لإعلام الأميركي بين حرية الصحافة وسرية المعلومات الأمنية

 

روبرت جي. كيسر

 

 

لماذا تتعمد صحيفة "واشنطن بوست" نشر معلومات سرية مصنفة من شأنها التأثير على الأمن القومي؟ فالذي أراه اليوم أن واشنطن منقسمة على نفسها أيديولوجياً أكثر من أي وقت مضى, منذ التحاقي بالعمل بصحيفة "واشنطن بوست" في عام 1963. والسبب الرئيسي وراء هذا الانقسام, سعي إدارة بوش الحثيث وراء تعزيز وتوسيع نطاق السلطة التنفيذية, في إطار حربها المعلنة على الإرهاب, علماً بأن معظم المعلومات التي تمت إلى هذه الحرب, هي معلومات مصنفة وسرية. وقد يكون في هذه الاتجاهات والإجراءات ما هو جديد بحكم طبيعة الظروف نفسها التي تفرضها اللحظة. غير أن عنصر الجدية هذا يتضاءل كثيراً بالنسبة لصحفي مثلي ظل يرقب النزاع المستمر بين حرية الصحافة والحكومة, على امتداد أربعة عقود من الزمان. أما الظاهرة القديمة والمتكررة هنا, فهي سعي الحكومة المستمر لإخفاء الأنشطة والمعلومات عن الجمهور, مقابل سعي الصحافة المستمر للكشف عما تخبئه الحكومة وتحرص على إبقائه طي الكتمان.

وبفضل موثوقية الصحافة واستقائها للمعلومات من مصادرها, فقد أمكن التعرف على الكثير من معلومات هذه الحرب, وهي المعلومات التي لم تنو الإدارة الكشف عنها يوماً: أعني بذلك عدم تأكيد وكالة سي. آي. إيه لمعلومة حصول صدام حسين على أسلحة الدمار الشامل, وانتهاك الجنود الأميركيين الصارخ لكرامة السجناء والأسرى العراقيين في سجن "أبوغريب". كما لم تنو الإدارة كذلك الكشف عن سياساتها الخاصة بنقل الأسرى والمشتبه بهم إلى دول مثل مصر والأردن, حيث تسود ممارسات التعذيب. وهل كان في نية الإدارة يوماً الكشف عن سجونها ومؤسساتها العقابية السرية التي أقامتها لبعض المشتبه بهم في هذه الحرب, في بعض بلدان أوروبا الشرقية؟ ولولا الصحافة لما عرفنا مطلقاً عمليات التنصت غير المشروع على المكالمات الهاتفية الشخصية, لعدد لا يحصى من الأميركيين بواسطة وكالة الأمن القومي.

وربما أصابت هذه المعلومات بعضنا بصدمة كبيرة عند الكشف عنها, أو ربما لم يعرها بعضنا اهتماماً. غير أن المؤكد هو أنه لا يوجد بيننا من يفضل الجهل التام بها, وكأنها لم تحدث مطلقاً. والسؤال الذي لا بد من إثارته هنا: بما أن هذه الحرب المعلنة تخاض باسم أميركا... أليس من حق الأميركيين أن يكونوا على علم تام بمسارها والطريقة التي تدار بها؟ وللإجابة على هذا السؤال, يلزم القول إنه ليس ثمة تطابق بين مفهومي الأمن والسرية. ولنورد هنا السابقة القضائية الخاصة بنشر وثائق البنتاغون في عام 1971. وكانت تلك الوثائق تعد "سرية للغاية" لكونها تحمل تفاصيل التاريخ السري لحرب فيتنام, وكانت قد أعدتها البنتاغون إلا أنها تسربت ونشرت وقتها في كل من صحيفتي "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز". وتشير عبارة "سري للغاية" عادة إلى درجة حساسية الوثيقة, وإلى مدى الضرر البالغ الذي يمكن أن يسببه نشرها أو تسربها للأمن القومي. وحينها كانت إدارة الرئيس الأسبق نيكسون هي التي تتولى دفة القيادة في البيت الأبيض. ولذلك فقد لجأت إلى المحكمة لمنع نشر تلك الوثائق, بحجة أن في نشرها تهديداً للأمن القومي. وبالفعل أمرت محكمة في نيويورك الصحيفتين بوقف نشر المعلومات إياها لعدة أيام. غير أن المحكمة العليا قررت بأغلبية 6 -3 أعضاء, فشل الحكومة في تقديم ما يثبت تنافي النشر مع نصوص الدستور الأميركي الصريحة, التي تكفل حرية النشر والتعبير. وكان محامي الادعاء عن الجانب الحكومي, هو الجنرال إروين إن. جريسولد. وبعد مضي 18 عاماً على خسارته لتلك القضية, كتب المحامي نفسه مقالاً في صفحات الرأي بصحيفة "واشنطن بوست" اعترف فيه بأنه لم يعثر على ما يضر بالأمن القومي مطلقاً, جراء نشر تلك الوثائق.

ثم هناك أيضاً سابقة 1986 التي هدد فيها "ويليام كيزي" مدير وكالة المخابرات الأميركية المركزية وقتئذ, صحيفة "واشنطن بوست" باتخاذ إجراء قانوني ضدها, فيما لو نشرت المعلومات الاستخباراتية حول عملية "آيفي بيل" الشهيرة في ذلك الوقت. والحجة التي قام عليها ذلك التهديد هي المساس بالأمن القومي أيضاً. ولكن الذي حدث هو أنه وفي اللحظة التي أصدر فيها "كيزي" تحذيره ذاك, كان السوفييت قد علموا سلفاً بأمر "آيفي بيل" عبر الجاسوس رونالد بيلتون. وبواسطة "بيلتون" تمكنت أجهزة "كي. جي. بي" السوفييتية من حرمان المخابرات الأميركية من ميزة التنصت على مكالمات البحرية السوفييتية. وهكذا يتبين أننا فكرنا في نشر معلومات استخباراتية قديمة ومكشوفة, إلا أن كيزي هددنا ولوى أيدينا باسم تهديد الأمن القومي لعدة أسابيع تلت معرفته بسبق الاستخبارات السوفييتية للمعلومات. والذي حدث في نهاية المطاف, أن شبكة "إن بي سي" هي التي حققت عليناً سبقاً صحفياً في القصة التي كانت بأيدينا أصلاً, فجاء نشرنا لها تالياً لذلك السبق!

ولا يدفعنا الاحتجاج على هذا التدخل الحكومي الفظ في حرية الصحافة, إلى القول إنه ليس من حق الحكومة الاحتفاظ بسرية أية معلومات, ولا إلى لا مبالاة الصحافة الأميركية بأولويات واعتبارات الأمن القومي. بل على العكس تماماً, فقد ساعدت الصحافة الحكومة في كثير من الأحيان بالاحتفاظ بأسرارها, ربما أكثر مما يجب. وغالباً ما تهتدي الصحافة بالحس السليم عند حاجتها لنشر معلومات تتسم بالسرية والحساسية. ثم إنها لا تنشر عادة إلا بعد استشارة من هم أدرى بالحكم على التأثيرات والأضرار المحتملة لنشر المعلومة المعينة. من ذلك على سبيل المثال, إذا علمت صحيفة "واشنطن بوست" عن مكان اختفاء أسامة بن لادن, فمن المستحيل أن تسارع إلى النشر, دون التأكد من أن الحكومة قد سبقتها بإجراء أمني يستهدف القيادي المطلوب.

وعليه فإن الذي تعترض عليه الصحافة وتصارع ضده, هو أن مجرد دمغ معلومة ما بالسرية أو الأهمية, لا يعني بالضرورة أنها كذلك بالفعل. والسبب هو أن الحكومة تغالي في تصنيفها للمعلومات دون وجه حق, ودون مراعاة لأهمية نشر المعلومة والكشف عنها. وفي المقابل فإن اللبس يحيط كذلك بمفهوم "الأمن القومي", الذي كثيراً ما يساء فهمه واستخدامه من قبل بعض الساسة والإداريين. ولنذكر أن التعديل الأول في الدستور الأميركي, قد أبطل مرة واحدة وإلى الأبد, حق الحكومة في فرض الرقابة على الصحف وحرية التعبير.

مدير تحرير "واشنطن بوست" خلال الفترة من 1991 إلى 1998 ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-12-6-2006