هل إعلامنا بخير يا وزارات الإعلام؟!

 

 

نبيل غيشان

 

دراسة ميدانية لواقع المغرب ومصر والأردن ولبنان ... تشريعات الإعلام لا تتناسب والمعايير الدولية... والرقابة حاضرة

ما زالت التشريعات الناظمة لحرية الإعلام في غالبية الدول العربية لا تتناسب والمعايير الدولية التي تحدد مبادئ الإعلام الصالح والقائم على الاستقلالية والنزاهة والكفاءة.

وقد أعدّ المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة تقارير حول وضع الإعلام في أربع دول عربية هي: المغرب ومصر والأردن ولبنان، أشارت جميعها الى ان التشريعات الناظمة للإعلام في تلك الدول تتضمن جميعها عقوبة الحبس.

ونوقشت هذه التقارير في مؤتمر إقليمي عقد في عمان بمشاركة خبراء وأكاديميين من الدول الأربع خرجوا بمجموعة من التوصيات والخطط التنفيذية لتحسين واقع الإعلام ومضمون الرسالة الإعلامية في الدول المعنية.

وبحسب التقارير الأربعة فان قطاع الإعلام في تلك الدول يندرج تحت ثلاثة أنواع هي «قطاع الإعلام الحكومي» الذي يستخدم للتعبئة السياسية ويعيد إنتاج ما تقوم به السلطات ويبحث عن مبررات لتحسين صورتها وكيفية استثمار الحدث او الخبر للدعاية للحكومة ورموزها. وفي المقابل فان «الإعلام الخاص المستقل» موجود في الدول الأربع بنسب متفاوتة ويبحث عن الحقائق وينقلها بموضوعية وشفافية ونزاهة ودقة وبينهما يقع «الإعلام الخاص» التابع لأشخاص أو لأحزاب وهو إعلام لا يختلف كثيراً عن الإعلام التابع للدولة من حيث المضمون والأداء والوظيفة، وهو إعلام موجود في الدول المعنية لا سيما منه الإعلام المقروء.

وبينت دراسة الأنواع الثلاثة من الإعلام انه يخضع لنوعين من الرقابة (الحكومية والذاتية) وتحكمه منظومة كبيرة من التشريعات المشتتة ومنه ما له علاقة بالنقابات والاتحادات ووزارات الإعلام والمجالس العليا وما يفرض عليه الخضوع لمجموعة من المحرمات أو «المقدسات» المرتبطة بالمجالين الرسمي والديني ولمجموعة قيود أخرى تتصف بعمومية تـجعلها قابلة للتأويل، وفي المقابل فان الدول الأربـع لديـها ضمانات دستورية وقانونية وعرفية وميثاقية لاستقـلال الإعلام وحريته لكنها ضمانات مقيدة بأحكام وإجراءات حكومية.

ويعاني قطاع الإعلام من مشكلة الوصول الى المعلومات بشقيها الحكومي وغير الحكومي باعتبار ان جزءاً كبيراً من المعلومات يشكل سراً من أسرار الدولة فيما تكبح قوانين الوظيفة العامة وصول الإعلام الى المعلومات لأن القوانين تحظر على الموظف العمومي التحدث الى الإعلام واعطاء المعلومات او تسريب الوثائق وكذلك يمكن احتكار المعلومات لاعلاميين معينين او مؤسسات اعلامية محددة.

وعلى رغم ان التقارير أشارت الى ان إلغاء وزارة الإعلام وتوزيع الأدوار على أصحاب المهنة خطوة مهمة في طريق الحرية الإعلامية الا ان المشاركين في المؤتمر توقفوا عند حدود تجربة الأردن في إلغاء وزارة الإعلام ليحل محلها خمس وزارات إعلام هي الجهات الرسمية التي ورثت هذه الوزارة. وجرى النقاش بجدية حول امتلاك الحكومات وسائل إعلامها، واجمع المشاركون على ذلك لكنهم ميزوا بين حق الحكومات في الاستثمار وحقها في احتكار وسائل الإعلام أو احتكار ترخيصها. وسأل البعض حول مشروعية المطالبة بمنع الحكومات من امتلاك وسائل إعلام فيما لا تمنع الشركات أو الأحزاب من امتلاكها. وجرى التركيز على أهمية ضبط عمليات التمويل الخارجي والتحقق من موارد وسائل الاعلام.

واستنتجت الدراسات الميدانية ان الوعي السياسي والاجتماعي كان اكثر بروزاً في الصحافة المكتوبة في الدول الأربع. وعلى رغم ان التطور الاقتصادي مكن وسائل الإعلام من إجراء تطور هائل في التقنيات الحديثة الا ان ذلك لم يصاحبه تطور كبير في التشريعات الناظمة للحرية الإعلامية، وانعكس التطور الاجتماعي على ازدياد دخول المرأة الى العمل الإعلامي.

وبينت الدراسات دور الأجهزة الأمنية والاستخبارات في هيئات الترخيص للمؤسسات الإعلامية السياسية إضافة الى دور الطبقة السياسية الحاكمة في احتكار السوق الإعلانية.

وتقتصر الحماية القانونية في مجال الذم والقدح على مواقع تنحصر في الدول الأربع بـ: رئيس الدولة والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وعلم الدولة والمرجعيات الدينية والحكومات ومجالس النواب والمحاكم والسلك القضائي ورؤساء الدول الأجنبية، وهي كيانات تتمتع بالحماية ويمكن مقاضاة وسائل الإعلام في حالة تناولها لتلك الجهات.

ومن العوامل المشتركة بين هذه الدول، العوامل الداخلية المؤثرة في استقلالية الإعلام ونزاهته وهي عوامل موزعة بين الحكومات وقوى دينية ومالية وسياسية صاعدة ومتحكمة بمسار المجتمع وانتظامه العام وحريات أبنائه واستقلالية مؤسساته، فالضغوط السياسية والنفسية والدينية والمادية والقانونية والمالية والتهديد بالإيذاء والقتل والمنع هي نفسها التي تمارس في هذه الدول بهدف التدجين والإلحاق والتنازل عن الاستقلالية.

وباتت الملاحقات القضائية ومثول الإعلاميين أمام المحاكم المدنية والعسكرية من الأمور العادية في الدول الأربع ما دام معظمها يعمل في ظل قوانين الطوارئ ونظرية الظروف الاستثنائية والخروقات الخارجية ومنطق هيبة الدولة وسرية المعلومات وما دامت لائحة الممنوعات في قانون العقوبات طويلة وتتضمن عناوين قابلة للاستخدام سلاحاً بيد الحكومات وما دامت الأعراف والتقاليد وأنظمة القيم ترسم حدود المسموح والمحظور في وسائل التعبير والنشر.

وهذا الأمر فرض على الإعلاميين مسؤوليات محددة باتوا يمارسونها عموماً على قاعدة التوفيق بين الحرية والمسؤولية.

وكشفت الدراسة ان مواثيق شرف ممارسة المهنة موجودة لكنها غير محترمة بالكامل. وان الارتشاء ظاهرة منتشرة في الوسط الإعلامي بحسب التقارير الميدانية، واختيار الإعلاميين يُجرى على قاعدة المحسوبية وليس على قاعدة الجدارة والكفاءة وذلك لغياب الحيادية والموضوعية والاحتراف، لأن الأمر عائد الى أصحاب المؤسسات الذين تتحكم بقرارهم اعتبارات لا علاقة لها بالمهنة، وهذا ترك آثاره السلبية على تطور بعض المؤسسات الإعلامية خصوصاً تلك التابعة للدولة, لأن معايير الكفاءة مخترقة في مؤسسات الدول الأربع، إضافة الى سلبيات الاختيار والترقية وتوزيع المسؤولية داخل المؤسسة الإعلامية الرسمية.

وأظهرت المناقشات ان المؤسسات الإعلامية في هذه الدول كان لها أداء سيئ في تطوير العملية الانتخابية وتعزيز حكم القانون والنزاهة لأنها لم تحترم التعددية ولم تقم بدورها التثقيفي ولم تكشف مخالفة السلطة وتدخلاتها بجرأة ولم توفر فرص الوصول الحر والعادل لجميع المرشحين الى الرأي العام.

وأجمعت التقارير الوطنية على ضرورة رسم سياسات اعلامية إصلاحية بديلة تستند الى رؤية سياسية توسع فضاءات حرية الإعلام وتستلهم روح دساتير العالم الحر وتواكب المعايير والمعاهدات الدولية لحرية الإعلام وهو ما يعزز الروح النقدية الاصلاحية ويجعل الإعلام ينهض بمسؤولياته في المراقبة والمحاسبة والتصويب والتنوير وكشف الحقائق ونقل الوقائع ويرفع عنه سيف التهديد. وخلصت التقارير الى التلازم بين الإصلاح السياسي والإصلاح الإعلامي باعتبار ان الإصلاح السياسي هو الممر الإلزامي لأي إصلاح آخر.

واقترح كتّاب التقارير توصيات وُضعت تحت ثلاثة عناوين رئيسة هي:

أولاً: تحرير العمل الإعلامي من القيود القانونية التي تحد من حريته واستقلاله ونزاهته وكفاءته من خلال تعديل منظومة النصوص القانونية والدستورية القائمة او استحداث أخرى تضمن الحق في الوصول الى المعلومات وحذف الممنوعات والمحرمات وتحديد العبارات التي تحمل مفاهيم عامة ووضع ضوابط لمكافحة الفساد الإعلامي وتعديل شروط الانتساب للنقابات وجعل وسائل الإعلام تحت رقابة المحاكم المدنية او إنشاء قضاء متخصص وإلغاء الرقابة وتعديل قوانين القدح والذم ووضع قوانين للإعلام الانتخابي ومنع احتكار الإعلان.

ثانياً: تطوير المؤسسات الإعلامية من خلال إدخال التقنيات الحديثة وتكنولوجيا الاتصال وبرامج المعلومات وتطوير كفاءات التسويق وتعزيز الإمكانات المادية عبر سياسات إعلانية شفافة.

ثالثاً: تعزيز قدرات الإعلاميين وترسيخ مبادئ الكفاءة والنزاهة والاستقلالية عبر عقد دورات تدريب على استخدام التكنولوجيا الإعلامية الحديثة والتدريب على أخلاقيات المهنة وتعميق التثقيف الإعلامي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-16-1-2007