الاستعراض في المسألة الإعلامية

 

 

د. أحمد عبد الملك

 

 

يذكر خالد الحروب في بحثه الموسوم "الإعلام الفضائي والتغيير الاجتماعي في العالم العربي"، أن الباحث والأكاديمي الأميركي "جون ألترمان" قد علّق على مداخلة لمذيع قناة "الجزيرة" المشهور فيصل القاسم في مؤتمر بجامعة لندن في سبتمبر 2004، والتي ذكر فيها "أن التلفزيون وبرامجه مجرد استعراض".

يقول (ألترمان): "في مؤتمر عقد حديثاً حول الآثار السياسية للبث التلفزيوني الفضائي العربي، قال مقدم أحد البرامج الحوارية المشهورة، ما يلي: "سوف أخبركم سراً حول التلفزيون، إنه يدور حول الاستعراض، الاستعراض أولاً، الاستعراض ثانياً، الاستعراض ثالثاً".. وبهذا الكلام الذي قاله المقدم -يتابع ألترمان- ومن دون أن يقصد، وضع إصبعه على السبب الذي يفسر حقيقة أن انتشار حرية التعبير في العالم العربي (عبر الفضائيات)، لم تنتج إلا تغييراً سياسياً ضئيلاً". (انتهى كلام ألترمان).

بكلمات أخرى "إن التطبيق العملي لـ"الاستعراض" معناه اقتناص ضيوف استعراضيين يعملون على إنجاح العرض على حساب المضمون أو أية أهداف أخرى". (انتهى كلام خالد الحروب).

ما أراده "ألترمان" هنا، هو أن الاستعراض الفضائي لم يحقق التغيير السياسي المأمول، وهو وإن حرّك أو "داعب" مشاعر الوطنين العرب، إلا أنه لم يحفزهم لعملية التغيير. ذلك أن فهم البرامج الاستعراضية واستيعابها يُقارن بروح النكتة التي تتداولها الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي "تتداوى" بالتندر على الذات، دون أن تلجأ إلى ثقافة الاحتجاج المعروفة.

هذا من الناحية الموضوعية لتأثير برامج الاستعراض في العالم العربي، أما من الناحية المهنية، فنحن نشاهد استعراضات مخالفة جداً لروح المهنية التي يتوجب أن يتحلى بها التلفزيون. فهنالك صراخ وتصفيق وحثٌ على التصفيق وبث الحماس -دونما مبرر- من قبل مذيعات بعض برامج المنوعات، بل إن مذيعة نجدها في أكثر من برنامج، وهذا مخالف للأعراف الإعلامية، التي يُضرب بها عرض الحائط في بعض البلاد العربية، لأن تعدد ظهور المذيع في أكثر من برنامج يُحدث تشويشاً لدى المشاهد! ومذيعة استعراضية أخرى لا تفرّق بين عدسة الكاميرا وميكرفون الإذاعة، حيث نجدها تخالف الأعراف التلفزيونية المعروفة من حيث إبداء الامتعاض من المتحدث أو المتصل الذي لا يوافقها الرأي، أو تحريك يديها -كما تفعل في الإذاعة حيث لا يراها الجمهور- وبصورة تحطّ فيها من قدر الضيوف، ولقد تكرر هذا التصرّف أكثر من مرة في برنامج عبر قناة فضائية عربية. ومذيعة أخرى لا تعلم ماذا تقول.. بل تبالغ في استعراضها وهز رأسها ومقاطعة ضيوفها، إلى درجة أن زميلها المذيع يُحرجها علانية -وفي كل حلقة- دون أن تتعلم طريقة الإلقاء أو التدخل مع الضيوف.

الاستعراض اللغوي أيضاً له دور على شاشاتنا العربية، فهنالك من المذيعين الذين يحفظون أبياتاً من الشعر العربي، أو مقدمات البرامج (عبر الأوتو كيو) -جهاز القراءة الآلي في التلفزيون- ويمطرون المشاهدين بتلك المعلومات التي لا يمكن أن تحرك ساكناً في المشاهدين، سوى تحوِّلهم إلى محطة أخرى. ومن هذه الشاكلة مذيعة لا تسمح لأي شخص بأن يقاطعها، وكأنها هي الضيف، وهذا توجه غير حميد في إعلامنا العربي. ولقد حسبتُ ذات مساء، الوقت الذي تحدثت فيه مذيعة مع اثنين من الضيوف، ووجدت أنها تفوقت على ضيفيها في زمن البرنامج، واستحوذت على أكبر قدر من وقت البرنامج.

السؤال هنا :

 إذا كانت المذيعة تريد أن تبقى تتحدث على الشاشة طول الوقت، فلماذا تأتي بضيوف؟ فليسمح لها مدير المحطة بأن تفتتح البرنامج، وتظل "تُفتِي" وتتحدث حتى نهاية البرنامج، وحسب علمي، فلن يعترض أحد! وقد يكون هذا نموذجاً لبرامج قادمة على إحدى الفضائيات، حيث يتحول المذيعون إلى "وعّاظ" ولا يحتاجون إلى ضيوف يساعدونهم في عمليات الاستعراض.

مجال آخر للاستعراض نجده في بعض البرامج الرياضية، وفي هذه الأخيرة مخالفات إعلامية لا مجال لحصرها -ولولا الحذر من أن يزعل علينا الرياضيون ومن يشجع الألعاب الجميلة- لأوردنا العديد من الملاحظات التي تخالف مهنية الإعلام، ودور الحياد في قضية الاستعراض، واستخدام "حق القوي" في قطع المكالمات، وبعض المطالبات الإدارية التي لا تصلح لأن تُعلن على الهواء!

ونخلص من هذا "الاستعراض" إلى العودة إلى مقولة الباحث "جون ألترمان"، وهي أن فعل الاستعراض يؤكد "استعراضية" حرية التعبير في العالم العربي، أي أنها حرية استعراضية وليست ممارسة مقنعة أو مفيدة للمجتمع العربي. وإذا كان هذا الحال فعلاً، فإن الإعلام العربي يمر بمرحلة صعبة، تماماً كما مرّ بها المجتمع العربي من حيث وقوفه وقفة المستهلك من العلوم الغربية، على حد تعبير أحد علمائنا الكبار. بمعنى آخر، أننا نستخدم الفضائيات -التي نشتريها من الغرب- مثل استخدامنا لموديلات السيارات أو أشكال الهواتف النقّالة التي يتبادل بعضنا عبرها النكات المتواضعة، أو تلك التي ينشب بعض شبابنا "الأنياب الزرقاء" في المولات لاصطياد أرقام الفتيات!

هذا الاستخدام الاستعراضي.. وفي أحيان كثيرة غير "المُقوّم"، أي لا يخضع لأية عمليات تقييم، يجعلنا نتخوف من أن المتلقي العربي سوف "يكفر" بأية ثقة في هذه المحطات، ويعود من جديد إلى المصادر الغربية لاستقاء معلوماته وأخباره منها. ولا نود العودة إلى التاريخ للتذكير بحالات الاستعراض -المخالفة للمهنية- والتي خدعت الشارع العربي وأعطته نصراً من وَهْم وأبطالاً من ورق في الستينيات.

نحن نختلف مع القائلين إن كل التلفزيون وبرامجه مجرد استعراض أو (show)! إذ أنه خلف ذلك "الشو" رسالة قيمية لابد أن تصل إلى الجمهور. نحن نعترف بأن التلفزيون وسيلة ترفيه في المقام الأول، ولكن هنالك من الزوايا التي تجعل من هذا الجهاز الموجّه الأول لأنماط التفكير، وكل ذلك يعتمد على كيفية استخدام الجهاز. نحن لا نختلف مع مقولة المذيع المشهور فيصل القاسم بأن التلفزيون استعراض.. وأن كثيرين من المشاهدين قد لا يتابعون برنامجاً من البرامج لأهمية موضوعه، بل لما قد يحدث خلال البرنامج من تصرفات تدخلُ في باب الغرابة أو الدهشة أو اللامألوف، وهي من القيم الإخبارية المعروفة -التي تلبي حب الاستطلاع لدى المشاهد- لكننا في ذات الوقت نعوّل على دور التلفزيون في خدمة الرسالة الإعلامية، وتصحيح المفاهيم، وكشف العيوب، وتدعيم ثقة الناس في حقوقهم المدنية، وغيرها من القيم التي قد تخفى على البعض، أو لا تجد من يُثيرها.. وهذه لا يمكن أن تتحقق عبر الاستعراض التلفزيوني.

المصدر: الإعلام العربي في عصر المعلومات .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-1-6-2006