هموم صاحبة الجلالة

 

 

منتصر الزيات

 

حال النظام السياسي في مصر لا يطمئن ، فالبادي أن حالة من الاضطراب والتردد تسود أسلوب صياغته للأمور، هو لم يحسم خياراته بصورة نهائية ، فيه ديمقراطية والا لا ، فيه إصلاح سياسي والا مفيش ، مشكلة النظام في مصر أنه يقدم رجلا قدام ورجلا خلف ، عاوز يبقي ديمقراطي والناس تحبه وتهلل له وفي نفس الوقت يبقي استبدادي ومفيش حد يتظاهر أو يعارض أو ينتقد ، عاوز انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية بشرط أن تسفر عن مرشحي الحزب الوطني بأغلبية الثلثين حتي يشرع ما يريد ومش مهم إن النزاهة تكون في حقيقتها تزوير والحرية تبقي بلطجة ، وإذا حد فتح فمه وقال تزوير توجه له الاتهامات ويلاقي نفسه في لحظة محول إلي محكمة الجنايات ، ولو كان علي رأسه شعره ولو كان نائب رئيس محكمة النقض أو أكثر.

الغريب والمحير في الأمر ويمثل لي من البسطاء لوغاريتم ، إن الحكومة المصرية التي هي الجهاز الاداري للنظام وتمثل السلطة التنفيذية لا تنفذ برنامج الرئيس مبارك الذي خاض به الانتخابات الرئاسية الأخيرة العام الماضي ، ولا أعرف كيف تجرؤ علي مخالفته ؟ فالرئيس مبارك وعد وعدا قاطعا بإلغاء قانون الطواريء وتهلل الشعب فرحا بهذا الوعد حتي اننا تهيئنا لتمرير قانون بديل لمكافحة الارهاب !! قلنا أكيد سيكون أخف من الطواريء !! ولم نكد نحلم حتي فاجئتنا الحكومة السنية حكومة التقنية الحديثة والاتصالات بتمديد قانون الطواريء فترة أخري وقالوا دي آخر مرة ومين سمعك ماهي ممكن تكون فعلا أخر مرة !!

الرئيس مبارك وعد بالاستجابة للقضاة بألا يتم تعديل قانون السلطة القضائية إلا بمشاركتهم أنفسهم في مداولاته وإنفاذ مواده لكن القضاة اضطروا إلي الخروج من ثكناتهم وخارج منصتهم العالية وتظاهروا في وقفات احتجاجية علي تجاهل مطالبهم ، لأن وزير العدل وهو ممثل السلطة التنفيذية ورجل الحكومة أصر علي عدم إحاطتهم علما بنصوص مشروع القانون ، وعايشنا كلنا مرارة إحالة قاضيين كبيرين إلي المحاكمة التأديبية ترهيبا للقضاة وتخويفا ، حتي صدر قانون السلطة القضائية معبرا عن الحكومة ولم يلب مطالب القضاة.

وعد الرئيس مبارك بألا يتم حبس الصحفيين في قضايا النشر ، وكان هذا مفهوما فلا حرية مع تخويف الصحفيين أو الكتاب والمفكرين ، السلطة الرابعة هي الصحافة وهي سلطة شعبية مسئوليتها كشف عورات المجتمع لسترها وكشف الفساد لتنقية المجتمع ، لكن الحكومة قدمت مشروعا لقانون الصحافة يتجاهل وعد الرئيس مبارك ، ويقدم لصيف ساخن جدا بين الدولة والصحفيين.كانت صدمة الصحفيين شديدة بدت في احتجاجاتهم وتظاهراتهم وقرارهم حجب الصحف في اجراءات متصاعدة ، حينما يشعر أصحاب الأقلام أنهم باتوا مهددين في جوهر مهنتهم وأعز ما يملكون وهو القلم لا شك أن الصدمة لا بد أن تكون عنيفة ومن ثم ردة الفعل لا بد أن تكون عنيفة.أيضا ، فالأمل الذي راودهم طويلا أضحي كابوسا كما عبرت المنظمة المصرية لحرية الصحافة." فلن يتم إلغاء الحبس في قضايا النشركما وعد الرئيس مبارك في ذلك التاريخ وستتضاعف الغرامة وسيخشي الصحفي الحر السعي وراء بؤر الفساد لكشف الفاسدين وسيلتزم رؤساء التحرير بوضع كل كلمة يكتبها الصحفي تحت المجهر وربما سيتوقف بريد القراء وستعتذر الصحف لكبار كتابها عن عدم نشر أعمدة الرأي وستقفز صفحات الإعلانات إلي الصفحات الأولي وستتواري الأخبار إلي الصفحات قبل الأخيرة تلك التداعيات هي النواتج الحتمية للتعديلات القانونية التي تقدمت بها الحكومة للبرلمان".

نقابة الصحفيين قالت في بيان لها اصدرته الثلاثاء الماضي إن الحكومة خدعتها وغضت الطرف عن أهم التعديلات المطلوبة والمتفق عليها مع ممثلي النقابة ومن ثم التفت علي الوعد الرئاسي وبدأ مجلسها إعتصام مفتوح أول أمس الثلاثاء ثم دعت لجلسة طارئة لجمعيتها العمومية المفتوحة لإعلان حقائق ما كان يجري في كواليس إعداد المشروع خلال العاميين الماضيين والإتفاق علي رؤية موحدة لمواجهة المشروع وآليات ذلك.

وفي سباق مع الزمن تحاول الجماعة الصحفية حشد كل طاقتها وتسخير كل آلياتها لمواجهة المشروع الحكومي ومحاولة إسقاطة ومن تلك الأليات دعي مجلس النقابة إلي اعتصام مفتوح أول أمس الاثنين بدأه أعضاء مجلس النقابة وعدد من الصحفيين ثم عقد في اليوم التالي اجتماعا تشاوريا مع عدد من رؤساء التحريرحضره من الصحف المستقلة مصطفي بكري عضو مجلس الشعب رئيس تحرير الاسبوع ووائل الإبراشي - صوت الأمة - وعادل حمودة-الفجر- وعمرو الليثي - الخميس - وسعد هجرس- نهضة مصر والعالم اليوم - ومن الصحف الحزبية عبد الله السناوي - العربي الناصري - وعبد العظيم مناف- الموقف العربي - وصلاح قبضايا - الأحرار- ونبيل زكي - الأهالي - وعبد الحليم قنديل - الكرامة - وقرروا جميعا احتجاب صحفهم بداية من يوم الأحد المقبل وتضاف علي تلك الصحف صحيفتا الشعب وآفاق عربية إحتجابا قصرياً.

إن الشعب المصري غاضب علي ما يجري لصاحبة الجلالة الصحافة فهي الرئة التي يتنفس منها بالكاد ، مهموم علي أبنائه من الصحفيين والكتاب الذين يبصرونه بجرائم الفساد والمفسدين ، ويرسمون له خريطة المستقبل بالإصرار علي انتزاع الحرية عبر نضال مستمر .

إن مناخ الوشاية والدسائس هو الذي سمح بتمرير قوانين تهز ميزان العدالة وتذبح الصحفيين علي قول سلامة أحمد سلامة ، رغم كل هذه الغضبة فإنني أزعم أن تصرفات الحكومة مكشوفة ، وأن حكومة بهذا الضعف ، تضم موظفين تكنوقراط ورجال أعمال ، ليست لهم ملكات أو مواهب سياسية لا ينتظر منها غير حماية الطبقة التي تعبر عنها فهي تعبر عن أصحاب السلطة والثروة طبقة البزنس ورجال الأعمال ، وليس عيبا أو حراما أن يكون من بيننا رجال أعمال لكن الأهم أن يكونوا أطهارا ، يعرف الشعب مصدر ثروتهم وأنها من طريق مشروع ، لذلك لم أنتظر من حكومة بهذه التركيبة أن تحمي الشرفاء مثلا ، أو توفر لرجال الصحافة مناخا ملائما لهم ، لأن الأمثل بالنسبة لها ترك الغموض يحيط بمصدر ثروات الطبقة التي يمثلونها ومن ثم تهديد الأقلام التي تكتب ودعوة لهم بالصمت.

هذا الحزب الذي منه الحكومة حكمنا بالاستبداد والطواريء طيلة عقود فلا تنتظروا منه ديمقراطية ولا حرية ولا يحزنون ففاقد الشيء لا يعطيه.

و كل ذلك بحسب رأی الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الراية القطرية-8-7-2006