في معنى الاتصال والاعلام

 

د. هادي حسن عليوي

 

يعرف الاتصال بانه عملية يتم فيها تبادل المفاهيم بين الافراد، من خلال نظام الرموز المتعارفة، ويعتبر استخدام الكلمة من اكثر وسائل الاتصال شيوعا بين المرسل والمتلقي..ولم يكن علم الاتصال حديث النشأة، بل له جذور تاريخية عميقة، حيث وضع ارسطو اسسا علمية لا تزال قائمة للتفاعل بين الخطيب (المرسل) والجمهور (المستقبل) تقوم على ان يعد المرسل رسالته (خطبته) بصورة شيقة وجذابة ومقنعة، حينها يمكن ان تؤثر في الجماهير بالصورة المستهدفة، ذلك انه لا قيمة للاتصال ـ من وجهة نظره ـ ما لم يكن مقبولا ومفهوما من الجمهور (المستقبلين).

في حين اوجب ابن خلدون ان يتأكد من امانة الراوي (المرسل) وصدقه وسلامة ذهنه، وطهارة عقيدته، ومتانة خلقه، وقيمته الشخصية ـ وهناك نظريات حديثة للاتصال منها نظرية (كولن) التي تعتمد على عقل الانسان باعتباره المركز الرئيسي للاتصال بالنسبة للانسان سواء في الارسال او الاستقبال اما (ستينفسون) فقط ربط بين نظريته في الاتصال و(الامتاع) على اساس ان (المستقبل) يشعر بالاستغراق والمتعة فيما يقرأ او يشاهد، لاسيما في الاتصال الجمعي، وانه لكي تستمر المتعة فيما يقرأ او يشاهد او يسمع فمن الضروري ان تتخلل العملية الاتصالية بعض القطع الموسيقية او الاغنيات الخفيفة لتقليل حالة الضغط الاعلامي على المستقبل.

اما نظرية (لازار سفيلن) فتركز على الجماهير (المستقبلين) وعلى الرأي العام وقادة الرأي العام، ان لقادة الرأي العام دورا مؤثرا في الرأي العام بل وتستطيع خلق رأي عام وفق طروحات المرسل خاصة اذا اعتمد على الحقائق وعلى استمالة عواطف الجماهير.

ويبدو ان وسائل الاتصال تشكل ركائز اساسية لتبادل الافكار والمعلومات بين افراد المجتمع، وتعد اساسا لتفاعلاته الاجتماعية وتقريب وجهات النظر بين المجتمعات المختلفة وبين مواطني البلد الواحد كذلك.

نظريات الاعلام

اتاح العلم الحديث للغة ممكنات ووسائل متعددة للتعبير عن دقائق الاحكام الفعلية في صورها النظرية والتطبيقية ولمختلف الحاجات الانسانية، ونظرا لتعدد خصوصيات تلك الحاجات، واساليب اشباعها من الوجهة الاتصالية والاعلامية فقد عمد رجال الاعمال الى اتباع نظريات متعددة في الخطاب الاعلامي وتجسيد المستويات الاعلامية الوظيفية المطلوبة ابرزها :

1. المستوى المعلوماتي، الذي يتوسل باللغة لتوصيل المعلومات الى المتلقي بأسلوب مباشر، وبصياغة واضحة ودقيقة.

2. المستوى الاقناعي، وهو الذي يقصد به اقناع المتلقي ودعوته الى الالتزام الاولي، ومن ثم التبني للمضمون المطروح او الفكرة المقصودة او الرأي المراد ايصاله، ومن ثم تدعيمه عن طريق خلق القناعات لدى المستقبلين.

3. المستوى التعبيري، الذي يدخل في باب فن الادب المستخدم في وسائل الاعلام المختلفة، لاسيما المستندة على استعمال الصورة المتحركة او الثابتة.

وهناك العديد من النظريات الاعلامية، ابرزها نظريتان هما:

ـ نظرية الاعلام في الدولة التسلطية.

لقد دأبت النظرية التسلطية للحفاظ على سلطانها المطلق ان تحيط السلطة نفسها بالعقلاء والحكماء والمثقفين والاعلاميين وغيرهم من نخبة الفكر الذين يمكن جذبهم لها ولهم القدرة على ادراك اهداف الدولة في السيطرة والاستقرار وتمنحهم مناصب مرموقة في المجتمع وتغدق عليهم الاموال والمغريات وامتيازات الحياة، ويعملون لديها كمستشارين للقادة الحاكمين، ويحتكرون كل الحقائق الفكرية لأنفسهم ويسخرون فلسفاتهم وافكارهم لخدمة طبقة مسيطرة على جهاز الدول، التي تعطيهم حق مخاطبة الشعب، اي يغدون ألسنة الحكام في الاتصال بالجماهير عن طريق وسائل الاعلام المختلفة، التي تسيطر عليها الدولة دون غيرها.

وتعتبر الرقابة من الركائز المهمة في نظرية الاعلام التسلطية ويصبح الاعلام بمختلف وسائله واشكاله في خدمة الحكم التسلطي وبوقا له، وتخضع جميع الاعتبارات لذلك وتلغي كل الحريات في سبيل سيطرة الحكم واستقراره وتعطي هذه الفلسفة الفاشية كل المبررات لاهدار حقوق الانسان.

نظرية الحرية والاعلام الحر :

سميت هذه النظرية بهذا الاسم كونها تؤمن بالفرد اساسا لها، وتعتبر ان الفرد يولد وهو مزود بحقوق طبيعية، وانها تؤمن وتفترض ان الفرد كائن حي عقلاني واخلاقي وان اخلاقيته تحدد له ما يجب المحافظة عليه وفق القانون.

لقد حقق مفهوم نظرية الحرية في المجتمعات الاوروبية، انتصارات كبيرة على صعيد المجتمع وعلى صعيد الفرد... لقد تطورت هذه النظرية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية لتلد نظرية جديدة بأسم نظرية المسؤولية الاجتماعية وقد اعتبر القرن العشرون المجال التطبيقي لافكار هذه النظرية في مجال المجتمع والدولة، وكان امثل تطبيق لافكار هذه النظرية في الولايات المتحدة الاميركية ـ ومنها طبقت وحققت انتشارها في انحاء العالم.

واهم المبادئ التي تقوم عليها هذه النظرية هي :

1. اعطاء الحق الى الفرد للحصول على المعلومات وعدم التستر عليها، ولا يجوز تزويد الفرد بمعلومات كاذبة او ناقصة.

2. ممارسة النقد البناء، والقبول بأية فكرة او طرح جديد من قبل الفرد، وتقبل مناقشة ذلك الفرد لتصحيح الخطأ ان وجد بأسلوب ديمقراطي بناء، هادف وهادئ.

3. نشر اهداف المجتمع وخططه التربوية والتعليمية والاقتصادية، فالاعلام يهدف الى خدمة المجتمع ويبشره بالحياة المرفهة واحترام حقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

4. اتاحة الفرصة للفرد بالحصول على المعلومة التي يستفيد منها او يريد ان يتعلمها او يضيفها الى حصيلة مستواه الثقافي والسياسي.

5. الشفافية العالية في مفاصل الدولة وسياساتها وبرامجها ووضع المعلومات امام المواطنين وعدم اخفائها الا لاغراض امن المجتمع والدولة.

وتتلخص الوظائف العامة لنظرية المسؤولية الاجتماعية بما يلي :

أ. خدمة النظام السياسي المتفق عليه من قبل اغلبية الشعب.

ب. اعلام الرأي العام واعلاء ممارسة حكم الشعب لنفسه.

ج. حماية حقوق الافراد (المواطنين) وحقوق الدولة لخدمة المجتمع باحترام النظام العام، واحترام حركة الاعلام.

ء. تقديم البرامج المتوازنة الخاصة بالتسلية والترفيه للفرد، وبما يحقق راحة الجميع، وينسجم مع تقاليد المجتمع واخلاقياته.

حرية الاعلام والالتزام

لا يقصد بالالتزام هنا التزام سلطة الحاكم وانما الالتزام بالدستور والقوانين والانظمة في الدولة الديمقراطية، وتتحمل وسائل الاعلام المختلفة قدرا من المسؤولية في ممارسة البناء والنمو الاجتماعي على اساس الالتزام بحقوق الانسان.

فالحرية تنطوي على قدر كبير من المسؤولية، لذلك فهي ليست حقا طبيعيا بل حقا مشروطا بمسؤوليات ممارسة الانسان تجاه نفسه وتجاه المجتمع، ولا حق لأحد الاعتداء على حريات الاخرين، اي ان الشعب يمنح الاعلام حق التعبير الحر بما لا يؤدي الى هدم المجتمع او الدعوة بتجاهل القوانين، او مخالفة الاداب العامة والشعائر الدينية وبالتالي كل الاساءات مرفوضة ويطالها القانون وبالتالي لابد من احترام المصلحة الجماعية لذلك المجتمع.

نظرية المسؤولية العالمية

تهدف هذه النظرية الى :

1. ربط اجهزة الاعلام والعاملين فيها بقضية الانسان في كل مكان.

2. ربط مسؤولية الاعلام بمستوى القضايا العالمية، التي تحتاج الى كلمة الحق المنزهة عن الهوى والى الموضوعية التي تفتقر اليها اجهزة الاعلام في الانظمة الشمولية.

3. تحقيق المساهمة الايجابية لاجهزة الاعلام في معركة الوجود الانساني نفسه.

4. نبذ ومحاربة التهديدات الانسانية المتمثلة بالارهاب الدولي والحروب العدوانية واسلحة الدمار الشامل والغزو والانظمة الاستبدادية.

ان اهداف وغايات هذه النظرية الاساسية تنبثق من مفهوم خدمة المجتمع الانساني ككل، وهي تعتبر امتدادا لنظريات الحرية الاعلامية ونظرية المسؤولية الاجتماعية، لكنها اكثر شمولا كونها تنطلق من والى المجتمع الانساني الاشمل دون تحديد جنس هذا المجتمع، فهي ترفض الافكار العنصرية او العرقية او التعصب الديني، وتعمل على خدمة الانسان من كل جوانب حياته، وتؤمن بالحرية الكاملة والكافية، التي تمكن الانسان من ابداء رأيه وافكاره من خلال وسائل الاعلام المتاحة، وتتلخص فلسفة هذه النظرية بعبارة في غاية الاختزال والاقتضاب ، وهي (حب الانسان للانسان).

ومع توسع الثورة الاعلامية والمعلوماتية والتقنية وخضوع اجهزة الاعلام للإحتكارات او الفئات الحاكمة، والسير في ركابها وعدم ارتباطها بالمجتمع، وتسخير قدراتها لخدمة قضاياه، فان تطبيق هذه النظرية العالمية يحتاج الى قدرات علمية عالمية تتخطى الحواجز الاقليمية والارتفاع فوق الصراعات والمصالح القطاعية والاقليمية والنظرة الى الانسان كانسان في كل مكان.

فالقضايا الانسانية وحقوق الانسان تمثل جوهر عملية الاعلام الانساني الموالي للحب والسلام والديمقراطية والوئام بين شعوب العالم على اساس الاحترام المتبادل، وتبادل المنافع والمصالح الانسانية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-4-6-2006