دور استطلاعات الرأي العام في القرار السياسي في الوطن العربي

 

العقبات وانعكاساتها على عملية الإصلاح والديمقراطية

يمثل استطلاع الرأي العام ابتكاراً اجتماعياً لا يمكن فصله عن النسيج المؤسساتي الذي يعمل من خلاله –حسب الدكتور نزار ميهوب، وهو مجرد وسيلة للتأكد من عادات وأولويات وميول الأفراد والجماعات الاجتماعية المختلفة، وأصبح هذا الابتكار يحتل مكانة مهمة في الدول الصناعية والمتقدمة ، بل يعتبره البعض مؤشرا أساسيا على اتجاهات السياسات العامة في الدولة والمجتمع، والرأي العام ظاهرة يمكن دراساتها وهي قابلة للتحقق، ويعبر المواطنون عن رأيهم الصريح والحقيقي في الاختيارات السياسية المطلقة عبر صناديق الاقتراع في العمليات الانتخابية النزيهة .

ويعد العالم العربي حديث العهد بمثل هذه البرامج والدورات القياسية في التعامل مع قضاياه المختلفة، ويمكن القول بأن السنوات العشر الأخيرة شهدت طفرة كبيرة في محاولات تطوير هذا البرنامج في الواقع العربي، حيث لم يكن أحد يحفل باستطلاعات الرأي العام ونتائجها في معظم البلدان العربية كما يقول الدكتور فهد الفانك، الأمر الذي يجعل من بحث دور هذه الاستطلاعات في صناعة القرار مسألة حيوية وربما تكون في وقتها، استنادا إلى الخبرة التراكمية التي تحققت لعدد من الدول العربية في هذا المضمار ، وذلك بغض النظر عن تقييمنا لهذه التجربة وعن تداخلاتها مع المشاريع والأهداف الغربية الخاصة بوطننا العربي، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى وطنية الموضوع والإجراءات والنتائج والأهداف منها، وهو ما يجعل دراسة الواقع واستشراف إمكانات التحول فيه نحو تفاعل أكبر بين المجتمع والدولة من جهة، وبين استطلاعات الرأي العام من جهة أخرى، ولمصلحة تحقيق أعلى قدر من الانسجام والتوافق الاجتماعي والسياسي نحو الاستقرار كشرط لازم للتنمية والتطوير والحداثة في المجتمع العربي عموما. 

كما تشير العديد من الدراسات الدولية إلى أهمية تطوير عمليات الاستطلاعات واستمراريتها لتحقيق قدر أكبر من المشاركة المجتمعية العامة أو النوعية في رسم السياسات العامة للدولة، وذلك بهدف إشراك الأفراد والجماعات والمؤسسات المختلفة في خلق التوجه وتحمل مسؤولية تنفيذه  ورعايته بعد ذلك .

ولذلك فإنه من الأهمية بمكان إدراك أهمية تحقيق المصداقية الأعلى لهذه الاستطلاعات والاهتمام الأكبر من قبل الدولة بها، والاستفادة منها في تحقيق الإصلاح والنمو الديمقراطي وتحفيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبناء الدولة الحديثة من جهة، ولتحقيق الحضور بين الدول المتقدمة من جهة أخرى.

وثمة مسألة ربما يكون لها حظ في التناول في هذ المناسبة والمتعلقة بالعلاقة بين القطري والقومي عربياً إزاء استطلاعات الرأي ، خصوصا في ظل التجانس الكبير بين نمط الحكومات من جهة، والثقافة العامة والدين واللغة والتاريخ والتحديات التي تواجه مختلف الأقطار من جهة أخرى، وهو ما يساعد على بناء نظرية التكامل إزاء عمليات التخصص في الاستطلاعات بين المحلية القطرية المعيشية والحياتية وبين الهّم القومي المتعلق بالمستقبل السياسي والدور العام للأمة والذي يفرض مواجهة التحديات والتعامل مع الكتل العالمية كأمة عربية واحدة، ما يجعل للاستطلاعات أهمية أوسع مما هي عليه اليوم، خاصة وانها لا تكاد تذكر في بعض الأقطار العربية فيما هي متفاعلة شهرياً وربما أكثر في أقطار أخرى.

رؤية نقدية للواقع القائم

لاتزال عمليات استطلاع الرأي العام والتعرف إلى المزاج الشعبي العام من المسائل الجدلية في عملية صناعة القرار العربي، حيث تسود ثقافة الزعامة الفردية التي تعتبر وصية على المصلحة الوطنية، وتطل على المعلومات بطريقة أشمل، كما لا تزال إدارة صناعة القرار العربي تحظى بالمرجعية العليا الفردية في معظم الأحيان، ناهيك عن آلية صناعة القرار والكثير من المسائل المتعلقة بالمنهجية والإعداد وعرض البدائل والخيارات المطلوبة. من جهة أخرى فإن النظرة الرسمية لعلميات الاستقراء والدراسات والأبحاث في القطاع الخاص ولدى النخب المثقفة أو الخبراء والعلماء المتخصصين في المجالات المختلفة وخاصة الإنسانية منها لا تزال تصنف ضمن دائرة الترف الفكري والتنظير وعدم إدراك حقائق السياسة ومدخلاتها، وتتهمها هذه النخب بقلة المعايشة والابتعاد عن تحمل المسؤولية والابتعاد عن الواقعية السياسية والبراغماتية .

ولا تقع مسؤولية هذا التدني في تعامل صانع القرار العربي مع استطلاعات الرأي العام على مؤسسات الدولة وقياداتها والنخب الحاكمة فقط، بل إن ثمة انتقادات منهجية موضوعية توجه لعمليات استطلاع الرأي العام العربي التي تجريها عدة جهات في عدد من الدول العربية الرئيسية، وذلك من حيث الحياد النسبي، والموضوعية في تناول المسائل محط البحث، سواء من حيث الأهداف، أو الأسئلة وتحليل الإجابات أو عرض الخيارات أمام الجمهور المستهدف، أو طبيعة وخبرة وقدرات وحيادية فريق البحث الميداني، وصولاً إلى منهج التحليل المتبع على الصعيد السياسي والسسيولوجي من قبل بعض الخبراء في هذه الجهات .

ويلجأ أعضاء النخب الحاكمة إلى الاستناد إلى هذه الإشكالية في توجيه النقد المبدئي لهذه الاستطلاعات، خاصة تلك التي تجريها مؤسسات لا تتبع مؤسسات الدولة، وخصوصاً في حال كانت النتائج تثبت تناقض السياسات العامة للدولة إزاء موضوع البحث مع المزاج العام للجماهير، أو تظهر تراجع التأييد للحكومة وبرامجها في صفوف المستهدفين بنسب محرجة.     

من جهة أخرى فإن النخب الحاكمة وبعض المثقفين المحيطين بها تطرح التساؤلات حول غايات وتمويل بعض الجهات التي تقوم على هذه الاستطلاعات، وتجد مندوحة في تبرير سوء نية هذه الجهات بسبب التمويل الأجنبي أحيانا، وبسبب موقفها الذاتي ومسؤوليتها من نظام الحكم أو الحكومة أحياناً أخرى، وهو ما يبرر للجهات الحكومية الطعن في مصداقية هذه النتائج وأهميتها ، ويعفيها بالتالي من تحمل تبعات ومسؤوليات التعامل معها كرغبة جماهيرية من قبل شرائح مهمة في المجتمع.

ومن هنا فإن تحميل جهات صناعة القرار وحدها مسؤولية هذا الواقع العربي في التعامل متدني الأهمية مع استطلاعات الرأي العام يٌعد مجافاة للموضوعية والواقع ، حيث تتحمل أطراف أخرى هذه المسؤولية المشتركة، وخاصة تلك الجهات الوطنية أو العربية التي تعمل على استمزاج الرأي العام تجاه بعض المسائل دون أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الانتقادات المنهجية والواقعية لبرامجها ووسائل عملها.

ومن هنا يمكن تبرير الواقع السلبي هذا بعدد من المسوغات والمبررات من قبل أطراف متعددة أهمها :

1- التخوف الحكومي المستمر من إعلان رأي الجماهير بسياساتها وبرامجها ومواقفها ، خاصة السياسية والاقتصادية منها .

2- شعور النخب الحاكمة بأن هذه الاستطلاعات لها أهداف وغايات تتعلق بالطعن في شرعيتها أو تحريض الرأي العام عليها، وأنها لا تنطلق من المصالح الوطنية الصرفة.

3- الاتهامات التي توجه إلى منهجية هذه الاستطلاعات على صعيدي الموضوعية والحياد النسبي

4- عدم قدرة المؤسسات التي تقوم على استطلاعات الرأي العام تقديم نفسها بشكل صحيح للرأي العام من جهة، ولصانع القرار من جهة أخرى .

5- إشكالية الجهات التي تقف وراء هذه الاستطلاعات من حيث انتمائها الوطني وعلاقاتها الخارجية ومصادر تمويلها التي تختلط بجهات أجنبية غير معروفة الأهداف تقف وراء هذا التمويل لهذه الاستطلاعات

6- سيادة ثقافة الشك وعدم الثقة في الجهات التي تقوم بها من قبل المواطنين الذين يشاركون في ملء استماراتها المختلفة. مما يقلل الجدية النسبية في إعطاء الرأي والمعلومات الصحيحة من قبلهم، خاصة إذا وصل الشك لديهم إلى أن الجهات الأمنية تقف وراءها من أجل "التعرف على توجهاتي لمحاسبتي عليها مستقبلا !"

إشكالات صناعة القرار في التعامل مع استطلاعات الرأي 

تعاني الأقطار العربية المختلفة من ظاهرة ضعف البنية المؤسسية لعملية صناعة القرار ومؤسساته، الأمر الذي قد يفوت الكثير من الفرص من جهة، وقد يوفر هامشا أكبر للخطأ في القرارات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية العربية كما شهدنا خلال العشرين سنة الماضية بوضوح من جهة أخرى، وبرغم أن هذه الورقة غير معنية بالدخول في تفاصيل صناعة القرار في الوطن العربي، غير أنها تعتقد أن هذه  الإشكالية تمثل إحدى العقبات التي تعيق الاستفادة من نتائج استطلاعات الرأي العام، ولذلك تشير باقتضاب إلى أن أبرز ما تعاني منه هذه العملية :

1- الفردية على صعيد القيادة والمساعدين في بلورة الأفكار والتوجهات وربما تقبل إملائها من المستويات الأجنبية المختلفة.

2- تأثر القرارات المختلفة حتى المصيرية منها بثقافة وتوجهات صانع القرار، خصوصا عندما يعين حوله مجموعة من المستشارين يعملون على تحييد قطاعات الدولة المختلفة لفرض دور أكبر لهم من جهة، ولأنهم يحرصون على دعم توجهات القائد أو الحزب أو المجموعة القيادية دون الدخول معها في خلافات للمحافظة على مناصبهم وامتيازاتهم

3- الإشكالية المتعلقة بطريقة تداول المعلومات الناتجة عن استطلاعات الرأي العام وغيرها، والتي تستبعد الكثير من التقارير التي لا تتفق مع التوجهات والمصالح القائمة لهذه النخب الحاكمة ومستشاريها

4- الاقتراب الشديد لوسائل الإعلام من التسويق والترويج لأفكار واتجاهات الحكم، وعدم فتح المجال الكافي فيها للآراء والاجتهادات المغايرة، مما يضعف حرص النخب الحاكمة على رفع مستوى أهمية الإستطلاعات التي تجري للتعرف على المزاج الاجتماعي العام .

5- الأخذ بعين الاعتبار التفاوت النسبي في عمليات صنع القرار وطريقة تعامل النخب الحاكمة مع المزاج الشعبي بين الأقطار العربية المختلفة.

6- عدم قدرة جهات الاستطلاع على الوصول إلى مفاصل صناعة القرار أو جهات إعداد الخيارات والبدائل، مما يضعف حظ نتائج هذه الاستطلاعات في التأثير الحقيقي على القرار السياسي والاستراتيجي في الدولة.

لماذا لا يأخذ صانع القرار بنتائج الاستطلاعات

لا تعبر استطلاعات الرأي العام بالضرورة عن حقائق تلزم صانع القرار، وإنما هي نتائج استرشادية مهمة، تفيده في تحديد نسبة مهمة من توجهات المجتمع وتوقعاته إزاء بعض المواضيع، ما يجعلها أحد مدخلات صناعة القرار وليس المصدر الحاسم له.

ومع الإقرار بهذه الحقيقة النسبية غير أن صانع القرار العربي لا زال يتجنب الاعتماد على استطلاعات الرأي العام، بل إن بعض النخب الحاكمة تسخر منها وتتهم عامة الناس بالجهل وعدم الدراية في الأمور، وأنها تتعرض لغسيل دماغ من قبل متطرفين أو معادين للنظام أو للسياسات الحاكمة للدولة.

ولذلك فإن أهم المعوقات التي تحول دون أخذ استطلاعات الرأي دوراً في صناعة القرار هي :

1-  عدم ثقة النخبة الحاكمة بجماهير الشعب وأهليتها لهذا الدور.

2- غياب التواصل بين النخب المثقفة وقادة الرأي من جهة، وبين النخب الحاكمة من جهة أخرى.

3-  خوف النخب الحاكمة من اتجاهات الرأي العام وتحولها إلى معارضة سياسية منغصة تهدد مستقبلها وسياساتها.

4- الارتباط الوثيق بين السياسات العربية المختلفة وبين السياسة الأمريكية، أي أن العامل الخارجي هو الذي يفرض معظم هذه السياسات، فكيف يمكن للنخب الحاكمة أن تأخذ بعين الاعتبار العامل الداخلي في ظل الضغوط التي يمارسها العامل الخارجي والمتعلقة بمستقبل الحكم ومصالحه المباشرة.

5- عدم شعور الحكومات العربية بأي جدية في توجهات الشارع للضغط عليها، ولذلك عندما بدت بوادر لبعض هذه الجدية كان رأي الشارع مهماً في تغليب المصالح الوطنية في بعض المفاصل ولو لحظيا من قبل الزعماء.

6- ضعف مصداقية هذه الاستطلاعات لدى النخب الحاكمة والمثقفين للأسباب التي ورد ذكرها سابقاً.

محددات مصداقية الاستطلاعات

تعاني استطلاعات الرأي من العجز عن تحقيق المصداقية لدى الجمهور ناهيك عن صانع القرار كي تكون إحدى المدخلات المهمة في تناول الموضوعات ذات الصلة، وبالتالي ليكون لها حظ ما في الاعتبار عند أخذ القرارات المتعلقة بهذا الموضوع على مختلف المستويات، والأمر يتعلق بصناعة القرار في مؤسسات المجتمع المدني كما هو في الدولة وكما هو على المستوى القومي العربي في القضايا المصيرية الكبرى والمشتركة الكثيرة.

ويعتقد كثير من الباحثين أن أهم هذه المحددات :

1- توفر الخبرة والدراية الاجتماعية والسياسية لدى مراكز الاستطلاع عبر استقطاب النخب المثقفة التي تحظى بالاحترام والتقدير العلمي والاجتماعي والسياسي.

2- الوضوح والشفافية في التمويل لهذه المراكز التي تتعامل مع مفاصل المجتمع الداخلية، وتسير اتجاهاته حتى يتعامل معها الجميع بثقة وطنية وقومية كافية.

3- إتباع المنهج العلمي المتعارف عليه دوليا، والذي تتناوله الكثير من الكتب والأبحاث بالنقد المتواصل لتطويره بوصفه أحد فروع علوم الاجتماع المتغيرة حسب الزمن والبيئة والمجتمع.

4- استشارة مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة في موضوعات البحث والاستطلاع، وليس إتباع اتجاهات المؤسسات والدول الأجنبية في اختياراتها للتركيز على مواضيع قد لا تكون لها الأولوية في بلداننا في هذه المرحلة.

5- الحرص على الموضوعية والحياد النسبي في تناول التحليل بعيداً عن الإسقاطات المسبقة التي تستخدم الاستطلاعات لترويج أفكارها وتدعيمها كما يحصل في كثير من الأحيان، والحرص على اللجوء بالتالي إلى منهج تحليلي سسيولوجي معتبر يتمتع بالدقة النسبية وبالحساسية في تناول المفردات والمتغيرات والاتجاهات العامة، لا أن يلجأ إلى التعميم لتمرير أفكاره واتجاهاته.

6- أهمية اختيار التوقيت والوسيلة المناسبة، أي عدم استغلال العواطف الجماهيرية اللحظية التي لا تعبر بالضرورة عن رؤية وقناعة راسخة أو عن اتجاهات اجتماعية حقيقية في التعاطي مع هذه المسألة أو الحدث.

7- اختيار الوسائل الأكثر فاعلية في تحقيق الهدف بالتعرف الدقيق النسبي على المزاج الشعبي العام إزاء هذه القضية أو تلك، وخصوصاً في ظل تنامي اللجوء إلى الوسائل الأقل كلفة، والأسرع، والأكثر رواجاً اليوم عبر الإنترنت والهاتف والإذاعة والتلفزيون، وهي استطلاعات لا تحظى بمنهجية كافية للتعبير عن الرأي العام.

8-  العمل على التنويع بين العينات العشوائية والعينات المستهدفة للنخب أو أصحاب المصالح المرتبطة بالمسألة أو الأطراف المتضررة منها أو غير ذلك من التصنيفات الاجتماعية والسياسية، وذلك بهدف تقدير التفاوت بين المزاج العام ومزاج النخب أو الفئات التي تتأثر وتؤثر بموضوع البحث أكثر من غيرها، ما يعطي الدراسات التابعة لهذه الاستطلاعات شمولية نسبية، وكفاءة إحصائية أعلى .

الشروط الموضوعية لنجاح الاستطلاعات

1- توفير الحريات العامة والاطمئنان لدى المواطنين بأن المشاركة في هذه الاستطلاعات هي خدمة وطنية لا علاقة لها بأجندات أمنية قد يحاسب عليها المواطنون. 

2-ضرورة اعتماد استطلاعات الرأي العام ودراساتها جزءاً من آلية صناعة القرار. 

3- توفير الوسائل والمعلومات العامة للجمهور حول مختلف المواضيع محط البحث.

4- حرية وصول فريق البحث الميداني إلى المواطنين في كافة أماكن تواجدهم، وعدم الحد من هذه الحرية لاعتبارات وتبريرات أمنية، من أجل أن يتمكن من تحقيق العينة العشوائية أو المستهدفة التي خطط لها الاستطلاع.

5- رفع الدولة يدَها عن الرقابة والتدخل في صياغة الاستطلاعات من جهة، واختيار العينات والمواضيع من جهة أخرى.

6- التزام الجهة القائمة على الاستطلاع بنشر النتائج دون تدّخل منها على الجمهور العام ولصانع القرار على حد سواء.

7- فتح المجال لممارسة المواطن دورَه في انتخاباتٍ سياسيةٍ حرةٍ ونزيهةٍ.

8- إفساح المجال الكامل للإعلام لمناقشة نتائج هذه الاستطلاعات ودلالاتها السياسية والإستراتيجية والاجتماعية دون تدّخل الدولة. 

انعكاسات الواقع على عمليات الإصلاح والتحول الديمقراطي

تعتبر توجهات الجمهور أساس بناء الديمقراطية والقيام بعمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولذلك فإن غياب رأيه العام عبر الاستطلاعات وعبر دراسات الإحصاء والتوجهات السياسية والاجتماعية للمجتمع إنما يحرم العملية الديمقراطية من الزخم الذي يحتضنها، ويوفر فرصاً واسعة لادّعاءات التمثيل للجماهير بعيداً عن الحقيقة.

إما على صعيد رفض قيام الجمهور بممارسة حقه في اختيار ممثليه بإرادة حرة وبدون شروط معيقة ومنتقصة لحقه ولأهليته، أو على صعيد التدخل الرسمي للدولة في تزوير عمليات الانتخاب بمراحلها المختلفة بدءاً من قانون الانتخاب المنظِّم لعملية التمثيل، ومروراً بتوزيع الدوائر أو العدالة فيها، وانتهاءً بفرز وإعلان النتائج، أو على صعيد قيام النخب الحاكمة بتبني سياسات واتجاهات اقتصادية واجتماعية لا تلقى رضى لدى الجمهور والزعم بأنها كذلك.

إن اتساع دائرة الدول وتكاثر رعاياها ليصلوا إلى مئات الملايين فرضَ البحث عن وسائل تواصل جديدة بين النخب الحاكمة ورعاياها، وذلك لأن أساس الحكم الصالح القيام على رعاية مصالح مواطنيه وتحقيق رغباتهم وتمثيلهم تمثيلاً صحيحاً، ولذلك فإن تزايد الزهد الرسمي باستطلاعات الرأي العام ودراساتها المختلفة، وكذلك غيابها عن بعض الأقطار العربية ، والتحكم بها في أقطار أخرى إنما يشكل معول هدم خطر على التوجهات الديمقراطية والإصلاحية للنظام السياسي العربي، وهو الذي يعاني من الكثير من الإشكالات الداخلية والخارجية، حيث يستند بعض أسبابها إلى الترهل السياسي والفكري والإداري، وعمليات الفساد المالي والإداري التي تمارسها قطاعات واسعة في الدول القائمة اليوم، والتي تتسبب بإضعاف التنمية الاجتماعية والاقتصادية بسبب ارتباطها بمصالح النخب الحاكمة دون غيرها من جهة، وبسبب اضطرارها لتحقيق الحماية النسبية للحكم عن طريق التعاون مع الجهات الخارجية على حساب حقوق ومصالح المواطنين في الدولة من جهة أخرى، ولذلك فإن المعطى الأخطر والأهم في الابتعاد عن التعامل مع نبض الشارع، الذي تمثل قياسات الرأي العام إحدى مجالات التعرف إليه، إنما يعني في المحصلة عزل الحكم عن الشعب، وأنه عند التعرض للتحديات الخارجية الجدية فإن النتائج الوخيمة التي تصيب الأمة لن تفوت النخب الحاكمة كما حصل في كثير من بلدان العالم وآخرها العراق.

لقد أصبحت المشاركة الشعبية الواسعة أساساً من أسس حماية الحكم والنخب الحاكمة، كما أصبحت تمثل قاعدةً صلبة لبناء السياسة على المصالح العليا الوطنية بعيداً عن الاستغلال الفردي لمقدرات الدولة وثرواتها، كما أن التجانس والانسجام الاجتماعي يتزايد في المجتمعات بسببب التقارب بين السياسات والاتجاهات العامة للدولة وبين تطلعات ورغبات الجماهير واتجاهاتها السياسية والإستراتيجية، ما يوفر قاعدة أوسع لتحمل المسؤولية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ولذلك تلتف الشعوب حول حكوماتها في الأزمات في حال كانت تمثلها ديمقراطياً كما حصل في إسرائيل إبان حرب تموز/يوليو 2006، والتي كانت حكومة إسرائيل فيها تترنح أمام ضربات المقاومة وتتخذ القرارات الخاطئة تباعاً، ومع ذلك فقد وقف معها الجمهور إلى حين انتهاء الحرب  لأنها انتخبت ديمقراطياً.

ويمكن تحديد أخطر الانعكاسات التي سببها الزهد في نتائج استطلاعات الرأي العام على عملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي بعدد من المخاطر من بينها:

1- تزايد الفجوة الفكرية والسياسية بين النخب الحاكمة وبين الجماهير، ما يضعف حزام الأمان الخاص بالحكومات شعبياً.

2- تفاقم المشاكل التي يعاني منها المواطنون بعيداً عن الإدراك الحكومي الدقيق، ما يجعل القنبلة الاجتماعية وانفجارها خطراً استراتيجياً ليس على الحكم فقط بل على الدولة ذاتها.

3- تزايد الطبقية في المجتمع، وتزايد التمزق الوطني وضعف الوحدة الوطنية بسبب ذلك.

4- فقدان الشعب الثقة بحكومته، وافتقاده لخياراته المختلفة مما يجعله زاهداً في دعمها أو الدفاع عنها.

5- فقدان الجمهور للثقة بجدية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، مما يوفر الفرصة لأفكار أخرى بالتسلل إلى المجتمع ربما لا تخدم مصالحه العليا وتطلعاته ولكنه يجد فيها مخرجاً بعيداً عن النخب الحاكمة.

6- تراجع عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في الدولة.

خـلاصــة

وبذلك يمكن القول أن ما تعانيه اليوم استطلاعات الرأي العام من تجاهل وإشكالات، وضعف دورها في صناعة القرار السياسي في الوطن العربي إنما يشكل تحديا كبيرا لأطراف متعددة ليست مؤسسات استطلاعات الرأي وحدها المعنية به، بل إن مؤسسات المجتمع المدني المختلفة والنخب الحاكمة يجب أن تعطيه الكثير من الاهتمام، وأنه وبرغم حداثة التجربة العربية في مجال استطلاعات الرأي، ووقوعها في كثير من الفشل في التنبؤات الاجتماعية والسياسية، غير أنها قابلة للتطوير والتفاعل الأكبر مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وينظر الكثير من الخبراء العرب إلى دور أكبر لهذه الاستطلاعات لتحقيق مزيد من التفاعل الديمقراطي والشعبي مع النخب الحاكمة، وتحقيق نظريات تداول السلطة، والشفافية ومحاربة الفساد الإداري والمالي وبناء سياسات متوازنة بين التحديات والضغوط الداخلية والخارجية، والعمل على تحقيق المصالح العليا للدولة القطرية وللأمن على الصعيد القومي.

ولتحقيق هذه القفزة الطموحة في تفاعل صناعة القرار العربي مع استطلاعات الرأي العام  تقترح الورقة :

1- توسيع دائرة التوعية بأهمية ثقافة استطلاعات الرأي العام سواء على صعيد الجمهور العام أو المثقف أو النخب الحاكمة.

2- أخذ توصيات الورقة فيما يتعلق بمصداقية الاستطلاعات، والأسباب والمبررات التي تسوغها النخب الحاكمة لعدم أخذ نتائجها في الاعتبار بجدية كاملة لتطوير عمليات الاستطلاعات وإصلاحها أيضا.

3- العمل على توفير المزيد من الحريات العامة لتشجيع المواطنين على التعبير عن آرائهم بدءاً بالانتخابات العامة الحرة والنزيهة، وانتهاءً بملء استبانة الاستطلاع.

4- وقف تدخل الدول في برامج الاستطلاع وآلياتها لتوفير الدقة والنزاهة والمصداقية الأعلى.

5-    توقف مراكز وجهات استطلاع الرأي عن التعبير عن حاجات الأطراف الخارجية في دراسات مجتمعنا، والعمل على اشتقاق أجندات وطنية قومية، والتوقف عن تلقي التمويل الأجنبي بوصفه مدخل الانحراف كما هو مدخل الشبهة كما هو مدخل رسم الأجندة، والبحث عن آليات عربية حقيقية لتمويل هذه الاستطلاعات.

6- أهمية البناء على تراكمية منهجية استطلاعات الرأي الدورية في مختلف القضايا، وعدم التعويل على استطلاع واحد لتحديد اتجاهات المجتمع.

7-    فيما يتعلق بالاستطلاعات والعمليات الانتخابية فقد اتضح من استعراض الأدبيات الكثيرة عربياً فيما يتعلق باستطلاعات الرأي مدى الضعف الذي تبديه استطلاعاتنا وتحليلاتها في التنبؤ بنتائج الانتخابات، وكانت المفاجأة الكبرى في الانحراف المعياري الذي أصاب استطلاعات الرأي الفلسطينية إزاء انتخابات المجلس التشريعي، والذي وصل إلى حوالي 20% بعيداً من النتائج الحقيقية، ليفتح مجالاً جديداً لدراسة الآليات المتبعة ومناهجها، وكذلك دورات التحليل والقياس الاجتماعية ، وهي التي شككت المواطن بجدية هذه الاستطلاعات ودقتها، إلى حد الطعن في صدقيتها.

8-  السعي لبناء مراكز دراسات متخصصة في دراسة استطلاعات الرأي العام والدراسات الإحصائية، وبناء عمليات مقارنة مستمرة زمنيا لتحقيق رؤية أكثر نضجا لحقائق المجتمع والمحيط الإقليمي والدولي وتحولاتها. 

*مؤتمر دور استطلاعات الرأي العام في القرار السياسي في الوطن العربي

المصدر: mesc