اخضرار"الجزيرة"

 

عبد العزيز حسين الصاوي

 

 

المقصود باللون الاخضر هنا رمزيته الاسلاميه وليس البيئيه كما لدي احزاب الخضر. المتابعة العابرة لقناة الجزيرة الفضائيه تكفي لملاحظة البروز المتزايد للون الاخضر بين الالوان العديدة التي تشكل لوحتها الجذابه بأعتبارها الاكثر التزاما بمفهوم الاعلام الحديث مقارنة بغيرها.  

يصعب علي متابع عادي للقناه مثل كاتب المقال بناء هذه الملاحظة علي نماذج من معالجتها للمادة الخبرية وان اطلع علي ماتوصل اليه اخرون في هذا الصدد، ولكن هناك امارتان ظاهرتان علي صحة الملاحظه.    الاولي هي تزايد المحجبات ( والملتحين ) بين المذيعات .

بعد خديجه بن قنه، افضل مقدمة برامج اخباريه عربيه، هناك تحجب مقدمة مقابلات في الجزيره مباشر واخري في النشرة الجويه، واطوار بهجت مراسلة الجزيرة في العراق التي اغتالها المقاومون التكفيريون قبل عدة اشهر كانت قد ارتدت الحجاب عند  انتقالها اليها من قناة العربيه.  

الامارة الثانية هي العلاقة الوثيقة بين القناه وصحيفة القدس العربي الصادرة في لندن، فهذه تمثل في خطها التحريري الرئيسي واراء معظم كتابها توجها قريبا الي توجهات التحالف القائم بين القوميين والاسلاميين ( التقليديين ) لدرجة ان وجود كتاب مثل الافندي وصبحي الحديدي وسطهم يبدو نشازا وكذلك الصفحة الثقافية كلها ربما بأستثناء القاص رشاد ابو شاور.  

يتسق هذا مع حقيقه ان عبد الباري عطوان رئيس تحرير الصحيفه، الذي لاتضارع قدرته علي الكتابة الحية الا مقدرته علي الحديث الشفهي، هو علي الارجح اكثر المعلقين العرب ظهورا في القناه.

قد يرجع ذلك الي هذه الصفات المرغوبة اعلاميا ولكن يصعب اغفال عنصر تشابه التوجهات العامه ايضا اذ يلاحظ ان مجموعة من مذيعي القناه ومعدي تقاريرها ضيوف دائمون علي صفحة الرأي في الجريده مثل محمد كريشان ويوسف نور وكذلك متعاونين مع القناه مثل هويدا طه.  

هناك امارة ثالثه تخمينية اكثر من هاتين تتعلق ببرنامج ( الاتجاه المعاكس ) الذي يقدمه فيصل القاسم وهو ايضا يكتب في القدس من حين لاخر، لها اهمية خاصة لانها قد تفتح افقا لتفسير الاخضرار المتزايد.  

هذا البرنامج يهزأ بأبسط قواعد الاعلام الموضوعي اذ يتخلي مقدمه عن دوره كضابط للحوار الي محرض سافر علي انفلاته مع انه خريج البي بي سي البريطانيه ام الاعلام الرزين والمتوازن، مما يشي بأن الامر ليس كما يبدو علي السطح.  

قناعة كاتب هذا المقال ان القاسم، الذي تكاد تقسم احيانا بأنه يمثل، يؤدي مهمة مرسومة في اطار استراتيجية عامة للقناه تقوم علي توسيع حجم الشرائح التي تخاطبها بالجمع بين مجاراة المزاج الشعبي العربي وتقديم خدمة خبريه حديثه.  

 المعروف ان انشاء القناة يندرج ضمن  طموح قطر للتحول الي دولة عصريه لاسيما وان وزارة الخارجيه التي يديرها الشيخ حمد بن جاسم احد المهندسين الرئيسيين لهذا التحول، هي الممولة للقناه ولكنها لاتستطيع تغطية نفقاتها المهوله بعد ان انجبت الجزيرة جزرا رياضية وانجليزية ووثائقية دون نجاح تجاري.  

هذا التصور يفسر ايضا مسألة تمدد اللون الاخضر بعد ان حلت الطبعة الاسلامية للخطاب التعبوي الواعد بهزيمة ماحقة ساحقة لامريكا واسرائيل ، محل الطبعة الناصرية- البعثيه كقطب جاذب للمزاج العربي السائد.

يعني ذلك ان الاخضرار ليس سياسة نابعة من ميول ايدولوجيه او مؤامرة اسلاميين للسيطرة علي القناه  بل امر مفروض بأرتفاع الطلب الشعبوي والاسلاموي- القوموي عليه مع وفرة في العرض لان الاسلاميين يشكلون الاغلبية في أوساط النخبة العربيه وبالتالي الكفاءات اللازمة لمختلف المهن الحديثه ومن بينها التلفزيون.             

سبق للمفكر السوري المرموق برهان غليون ان وصف الجزيره بأنها تساهم في تسطيح الوعي العربي.  

وهذه المحاولة لتفسير مصدر هذا الدور السلبي تنتهي بملاحظة ضروريه : ان الاسلاميين ( التقليديين ) كظاهره ليسوا نتاج عملية استنساخ ذاتي بل نتاج  ظروف تاريخية معينه ساهم في تشكيلها من يعتبرون انفسهم نقيضا لهم، أي  دعاة العقلانيه والاستناره، وبقدر مايمضي هؤلاء علي طريق اعادة النظر النقدية في مرحلتهم بقدر ما يساهمون في الحد من هذه الظاهره.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الوطن-16-5-2007