كارل زنمايستر صحافي آخر ينضم لـ «رجال» الرئيس الأميركي

 

 

بعد تعيين الإعلامي في قناة «فوكس» توني سنو متحدثا باسم البيت الابيض

اختار الرئيس جورج بوش، في الاسبوع الماضي، صحافيا ليكون مستشارا له للشؤون الداخلية. وليخلف كلود الين، مستشاره السابق الذي اضطر لأن يستقيل، في بداية هذه السنة، بسبب مشاكل متعلقة بالفساد. كان كارل زنزمايستر، المستشار الجديد، رئيسا لتحرير دورية «اميركان انتربرايز» التي يصدرها معهد «اميركان انتربرايز» في واشنطن، الذي يميل نحو اليمين، ويؤيد الرئيس بوش، وكثيرا من آراء الحزب الجمهوري. وكان زنزمايستر، ايضا، خبيرا في المعهد، ولهذا جمع بين العمل الصحافي، وتقديم استشارات سياسية، وكتابة كتب. كتب، مؤخرا، ثلاثة كتب عن حرب الارهاب وغزو العراق، وأيد فيها الرئيس بوش تأييدا قويا، بل ودعا الى مزيد من الضربات الاستباقية لمنع وقوع هجوم على اميركا. وفعل نفس الشيء في آراء كتبها في مجلته، وفي صحف اميركية. وانتقد الصحف وقنوات التلفزيون الرئيسية التي غطت حرب العراق، وقال انها «اضرت» بالقوات الاميركية التي تحارب هناك، لأن تغطيتها كانت «منحازة». وكتب، مؤخرا، الآتي: «فشلت اجهزة الاعلام الاميركية الرئيسية في اعلان ان القوات الاميركية انتصرت في حرب العراق، ماعدا حالات استثنائية هنا وهناك». واضاف: «ستكون هناك عمليات ارهابية من وقت لآخر، في العراق وفي دول اخرى في العالم. لكننا لا يمكن ان نخسر هذه الحرب الهامة ضد الارهابيين».

وكان بعض الصحافيين والمراقبين في واشنطن استغربوا ليس لأن بوش اختار زنزمايستر، ولكن لانه اختاره مستشارا للشؤون الداخلية، لأن زنزمايستر معروف بخبرته في الشؤون الخارجية اكثر من الداخلية.

لكن بوش اثنى على زنزمايستر يوم اعلن اختياره، ووصفه، امام الصحافيين، بأنه «يملك خبرة كبيرة في العمل السياسي، وفهما عميقا للمشاكل التي تواجه المجتمع الاميركي، مثل مشاكل العرق، والفقر، والتعليم». واضاف بوش بأن زنزمايستر «مفكر مبدع، ومدير قدير»، وانه «سيقود فريق مستشاريي في الشؤون الداخلية بطاقة قوية ونظرة جديدة».

لكن زنزمايستر (خريج جامعة ييل، وعمره خمسين سنة تقريبا) لا يجهل السياسة الداخلية. وعمل لفترات قصيرة في وزارة التربية، وفي معهد يدرس العلاقات بين السياسة والدين. وكتب في مواضيع الرعاية الاجتماعية، والضرائب، والضمان الاجتماعي، والهجرة.

ولابد ان بوش سيحتاج الى استشارات زنزمايستر في الموضوع الاخير، لأن الاميركيين يناقشون الآن مشكلة وجود اكثر من عشرة ملايين اجنبي غير قانوني في بلدهم.

لكن كان على زنزمايستر ان يحل مشاكله قبل ان يحل مشاكل بوش، ثم مشاكل اميركا. رغم ان صحافيين رحبوا به كزميل (او شبه زميل)، سارعوا، وهذه عادة صحافية اميركية، للبحث عن خلفيته وآرائه. ولسوء حظه، لأنه ظل يكتب كثيرا، ويتحدث كثيرا، ترك «أثرا يسهل اقتفاؤه»، كما يقول المثل الاميركي. وجد صحافيون «اثرا» في مقابلة اجرتها معه، قبل سنتين، جريدة «نيو تايمز» التي تصدر في سيراكيوز (في ولاية نيويورك)، وشن فيه هجوما عنيفا على واشنطن، وسياسييها، وصحافييها، وبقية الذين يسكنون فيها. وقال ان «الناس في واشنطن كذابون، وقذرون، ولصوص، ولا مبدأ لهم».

لكن يبدو ان زنزمايستر ندم لأنه قال ذلك، او خاف من ان يؤثر قوله على طموحاته السياسية (في نفس المدينة التي قال انه لا يحترمها). وعندما وضع مقابلة جريدة «نيو تايمز» في موقع الانترنت التابع لدورية «اميركان انتربرايز» التي يرأس تحريرها، حذف الشتائم البذيئة السابقة.

وياليت زنزمايستر لم يفعل ذلك. ارتكب (حسب تقاليد واشنطن الصحافية التي قال انه لا يحترمها) ثلاثة اخطاء:

الاول، شتم الصحافيين ومهنة الصحافة (حتى اذا لم يكن صحافيا، او شبه صحافي). ثانيا، زور مقابلة اجراها صحافي (حتى اذا لم تكن معه).

ثالثا، اخفى مشاكله عن البيت الابيض عندما اختاره بوش مستشارا له (حتى اذا لم يسأل عنها).

وكتبت جريدة «واشنطن بوست» افتتاحية رئيسية عنه، عنوانها: «لا تقتل الرسول. فقط حرف الرسالة». وقصدت الافتتاحية، اولا، ان زنزمايستر كذاب، لكن بوش يمكن الا يلومه على كذبه، ويكتفي بالا يصدقه. وثانيا، ان مشكلة واشنطن الرئيسية ليست فساد الصحافيين الاخلاقي، ولكن فساد ادارة بوش الاخلاقي. وكتبت صحف اخرى افتتاحيات انتقدت زنزمايستر. كان عنوان افتتاحية جريدة «هيوستن كرونيكل»: «من فضلك اعد كتابة هذا التقرير» (اشارة الى ان بوش يجب الا يصدق التقارير التي سيكتبها له مستشاره، لأنه ربما سيحذف منها ما لن يرضيه).

لكن اكثر صحافي تألم لأكاذيب زنزمايستر لا يعمل في «واشنطن بوست» او «هيوستن كرونيكل» او جريدة كبيرة غيرهما. انه يعمل في جريدة «نيو تايمز» الصغيرة التي نشرت المقابلة مع زنزمايستر. واسمه جستين بارك، وهو الذي اجرى المقابلة (وكان فخورا بها).

اجرى المقابلة معه لأنه من نفس المدينة التي فيها الجريدة، ولأنه كتب كتبا عن حرب العراق، ولأنه اصبح خبيرا في واشنطن. وكان فخورا به (حتى اكتشف بأنه زور المقابلة).

واستغرب بارك اكثر لأن زنزمايستر ارسل له خطابا، بعد يوم من نشر المقابلة، اثنى فيه على المقابلة.وامطر صحافيون الاسئلة على زنزمايستر: «كيف تشيد بالمقابلة، ثم تحذف اجزاء منها؟» «الا يحزنك انك حرفت موضوع صحافي شاب وطموح؟» «لماذا لم تقل للرئيس بوش انك اخطأت؟».

وعندما كثرت الاسئلة الحرجة عليه، اصدر بيانا اعترف فيه بالخطأ، واعتذر لبارك، وللجريدة، وللبيت الابيض، وللرئيس بوش. 

سألت، يوم الثلاثاء الماضي، الصحافية هيلين توماس المتحدث باسم البيت الابيض توني سنو عن مشكلة زنزمايستر. كان صحافيون غيرها سألوه عن نفس الموضوع، ودافع عن زنزمايستر، وقال انه اخطأ خطأ غير متعمد، واعتذر عن الخطأ، وان بوش لن يسحب اختياره كمستشار له.

لكن هيلين (عمرها 85 سنة، وغطت البيت الابيض منذ الرئيس ايزنهاور) مشهورة بشجاعتها. سألت سنو: «لماذا اختار الرئيس بوش رجلا يحتقر واشنطن والذين يعملون فيها؟» وسألها سنو: «هل تقصدين (يحتقر) او يستعلي»؟ واجابت: يحتقر احتقارا حقيقيا». ورد سنو: «اعرف زنزمايستر معرفة جيدة، واعيب عليه انه، احيانا، يكتب كلاما مناكفا. الا تعرفين قصدى؟» وكان واضحا ان سنو تعمد الاساءة الى هيلين. لم ترد عليه، لكنها ربما ستفعل ذلك في المستقبل.

واخيرا، اعلنت، يوم الثلاثاء، مولي انغلش، رئيسة تحرير جريدة «نيو تايمز» التي نشرت المقابلة ان الجريدة سترفع قضية ضد زنزمايستر لأنه زور المقابلة. لكن زنزمايستر لن يكون أول مستشار في ادارة بوش يواجه تحقيقات الشرطة. آخر واحد حققت معه الشرطة كان كلود الين (الذي سيخلفه زنزمايستر)، وكان استقال لأنه سرق ملابس واحذية من متجر في واشنطن.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-6-6-2006