حرب العراق والتغطية الإعلامية المرتبكة

 

 

دانتي تشيني

 

قبل عدة شهور كتبت عن "بيل روجيو" الذي يقوم بتغطية الحملة العسكرية الأميركية في العراق ويقدم نموذجاً مختلفاً (وإن كان فقط على مستوى الشكل، وليس المضمون) حول الاتجاه السائد في وسائل الإعلام الأميركية. فعبر المُدونة التي يشرف عليها "روجيو"، يحرص على تقديم صورة إيجابية عن الحملة العسكرية الأميركية، سواء في العراق أم في أفغانستان، مع إبراز النجاحات التي حققتها طيلة الفترة السابقة.

وفيما يلي نقاش دار بيني وبين "روجيو" عبر البريد الإلكتروني حول تغطية وسائل الإعلام السائدة للجهود العسكرية الأميركية في العراق.

وبدأت مداخلتي بالاستفسار أولاً عن تقييمه للاتجاه السائد في التغطية الإعلامية لما يجري في العراق حالياً، وما إذا كان قد لمس أي تحسُّن في نقل الأخبار، أم أن التغطية ساءت عما كانت عليه في السابق.

فأكد "روجيو" أن التغطية الإعلامية قد تحسنت بالفعل، وتدل على ذلك سلسلة التقارير الإخبارية الأخيرة التي تشير إلى نجاح القوات الأميركية في ضرب "القاعدة" والتمرد الموالي لها في محافظة الأنبار العراقية.

لكنه أشار أيضاً إلى افتقاد التغطية إلى السياق العام، حيث يًُظهر المراسلون، حسب رأيه، جهلاً ذريعاً بالدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في حملة الترويج التي يستند إليها المتمردون.

فعلى سبيل المثال، يقول "روجيو"، إن النجاح الذي حُقق في الأنبار سرعان ما تم نفيُه من قبل وسائل الإعلام عندما شن تنظيم "القاعدة" هجوماً انتحارياً في الرمادي مطلع شهر مايو، حيث نقلت وكالة "أسوشيتد بريس" أن الهجوم "وجَّه ضربة إلى الجهود الأميركية في استعادة المدينة السُّنية من أيدي المتمردين". وأضاف "روجيو" أن هذه الصيغة الخبرية هي ما يبحث عنه المتمردون.

وحتى في الطريقة التي تعاملت بها وسائل الإعلام مع خطة بوش الجديدة في العراق، يرى "روجيو" أن المنابر الإعلامية المختلفة حكمت عليها بالفشل قبل أن تبدأ.

 فقد أوضح "روجيو" أن عدد الهجمات في بغداد تراجع بالفعل، بينما ارتفع في المحافظات الأخرى، لكن وسائل الإعلام عادة ما تخلط بين الهجمات وتضعها في سلة واحدة. وفي ردي عليه أشرت إلى التجاوب الطبيعي الذي يبديه الإعلام إزاء نبض الشارع في أميركا، وهو الشارع الذي بات يعارض إرسال مزيد من القوات إلى العراق، وهذا قد يفسر التغطية الإعلامية لخطة بوش الجديدة.

وفيما يتعلق بالرمادي سألت "روجيو": ألا يحق لوسائل الإعلام المختلفة أن تقول مثلاً إن الهجوم الانتحاري "وجَّه ضربة" إلى المزاعم الأميركية التي ادعت استردادها للمدينة؟

ومع ذلك رأى "روجيو" أن تلك الصيغة تتكرر مراراً إلى درجة يمكن تطبيقها في حالات عديدة، مدللاً على ذلك بمدينة "تلعفر" التي استطاعت القوات الأميركية تطهيرها من المتمردين بعد عملية عسكرية واسعة، لكن ما أن وقع هجوم انتحاري حتى انبرت عناوين الصحف تعبِّر عن ذلك بالشكل التالي: خلف هجوم انتحاري "س" من القتلى، و"ص" من الجرحى في مدينة أعلن الرئيس بوش أنها نموذج للنجاح في العراق...". ورغم اعتراف "روجيو" بأن الأمن مازال بعيداً عن الرمادي و"تلعفر"، فإنه يصر على وجود نجاحات حقيقية تغفل عن رصدها وسائل الإعلام التي تركز على كل ما هو سلبي، وهو ما يهدف إليه تنظيم "القاعدة" في العراق.

ويعيب "روجيو" أيضاً على وسائل الإعلام خلطها في تحميل مسؤولية العنف بين "القاعدة" والتنظيمات السُّنية الأخرى.

لكن في معرض ردي عليه، ذكَّرت "روجيو" بأن ما يهم فعلاً هو عمليات القتل والتفجيرات الانتحارية المستمرة في العراق، بغضِّ النظر عن المسؤول عنها، فالعنف أصبح يولد مزيداً من العنف، ولا مناص من نقل مشاهده المؤلمة إلى الرأي العام.

 وإذا كانت وسائل الإعلام جزءاً من الحملة العسكرية الأميركية في العراق، فإن ذلك لا يمنعها أيضاً من الإشارة إلى التفجيرات التي تحصل هناك. والأكثر من ذلك أنه ليس فقط وسائل الإعلام هي من ينقل سلبيات ما يجري في العراق، بل هناك أيضاً مؤسسات أخرى تشير إلى أنباء عديدة تتجاوز التفجيرات مثلما تُظهر الإحصاءات التي أوردها معهد "بروكينجر" وتنوِّه إلى المشاكل التي تواجه النظامين، الصحي والتعليمي، في العراق، ناهيك عن البطالة التي وصلت نسبتها إلى مستويات قياسية!

*باحث أميركي متخصص في الصحافة

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

النصدر: الإتحاد الإماراتية-27-5-2007