الإعلام بين الهيمنة وفرص الديمقراطية

 

 

إبراهيم غرايبة

 

ليس من المبالغة القول إن أجهزة ومؤسسات الإعلام العربية، حالها كحال السلطة السياسية، قد تم خطفها وتكميمها والمساومة على حريتها، فالتراجع في أداء المؤسسة الإعلامية العربية لم ينحصر في قدرتها على التعبير عن حاجات التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل تعدى ذلك إلى مساهمتها في تكريس واقع التشرذم والتفكك وتسويق القيم والمفاهيم السلبية في الحياة.

يناقش كتاب "الإعلام، النسق القيمي وهيمنة القوة" الذي صدر أخيرا عن مركز دراسات الوحدة العربية لمؤلفه أستاذ الإعلام العراقي صباح ياسين تزايد تأثير الإعلام على حياة الناس وأفكارهم، وفي الوقت نفسه خضوعه لقوى مالية وسياسية تزين الفساد والاحتلال والهيمنة، وتحرف الإعلام عن رسالته في تعزيز الحرية والثقافة والقيم العليا، بل وتهدم الإنجازات الحضارية للإنسانية.

ويجد الدكتور ياسين أن المأزق الحقيقي لوسائل الإعلام العربية في الوقت الذي تطورت فيه القدرات التقنية وتنوعت، واتسعت عوامل التأثير المتبادل بين المرسل والمتلقي، أن تلك الوسائل عادت تخسر يوما بعد آخر صدقيتها ودورها.

وبرأيه، فإنه ليس من المبالغة القول إن أجهزة ومؤسسات الإعلام العربية، حالها كحال السلطة السياسية، قد تم خطفها وتكميمها والمساومة على حريتها، فالتراجع في أداء المؤسسة الإعلامية العربية لم ينحصر -بحسب ياسين- في قدرتها على التعبير عن حاجات التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل تعدى ذلك إلى مساهمتها -بشكل أو بآخر- في تكريس واقع التشرذم والتفكك وتسويق القيم والمفاهيم السلبية في الحياة.

ويكشف تقرير "الحريات الصحافية"، أن البلدان العربية في ترتيب مستوى الحريات الصحافية في العالم تحتل المواقع 85 إلى 162 من مجموع الدول البالغ عددها 167، أي أنها تتخلى عن نصف القائمة الأول وتقف في إطار النصف الثاني، وهذا يعني ببساطة أن الوطن العربي لم يتجاوب بعد مع الدلالات الفكرية والاجتماعية لتوسع مساحة الفعل الإعلامي، في الوقت الذي يبدو فيه متجاوبا مع حجم الاستثمارات المالية في هذا المجال، إذ يشهد ولادة محطة فضائية جديدة كل أسبوع تقريبا.

وباستثناء قنوات تعد على أصابع اليد، فهذه القنوات مشغولة بكل شيء غير الفكر والثقافة، وغير المعاناة الحقيقية التي يعيشها الوطن العربي على مستوى تحديات التنمية وحل مشكلات الحياة، والتجاوب مع متطلبات الإصلاح الديمقراطي والبناء الحضاري.

ومن جهة أخرى، فإن التطور الكمي والنوعي الهائل والتسارع في ميدان الاتصال قد ألقى بظلاله على الأداء الإعلامي العربي، فذهبت بعض وسائل الاتصال العربية، وبشكل خاص القنوات الفضائية، إلى اعتماد البرامج الترفيهية التي تقلد البرامج الأميركية والأوروبية أو تستنسخها.

وبالطبع، فإن ثمة ردا بديهيا ومنطقيا يفرض نفسه، أليس هذا هو قانون العرض والطلب، أي أن المجتمع والجمهور يؤيد هذا الاتجاه في الإعلام (الترفيه والتسلية)، وأن المجتمعات العربية ليست مختلفة عن العالم في هذه الوجهة، فاقتصاد التسلية إن صحت التسمية يتفوق في حجمه على أي اقتصاد آخر بما في ذلك النفط والنسيج والسلاح، ولننظر مثلا إلى حجم منتجات التسلية في السوق، من البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية، مرورا بالمشروبات والأطعمة والألعاب والسياحة.

وهي مقولة صحيحة بالطبع، ولكن يجب ألا تغطي المشهد كله، فبرغم تقدم الترفيه والطلب المتزايد عليه، فإن ثمة مساحات كافية لإنجاح البرامج والأعمال الثقافية والسياسية والاقتصادية على أساس اقتصادي، وثمة تساؤل مشوب بالارتياب لماذا تغيب هذه البرامج والمنتجات برغم وجودها ونجاحها في الغرب أيضا.

فلماذا يحتج بطلب الجمهور والاتجاه الغربي والعالمي على الترفيه ولا ينظر أيضا إلى الطلب المجتمعي وفرص النجاح في الغرب والعالم للإعلام السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي الجاد والموجه إلى فئات مهمة ومؤثرة في المجتمعات وترغب وتريد مثل هذا الاتجاه، فلماذا تؤخذ بالاعتبار قاعدة رأي المجتمعات والجماهير في الترفيه ولا تؤخذ أيضا اتجاهات الطلب على النوع والاتجاه الآخر من الإعلام.

وتدل نجاحات المنتجات الثقافية والسياسية الجادة والعميقة على أن ثمة طلبا حقيقيا قادرا على إنجاحها اقتصاديا، أو ما يمكن أن تقدمه الحكومات والدول من دعم وتمويل لمثل هذه المؤسسات على غرار ما يقدم لتشجيع السياحة والرياضة، مثل مركز دراسات الوحدة العربية، والذي أصدر مئات الكتب الناجحة في التوزيع والمربحة أيضا، ومركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية، ومنتجات المجلس الوطني للثقافة والفنون في الكويت، وبخاصة سلسلة عالم المعرفة، والتي تطبع من الكتاب الواحد خمسين ألف نسخة تنفد جميعها من السوق في فترة وجيزة، وبعضها يعاد طبعه، والمنظمة العربية للترجمة، ومشروعات الترجمة والتأليف في مصر، والتي تجاوزت الألفي عنوان.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي- 7-5-2007