رئيس تحرير « واشنطن بوست» السابق يتحدث

 

 

بن برادلي: الأمن القومي مشكلة كبيرة للصحافيين

رئيس تحرير «واشنطن بوست» السابق يتحدث عن تجربته ويشدد على أهمية التعدد الجنسي والعرقي والعمري في صالات التحرير

في لقاء سجله معه الإعلامي الأميركي جيم ليرر لشبكة «بي بي اس» الأميركية، يتحدث بن برادلي، رئيس تحرير صحيفة »واشنطن بوست« السابق ذو الـ 85 عاما، مطولا عن الصحافة والصحافيين. ليسلط الضوء على دور الصحافيين في حياة الأميركيين، ويتطرق كذلك لاستخدام المصدر الذي عرف بـ«ديب ثرووت» (الحنجرة العميقة) الذي كان له الفضل في نشر البوست لقصة فضيحة «ووترغيت» في سبعينات القرن الماضي، وكيف تسببت في زيادة استخدام اسلوب «المصدر المجهول» في الإعلام الأميركي. من بداية المقابلة، يتضح مدى الاحترام العميق الذي يوليه ويفرضه برادلي للصحافة كمهنة، فضمن مقدمة الحوار قال ليرر، وهو صديق قديم لبن، «برادلي هو أحد رؤساء التحرير الأكثر شهرة في أميركا وهو يؤمن بأن الصحافة هي اكثر من مجرد مهنة». وهنا يدخل برادلي على الخط ليقول «اعذرني.. لا اريد ان ابدو متعجرفا، ولكننا في مهنة مقدسة». فيسأله ليرر «مهنة مقدسة؟» ليجيب برادلي «نعم.. فالسعي وراء الحقيقة هو حتما عمل مقدس». وردا على سؤال حول كون الصحافيون ليسوا في افضل منازل الاحترام في الوقت الراهن، يقول برادلي «اتساءل كم تغيرت كمية الاحترام.. فهي لم تكن أبدا في غاية الارتفاع» ويضيف ان الصحافيين (في أميركا) تمتعوا بفترة من الاحترام عقب كشف فضيحة «ووتر غيت» الا ان نسبة الاحترام لم تتجاوز 50% في ذلك الوقت الذي كان الصحافيون فيه بمنزلة رجال الكونغرس والمحامين. ويضيف أن السبب الرئيسي لذلك هو ان الصحافيين هم «ناقلو أخبار سيئة» ويتذكر برادلي ان احد رؤسائه كان يذكره دائما بأن هناك 400 طائرة تهبط يوميا بسلام في المطار الوطني، وذلك لا يحظى بأي تغطية.. ولكن إن وقع حادث لإحداها، عند ذلك يجب ان نغطي. وبالانتقال إلى الحديث عن فضيحة «ووتر غيت»، يتناقش ليرر وبرادلي في استخدام اسلوب «المصدر المجهول»، ومن المفارقات الطريفة ان برادلي نفسه لم يكن يعلم من هو «الحنجرة العميقة» الذي كان مصدر الصحافيين وودورد وبراينستاين وذلك حتى استقال الرئيس عام 1974، وبقيت هوية المصدر سرا لمدة 30 عاما قبل ان يكشف عنها في صيف 2005 في مقابلة مع مجلة «فانيتي فير»، ليتبين ان «الحنجرة العميقة» هو مارك فيلت، الرجل الثاني السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي (إف بي أي). ويقول «حتى انا متفاجئ من نفسي، متفاجئ بأنني لم اصر على معرفة المصدر في وقت سابق.. وهذا لم يحدث بعد ذلك. وكان اول معلومات تلقيتها (عن الحنجرة العميقة) هي انه صديق لوودورد وانه في موقع هام.. وتبين فيما بعد ان المعلومات صحيحة». ويشدد برادلي على انه من الضروري ان يلتزم الصحافي بكلمته في حال تعهد بحماية مصدره، ويضيف «اذا عرف عنك انك لا تحترم كلمتك، فسيكون هذا سببا جيدا كي لا يتحدث اليك أحد بعد ذلك، لذلك فالقاعدة هي اذا وعدت فعليك ان تفي.. هذا هو الاطار الاساسي لسمعتك».

ويعود ليوضح «ذلك لا يعني ان تتستر على شخص تراه يرتكب جريمة.. وما اعنيه هو انك عندما تلتزم بخيار عدم الكشف عن المصدر، فإنك لن تفعل الا اذا كانت هناك مساءلة قانونية ذات قوة خارقة متعلقة بالموضوع، وان الكشف عن المصدر سيصب في مصلحة الناس». وفي سياق آخر متعلق بمسألة الأمن القومي، يقول برادلي «يعتبر الأمن القومي مشكلة كبيرة للصحافيين، لأنه لا يوجد صحافي يحترم نفسه يرغب بتعريض أمن وطنه للخطر». أما عن دور الناشر ومسؤولياته، فيعتبر برادلي ان الناشر مسؤول بالكامل عما ينشر في الجانب الإخباري في صحيفته. وحول الفرق بين صفحات الأخبار وصفحات الرأي، يقول برادلي «اننا (البوست) لم نكن نريد ان تتأثر توجهات الأخبار والتحقيقات بأي شكل بآراء الصحيفة ـ لذلك فإن آراء الملاك التي ينشرونها هي عبر صفحات الرأي هي ملكهم، باستطاعتهم كتابة ما يشاءون او تكليف من يرونه مناسبا لكتابة ما يريدون، ولكنهم لا يستطيعون بأي شكل خدمة مصالحهم بالتأثير على رئيس التحرير... وهذا ما يتبع عادة في الصحف الجيدة».

ويضيف «طوال حياتي (كرئيس تحرير) لم يحدث ان حضرت اجتماعات مجلس الادارة ولا هم (الإداريون) دعيوا لحضور اجتماعات التحرير.. الأمر اشبه بالدولة والدين» (في أميركا). ولعل من ابرز المحطات في تاريخ واشنطن بوست، الى جانب كشفها لفضيحة «ووترغيت»، هي قضية «جانيت كوك». وكانت كوك، وهي صحافية أفريقية/أميركية، فازت عام 1981 بجائزة بولتزر عن قصة كتبتها تروي معاناة مدمن على الهيروين يبلغ من العمر 8 سنوات. وتبين فيما بعد أن القصة كانت مفبركة بالكامل، فرُدت الجائزة واستقالت كوك. وتبين خلال مقابلة «بي بي أس»، ان برادلي لا يزال متضايقا جدا من هذا الموضوع، حيث قال «كابوسي هو ان المقطع الثاني في مقالة نعوتي ستكون عن جانيت كوك». ويضيف ان الموضوع على الرغم من مرور وقت طويل عليه الا ان الصحيفة لم تتخطاه كليا. ويوضح برادلي ان الخطأ الذي وقعت فيه الصحيفة هو انها وصلت الى مرحلة متقدمة من التعامل مع جانيت، قبل ان يحين وقت ذلك. ويضيف «لم نكن نعرفها بالمقدار الذي كنا نتخيل اننا نعرفها به... لقد كتبت لدينا لمدة سنة ونصف، ولم تُسأل عن قصصها، وعندما اعدت هذه القصة (عن المدمن) صدقها الناس بالفطرة».. من جهة ثانية، يشدد برادلي على أهمية التعدد، الجنسي والعرقي والعمري، في صالة التحرير، ويقول «من الضرورة ان تكون المؤسسة الصحافية ذات خليط منوع في هذا السياق، لأن هذا يفتح لها طريقا الى مجتمعات كثيرة، قد لا يعلمون عنها الكثير.» وتطرقت المقابلة كذلك إلى ظاهرة تحول الصحافيين إلى نجوم، وفيما لوح برادلي انه لا يمكن فعل أي شيء حيال ذلك، معتبرا انها تحوي نوعا من الخطورة التي تتجلى عندما يبدو ويعتقد الصحافيون انهم اكثر اهمية مما هم عليه، وهذا يزيد بعدا اضافيا يتطلب تجاوزه لفهمهم، لأنه كلما ازدادت شهرة الشخص صعب فهمه، او فهم ما هي دوافعه. وينصح بن الصحافيين بأن «لا ينتموا لأي شيء»، موضحا «أنا لا أنتمي لأي ناد، لست تابعا لأحد.. لأنني لا أرغب في اجراء أي تعديلات في تصرفاتي بحكم عضويتي في أي جهة، ولا أريد ان تكون لي سمعة انني قد اكون كذلك». ويتحدث برادلي في المقابلة عن الصحافيين الشباب، وردا على سؤال يقول «اذا جاءك شاب قائلا انه يريد ان يصبح مراسلا صحافيا فهل تنصحه بذلك؟». فاجاب «اذا رأيت بريقا في عينيه.. بالتأكيد سأفعل. وسيكون لي بعض الاقتراحات ولكنها غير متعلقة بالتعليم»؟ وحول مستقبل الصحافة، في ظل تدني أرقام التوزيع.. يقول برادلي ان هذا هو الشغل الشاغل لغالبية الصحف والسؤال هو كيف يتم تدارك الوضع.. ويضيف «هناك جواب من كلمة واحدة.. القصص!». ويوضح «المطلوب قصص جيدة.. قصص تجعلك تقول: تبا لي.. هذه قصة رائعة».

نصيحته للصحافيين الشباب.. اخرجوا من أحضان «بابا» و«ماما»

أنا لا أؤمن بالضرورة بكليات الصحافة او أي شيء كهذا، ولكن ما اقوله لأي شاب هو احصل على وظيفة، ولكن ليس في منطقتك، اخرج من منطقتك، اخرج من عند «بابا» و«ماما»، اخرج بالخبرة التي تعتقد انها بحوزتك. ومن ثم نصيحتي هي ابحث عن صحيفة برئيس تحرير جيد، شخص يبدو وكأنه سيعمل معك ويعيرك قليلا من اهتمامه.. وبالمناسبة فأنا لم أحظ بشخص بهذه المواصفات سوى ثلاث مرات طوال حياتي. بعد ذلك انصح بالتحرك المستمر، فسنتان ونصف في مكان واحد هي كافية لأي شخص في أول وظيفتين أو ثلاث. في جميع الأحوال، عاجلا ام اجلا انصح بالسفر للخارج.. اذهبوا الى منطقة جديدة وتعرفوا كيف يعيش الناس حياتهم، ومن ثم البحث عن بلد تشعر فيه بأنه يشبه وطنك. أما ما الذي سيحصده الشخص الذي يتبع نصيحتي؟ فعلى الارجح إنه لن يشعر بالملل على الاطلاق اذا تمتع بنفس الحظ الذي حظيت به انا. وأنوه هنا الى اني اشعر بالضجر بسرعة وسهولة كبيرة، ولكن اذا كنت تعمل في وظيفة مع مجموعة ترغبها من الاشخاص وتكسب منها ما يكفي لتستمر في حياتك، وتخولك بأن تصنع فرقا في العام.. فلا أعتقد انك ستحصل على أي شيء افضل من ذلك.

صانع النجوم.. والتاريخ

على الرغم من انه يخشى ان يتذكره البعض في قضية جانيت كوك التي تبين انها نشرت قصة لا أساس لها، إلا أن الكثيرين سيتذكرون بن برادلي على انه «صانع نجوم» لكونه ساهم في نجاح من حوله ومن كان يشرف عليهم من صحافيين. ولعل المثال الأشهر بالتأكيد هما الصحافيان بوب وودورد وكارل بينستاين.. الذان كشفا فضيحة «ووترغيت» وتحولا الى رمزين من رموز الصحافة الأميركية، تدرس قصتهما حتى الآن. وكان الفضل لبرادلي في كونه اعطاهما «فرصة» ودعمها، خصوصا وانهما كانا شابين طريا العود في ذلك الوقت. وعلى الرغم من تقدمه في السن، حيث يبلغ برادلي 85 عاما، وعلى الرغم من الفارق في العمر بينه وبين الصحافيين الجدد في الصحيفة، الا انه يتابع اداءهم ويعلق وينتقد، وكان برادلي قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء في العام الماضي انه اذا لم يعجبه شيء في تغطية احد الموضوعات او القصص في الـ«بوست»، يعبر عن هذا احيانا للمعنيين، لكنه لا يستطيع ان يفعل اكثر من هذا، فهو لم يعد رئيس تحرير الـ«بوست»، فهو حاليا في منصب اداري، هو نائب الرئيس. ولعل من أبرز انجازاته، الى جانب «ووتر غيت» هو ملحق «ستايل» الذي استطاع بمساعدة والهام من زوجته سالي كوين أن يخطو بالصحيفة، خطوة كبيرة وجديدة نحو الاهتمام بقضايا المرأة، وحركة الحقوق المدنية، والظواهر الاجتماعية والثقافية، التي كانت تتبلور حثيثا في المجتمع الاميركي، خلال الستينات. وبقي برادلي رئيسا لتحرير البوست بين عامي 1965 و1991، وهو من خريجي جامعة هارفرد عام 1942. ولبرادلي كتاب مشهور هو «حياة جيدة» (أي غود لايف) والذي نشر عام 1995، والذي يتحدث فيه كذلك عن اعتزازه بنجاح الأشخاص الذين عمل معهم. كما ان برادلي عاش ليشاهد نفسه في السينما، حيث لعب دوره الممثل جايسون روباردز في فيلم «كل رجال الرئيس» الذي انتج عام 1976 والذي تناول فضيحة «واترغيت»، والفيلم مبنى على الكتاب الذي الفه وودورد وبيرنستاين الذي يحمل الاسم نفسه عام 1974.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-25-6-2006