معركة الصحف المحلية الأميركية تزداد شراسة والسوق يضيق

 

 

 

تأثير الإنترنت وارتفاع كلفة التغطية والطباعة يترك أثرا سلبيا كبيرا

ثمة ظاهرة لافتة في الصحافة الاميركية المحلية المكتوبة.

إذ تشتد المنافسة في جميع الولايات وعلى مستوى المقاطعات (المحافظات) بين هذه الصحف على الرغم من ان بعضها يوزع مجاناً في حين تباع الصحيفة المنافسة بسعر يفوق حتى سعر الصحف الاميركية الكبرى. لكن «لا تغلق صحيفة في اميركا الا نادراً بل تباع في اسوأ الحالات».

معارك الصحف المحلية وتنافسها ليس أمراً هيناً. إذ ان سوق الصحافة الورقية تضيق ومعارك البقاء تزداد ضراوة.

في هذا السياق تدخل المنافسة بين صحيفتين في ولاية فرجينيا (المجاورة للعاصمة الاميركية) ليست لهما شهرة حتى داخل الولاية، وهما صحيفتا «تايمز فيرفاكس كاونتي» و«ريشموند تايمز ديسباتش»، على الرغم ان الاخيرة تعتبر هي صحيفة الولاية لكن «تايمز فيرفاكس» تعتبرها المنافس الوحيد لها في عقر دارها.

مما اضطر «تايمز» التي توزع مجاناً الى اصدار عدة طبعات لكل مدينة صغيرة من مدن مقاطعة (محافظة) فيرفاكس.

وخصصت «نيويرك تايمز» تحقيقاً موسعاً حول «معركة حياة او موت» بين صحيفتين في مدينة إيست هامبتون (نيويورك)، الاولى هي «ايست هامبتون استار» التي تعرف اختصاراً باسم «ستار» والثانية «ايست هامبتون بريس» وتعرف اختصاراً باسم «بريس».

وثمة تشابه في عدد من الامور بين الصحف الاربع على الرغم من اختلافات اساسية في اهتماماتها.

الصحف الاربع تعتمد على اعلانات «سوق العقار» والهواتف والمطاعم.

ويقتصر اهتمامها على الشأن المحلي . وهي جميعاً تنهج خطاً تحريرياً محافظاً. اثنان منهما تباعان بسعر يفوق سعر حتى الصحف الاميركية الكبرى.

«ستار» تباع بسعر دولار، في حين تباع «ريشموند» بسعر 1.75 دولار. قصة المنافسة في الحالتين تعكس «التنافس اللاخلاقي» كما تعكس الى حد كبير، كم هي عريقة الصحف الصغيرة في اميركا. وكيف استطاعت اعتماداً على هذه العراقة الصمود امام الاعاصير.

منذ عام 1885 ظلت «ستار» تصدر بانتظام في مدينة «إيست هامبتون» ومنذ عام 1935 عادت ملكيتها الى عائلة «راتراي» ويتولى رئاسة تحريرها حالياً دافيد راتراي.

ظل اهتمام الصحيفة وقفاً على الشأن المحلي: اندلاع حريق. جريمة قتل. افتتاح شركات جديدة. مشاريع لتحسين البيئة. حركة المرور. اخبار اسطول صيد السمك (اهم ميناء لصيد السمك في ولاية نيويورك) وهلم جرا.

لكن مؤخرا تحولت الصحيفة نفسها الى «الحكاية» الاهم في مدينة هامبتون .

حيث صدرت في الرابع من ابريل (نيسان) صحيفة اخرى في المدينة التي لا يتجاوز عدد سكانها 20 الف نسمة، ليس فقط صحيفة منافسة بل ايضاً تجر وراءها رصيداً مالياً ضخماً تمتلكها عائلة «لوشهيم» أغنى العائلات في مجال العقار في المدينة.

ولسوء حظ رئيس تحرير «ستار» فإن صحيفة «بريس» ستوزع مجاناً. وهي اسبوعية ومن الحجم الكبير ايضاً.

وتوزع صحيفة «ستار» ما بين 13 الفا الى 16 الفا. في حين انطلقت صحيفة «بريس» بتوزيع يصل الى 18 الف نسخة.

يقول جيري ديلا الذي يصدر صحيفة «تابلويد» توزع مجاناً في المدينة نفسها «هذه حرب صحف.

انهما صحيفتان محليتان لعائلتين مهمتين واعتقد انهما على وشك الاصطدام».

ويعتقد مالكا الصحيفتان ان الامر سيتوقف في كل الاحوال على «سوق العقار» إذ ان الصحيفتين تعتمدان على الاعلانات العقارية.

والاشكال إن سوق العقار يعرف ركوداً لم يسبق له مثيل في كل الولايات المتحدة منذ سبع سنوات خاصة في مجال بيع المنازل. وأغلقت بالفعل عدة وكالات عقارية في مدينة ايست هامبتون.

والسوق الثاني الذي ستعتمد عليه الصحيفتان هو اعلانات المطاعم والمحلات التجارية.

ويبلغ ما ينفق على الاعلانات سنوياً في مدينة ايست هامبتون ما بين 30 الى 40 مليون دولار. وتتراوح حصة الصحيفتين من هذا السوق ما بين ثمانية الى عشرة ملايين دولار سنوياً.

والطريف ان ديفيد راتراي كان زميل دراسة في المرحلة الابتدائية لمنافسه جوزيف لوشهيم (كلاهما في الاربعينات ) مالك وناشر «مجموعة بريس» التي تصدر الصحيفة الجديدة حيث اشتراها من والده الذي كان اشتراها بدوره في مطلع السبعينات، ويؤكد جوزيف إنه لا يهدف الى اخراج صحيفة «ستار» من السوق.

وقال في هذا السياق «ربما تكون ستار هي افضل صحيفة (محلية) في الولاية والتوجه نحو منافستهم يعد انتحاراً». ويضيف «صحيفتنا يمكن ان تكون بمثابة ملحق لصحيفة «ستار» أكثر منها كمنافس».

و في معرض تفسيره لصدور صحيفته قبل يوم من صحيفة «ستار» يقول «صدرنا في منطقة يهيمن عليها لاعب اساسي». واوضح ان توزيع الصحيفة مجاناً لا يمكن ان يستمر الى ما لا نهاية. ووقع لوشهيم عقودا اعلانية للصحيفة الجديدة من بينها عقد مع تلفزيون تجاري في موقع «يوتيوب».

وعندما سئل دافيد راتراي عن المنافس الجديد رفض في البداية الاجابة عن اسئلة بشأن هذا الموضوع بل اغلق الهاتف.

بيد انه قبل في النهاية ان يتحدث «ظلينا نلاحظ انها (الصحف المنافسة) تصدر وتختفي ونحن هنا منذ 121 سنة» لكنها أقر «انزعجت قليلاً».

وكانت صحيفة «ستار» خسرت الكثير في محاولة ان تتحول الى صحيفة اقليمية في الثمانينات.

ويقول راتراي «خسرنا طناً من الاموال» ونتيجة لذلك اضطرت عائلة راتراي ادخال شريك جديد وهو ارثر كارتر المالك السابق لصحيفة «نيويورك ابزورفر».

وحاول كارتر السيطرة على الصحيفة لكن عائلة راتراي تمكنت من استعادة الملكية الكاملة عام 2003 بعد ان حصلت على قروض بنكية سددت بها نصيب كارتر.

وسبق لصحيفة «ستار» ان واجهت بعض العواصف.

ومن ذلك محاولة وضع حد لملكيتها من طرف عائلة راتراي، ثم تراجع سوق الصحف بكيفية عامة. ومنافسة من صحف التابلويد المجانية، وكذلك من المجلات العقارية التي توزع مجاناً ايضاً.

ويشتكي دافيد وجوزيف من ارتفاع تكلفة طباعة الصحف وكذا تأثير الانترنت على مداخيل الاعلانات.

وكذلك دفع رواتب كافية لمراسلين بات يتعذر عليهم ان يعـتـمـدوا على الــرواتـب التي تدفعها الصحف المحلية.

ومعظم قراء الصحيفة الى حد الآن في ايست هامبتون تميل مشاعرهم نحو «ستار» وتقول اليزابيث سرفاتي التي تعيش في المدينة منذ 28 سنة «حقيقة انها (ستار) صحيفة مدينتنا».

يقول ماكفلرن ماثيون من جمعية الناشرين الاميركية لـ «الشرق الاوسط» بشأن احتمال اغلاق احدى الصحيفتين بسب حدة المنافسة في مدينة صغيرة «في حالة فشل احدى الصحيفتين فإن القاعدة التي تحكم سوق الصحف في كل اميركا تقول: الصحيفة الخاسرة لا تغلق بل تباع ويستبدل رئيس تحريرها».

ويقول ماثيون إن الصحف المحلية تجد دائماً من يشتريها حتى ولو كان من خارج الميدان. ويشرح قائلاً «هناك من يشترى الصحف الخاسرة فقط من أجل بيعها في ظروف افضل».

قصة هاتين الصحيفتين هي نموذج للصحف الاقليمية او المحلية في اميركا وهي لا تحصى..ولكن تعد.