كوريا الشمالية إلا بعد أن يكون ثمة نزع كامل للأسلحة النووية" من شبه الجزيرة الكورية.

ماذا يعني ذلك؟ ولماذا تشدد الولايات المتحدة عليه؟ سؤالان من حق المستمع الأجنبي الذي يسعى لفهم السياسة الأميركية أن يطرحهما، والحال أن التعليق لم يجب عليهما. هذا ولم يكن تعليق آخر لـ"صوت أميركا" حول السياسة الأميركية تجاه نيجيريا أكثر من مجرد تقرير إخباري يشير إلى شهادة مسؤول من وزارة الخارجية أمام الكونجرس.

الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها "صوت أميركا" الجدل، وكانت آخر مرة بسبب خفضها لفترة بثها الإذاعي الدولي غير أن الرسالة مهمةٌ أهمية المرسِل؛ وواقع الحال أن رسالة "صوت أميركا" غامضة وفضفاضة كما لو أن الولايات المتحدة نفسها ليست سوى متفرج في حرب المعتقدات العالمية والحال أن الاكتفاء بالإشارة إلى أقوال المسؤولين الأميركيين بدون تقديم سياق لتعليقاتهم غير كاف لشرح السياسة الخارجية الأميركية للجمهور العالمي.

والحقيقة أن الولايات المتحدة لا تملك أن تكون محايدة في سبيل الظهور بمظهر غير منحاز. وعليه، فالمطلوب هو شرح وتوضيح أكثر قوة ووضوحاً وإقناعاً للسياسة الأميركية.

يبدو أن المقاربة التي تتبناها إذاعة "صوت أميركا" تجاه تعاليقها متأثرة بعامل الخوف؛ الخوف من أن تقول شيئاً مستفزاً، والخوف من أن تبدو مفتقدة للباقة، والخوف من أن تتضرر نزاهتها ومصداقيتها الصحفيتان، والخوف من أن يُنظر إليها كبوق وكوسيلة من وسائل بروباغندا إدارة يتزايد كره الجماهير التي تستهدفها يوماً بعد يوم.

ونتيجة لذلك، يمكن القول "إن صوت أميركا" إنما تضر بقضيتها، وعلى "مجلس أمناء الإذاعات الدولية" -الهيئة المشرفة المسؤولة عن برامج البث الدولية التابعة للولايات المتحدة- أن يجعل من إصلاح تفاهة محتوى تعليقات "صوت أميركا" أولى أولوياته.

إن تقديم الأخبار بشكل موضوعي وتقديم آراء مختلفة، عنصران مهمان من القانون المؤسس لـ"صوت أميركا". غير أن مهمة "صوت أميركا" لا تتوقف عند هذا الحد؛ ذلك أنها مسؤولة أمام دافع الضرائب الأميركي عن تقديم وشرح آراء الحكومة الأميركية بشكل ذكي ومقنع للعالم.

ولذلك أرى أنه حتى نجماً مشهوراً من طينة كال ريبكن، يحتاج للمساعدة من أجل إعادة الدبلوماسية العامة الأميركية إلى مسار رابح. وقد آن الأوان كي تصلح "صوت أميركا" نفسها.

*نائب مساعد وزير الدفاع لسياسة الأمن الدولي بوزارة الدفاع الأميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-25-8-2007