تخريب الثقافة: هجمة الفضائيات الهابطة

 

 

د. موزة غباش

 

تهب على بلادنا ومجتمعاتنا العربية اليوم أخطر رياح العولمة، الرياح المتمثلة في أدواتها الإعلامية "المعولمة" والموجهة من قبل القوة العظمى أولاً، ومن الكارتيلات ذات المصلحة في نشر "ثقافة" العري والإباحية والخلاعة. وحيث إن أجهزة الإعلام، وعلى رأسها الفضائيات، على أنها أدوات للتلاعب بالمجتمع وأفراده. ولأن الولايات المتحدة تتحكم بما نسبته 65% من المادة الإعلامية في العالم.. فهي تملك توجيهه بما يخدم رؤيتها ومصالحها، سواء كان هذا التوجيه مباشراً من خلال إعلامها، أو من خلال وكلائها الإعلاميين في المنطقة العربية وفي العالم.

وهنا نلفت الانتباه إلى أن الصراع اليوم ليس فقط بين الفضائيات العربية والفضائيات ذات الطابع "العولمي"، فهذا صراع معروف، لكن هناك صراعاً آخر -وهو الأخطر في رأينا- بين فضائيات عربية جادة، وهي قليلة وضعيفة الإمكانيات، وفضائيات عربية هابطة، وهي بأعداد كبيرة وذات إمكانيات ضخمة، وهي للأسف تلقى إقبالاً جماهيرياً منقطع النظير، ما يهدد مجتمعاتنا العربية بأشد المخاطر.

ففي مقابل الفضائيات القليلة -الضعيفة التي تلعب دوراً ضئيلاً في تنوير الرأي العام خصوصاً في المنطقة العربية، هناك اليوم عشرات الفضائيات الهابطة التي تقتحم علينا بيوتنا بكل أنواع التفاهة والانحطاط، وذلك من باب "الفن" الترفيهي الهابط المبتذل الذي يخاطب الغرائز ويستغل معاناة المشاهدين، خصوصاً هذا المتمثل في أغاني "الفيديو كلِب" حيناً، ومن باب خلق التواصل بين المشاهدين عبر وسيلة مبتكرة هي الرسائل "the messages" التي يتبادلها الشبان والفتيات من خلال شريط متحرك في هذه الفضائيات، وهي رسائل تمثل خروجاً على الذوق والقيم والأخلاق الإنسانية، وليس فقط القيم العربية الإسلامية.

إن ثقافتنا تحارب اليوم بسيل من التدفق الإعلامي والمعلوماتي والثقافي ليس الأجنبي فقط بما فيه من مواد كلها جنس وعنف وفساد وكذب وتضليل ومحو للهوية الثقافية العربية، بل تحارب بثقافة هابطة ومبتذلة من صنع أيدي بني قومنا، وبأموال هي من حق مجتمعاتنا وشعوبنا، ويفترض أن توجه لخدمة قضايانا وحل مشاكلنا.

وهنا نتساءل: من المسؤول عن انتشار هذه الظاهرة الخطيرة التي تبيح للشاب أن يوجه رسائل بذيئة وقذرة عبر محطات فضائية تبث من بلادنا، وتحصل على ترخيص من حكوماتنا، وتسلب أموالنا بوسائل تجعلها تجني الملايين. حيث أكدت دراسة خاصة أعدتها جمعية لتوعية ورعاية الأحداث ضخامة العوائد التي تحققها المحطات الفضائية من الرسائل والعبارات التي ترسل من خلال الهواتف المتحركة وتبث الكترونياً في شكل شرائط متحركة على شاشات التليفزيون. وأن ما نسبته 80% من هذه الرسائل تمثل تجاوزاً مجتمعياً حيث تأخذ أشكالاً تخدش الحياء العام، وتحرض على الفسوق والفجور وتسيء إلى الذوق العام.

وأشارت الدراسة إلى الأضرار المجتمعية التي تسببها "المسجات" التلفزيونية من استباحة المحرمات وخلخلة التقاليد وتهميش القضايا القومية والانشغال عن متابعة تطوراتها وتداعياتها وتلويث سمعة الفتيات، الأمر الذي يؤدي إلى وقوع حالات طلاق كما أشارت بعض الصحف العربية.

أما عن أسباب انتشار هذا السرطان الاجتماعي فتقول الدراسة إنها تتمثل في الفراغ الزائد والملل الناجم عن الفشل في شغل وقت الفراغ والكبت الزائد للفتيات المراهقات، وضعف الوازع الديني، وسيادة القيم المادية والمتاجرة بالأخلاق والقيم والسعي لكسب المال دون الأخذ في الاعتبار بالأضرار الجسيمة التي تصيب المجتمع.

وفي حين يرى بعض المفكرين الخليجيين أن معظم مجتمعاتنا لا تزال مجتمعات محافظة لا تقبل بسهولة فكرة العولمة الثقافية وما يترتب على ذلك من انتشار ثقافة غربية جديدة تحتوي على مجموعة من قيم التغريب والتحرر وانتشار أخلاقيات لا تتناسب مع العادات والقيم الثقافية والدينية والاجتماعية الخليجية، فإن انتشار محطات التفاهة والابتذال على هذا النحو السرطاني يؤكد أن هناك تأثيرات خطيرة يمكن أن تحدث إذا لم يتم التصدي لها ومقارعتها.

نحن إذن أمام ظاهرة خطيرة آخذة في التفشي والانتشار، في غياب الرقابة على هذه المحطات وبرامجها، وفي غياب الوازع الضميري لدى أصحاب هذه المحطات ومن يديرونها وليس لديهم هدف سوى تحقيق الأرباح الطائلة، وكذلك في غياب القوانين التي تمنع انتشارها، وأخيراً في غياب فضائيات موازية تلعب دوراً في مواجهة كل هذا الابتذال. وفي مثل حالنا هذه واستمرارها فسوف نظل ننتقل من هزيمة إلى أخرى أشد منها هولاً. الأمر الذي يتطلب حلولاً جذرية سريعة، وذلك على أعلى المستويات. فلدى حكوماتنا قوانين تحرم الإعلان عن المواد التي تمس بصحة وثقافة الأفراد وتشكل خطراً على المجتمع وعلى الأسرة وتربية الأطفال وغير ذلك من وسائل الابتذال وتخريب ثقافة الأمة واللعب بقضاياها.

ولذلك ندعو مفكري الأمة ووسائل إعلامها الجادة والشريفة إلى الوقوف في وجه هذه الهجمة التي تنتشر في فضاءاتنا وتدخل بيوتنا وتهدد حاضرنا ومستقبلنا.

* رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي- دبي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-10-5-2007