الصحافة العربية تتكلم

 

 

سعود البلوي

 

 

يمكن اعتبار الصحافة مرآة (بانورامية) للرأي، إذ تعرض ألواناً متعددة من الطيف الفكري، ومن المفترض أن تكون منبراً للرأي دون محاولة أي طرف وأد الرأي الآخر.

لقد بدأ الخلاف حول "حرية الصحافة" منذ بداية الطباعة الحديثة في القرن الخامس عشر الميلادي، ومن أوائل المقالات التي ناقشت هذا الأمر المقال الذي كتبه الشاعر والكاتب الإنجليزي (جون ميلتون) عام 1644 في وقت كان فيه رجال الكنيسة يشكلون الرقيب الثقافي الأوحد على الكتابة والنشر؛ لإدراكهم العميق بأن الكلمة الحرة تشكل قوة مؤثرة في المجتمعات.

على الرغم من كفالة معظم الدساتير للحريات العامة ومنها حرية الصحافة، إلا أن الحكومات (تضع يدها) أحياناً على الصحافة والإعلام كنوع من الرقابة في أوقات الأزمات، حيث تُفرض القيود خلال الحروب، كما فعل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إذ تم منع نشر أي مواد من شأنها التأثير سلباً على المجهود الحربي والأمن الوطني.

وتختلف القيود على الصحافة من بلد لآخر، ففي بريطانيا مثلاً كانت الصحافة تقيّد نفسها عن نشر أي أخبار تتناول جوانب الحياة الخاصة لأفراد العائلة البريطانية المالكة، وفي إيطاليا كانت الصحافة تفعل الشيء نفسه فيما يخص البابا والفاتيكان، إلا أن هذين الأمرين بدآ بالتلاشي في ظل التطور السريع للصحافة العالمية.

في العالم العربي تعيش الصحافة مشكلة كبيرة على الرغم من تطورها خلال العقود الماضية الذي أفرز ظهور كوادر وكفاءات على قدر من الثقافة والاحتراف المهني، إلا أن هذا لا ينفي بروز ظاهرة نستطيع تسميتها بظاهرة "المُستصحِف"، التي تكمن في وجود صحفيين لا يفقهون شيئاً في عالم الصحافة حيث لا ثقافة ولا اطلاع ولا احتراف مهنياً لديهم بقدر الاستعراض وحب الظهور؛ وهذا بسبب"المحسوبيات" التي امتدت خيوطها إلى الصحافة؛ لتفرز أيضاً أقلاماً لا تمت إلى الكتابة الصحفية بصلة! ولا يراد من هؤلاء "المستصحفين" أن يكونوا "فلاسفة" أو عمالقة في فضاء الصحافة والإعلام، بل يراد منهم فقط العمل الجاد على تطوير أدواتهم التي دخلوا بها مجال العمل لخدمة ثقافتهم ومجتمعهم أو فسح المجال لمن يمتلك قدرات أفضل.

لم تستطع صحافتنا العربية (العجوز) الانعتاق من قيود ثقافتنا البالية التي أدخلت بعض الصحف في مرحلة الغيبوبة والاحتضار؛ إذ ما زلنا نجد صحفاً آيلة للسقوط رغم مجدها التليد! هذا السقوط قد يتيح الفرصة لبروز صحف أخرى (صفراء) فاقع لونها لا تسر القارئين، قراؤها أنصاف المتعلمين وأعشار المثقفين الذين تجتذبهم فقط الإثارة و(المانشيتات) العريضة خالية المحتوى حقيقةً. تحاول مثل هذه الصحف الصفراء تسويق أفكار الزيف والإثارة والخداع مقابل أي مردود ماديّ. وهذا يتم مع الأسف بدعم من بعض وزارات الإعلام العربية التي يطيب لها أن تنتشر مثل هذه الصحف الرجعية، رغم اليقين التام بأن ثقافة الأمة بوجه عام بحاجة لرواج العملة الجيدة لا الرديئة؛ لأن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة بسهولة.

ومما يدعو للدهشة هو هامش الحرية الواسع الذي تتمتع به تلك الصحف؛ إذ فيها انحراف كبير عن المنطق والعقل إذ إنها تعنى بأمور أقرب إلى التفاهة الصحفية كمهاجمة الدول الأخرى أو الأشخاص وفق توجهات معينة، إذ يبدو أنها تعمل كبوق لأطراف أخرى في الظل !

وبسبب عدم وجود إدارات حقيقية تعمل بضمير وطني متخذة من الإصلاح مبدأ (كون الصحافة الأكثر مساهمة في تطور الثقافة) انتشر الفساد بين أروقة بعض كبريات مؤسسات الصحافة العربية (وقد لفت نظري ما نشرته "الوطن" يوم الأربعاء 21 ديسمبر، في عددها 1818 بعنوان: "القلق يسيطر على المسؤولين السابقين في الصحافة المصرية" يتحدث عن وجود حالة ارتباك شديدة بعد تلويح مستشار الرئيس المصري للشؤون السياسية أسامة الباز بفتح ملفات الفساد في الصحافة المصرية).

ولا تختلف الصحافة العربية اليوم عن الواقع الرديء للثقافة الأم-المتميزة بالإقصائية- إلا ببعض (الرتوش)! فمن مظاهر الثقافة العربية الخطيرة التي امتدت إلى الصحافة، قضية (وأد الرأي) واغتيال العقل بطريقة بشعة، حيث يولِّد الاختلاف في الرؤى والأفكار بركان غضب لا ينطفئ إلا بالتصفية الجسدية للطرف الآخر.

إن بروز النمط الفكري التسليمي (الوثوقي) في الثقافة العربية جعل منها ثقافة استقرار وثبات؛ وبالتالي سيادة الرأي والفكر الواحد. والشعور بـ(الاستقرار الفكري) يجعل هذا الفكر عاجزاً عن تقبُّل أي رأي من شأنه خلخلة هذا الاستقرار الذي هو بمثابة صمام الأمان، ومصدر الأمن الفكري و الاطمئنان الوجداني.

وتبرز إشكالية الرأي المخالف-المتسبب في الفزع الفكري- لكونه يتطور من مجرد رأي إلى وحش فكري يُشعر الطرف الوثوقي- التسليمي بالخطر؛ فيعمد إلى قتله ووأده بشتى الطرق.

كان المثقف دائماً ضحية الإقصاء والإلغاء ووأد الرأي... طه حسين، علي عبدالرازق، ثم نجيب محفوظ وآخرون كلهم كانوا ضحايا رغم كل ما قدموه للثقافة العربية. واليوم أصبح الصحفيون وجبة صيد سهلة لذوي الحسابات الضيقة، ففي لبنان طالت يد الشر الصحافي والمفكر اللبناني (سمير قصير) لا لسبب سوى أنه تبنّى- بقلمه وفكره- رأياً آخر لم يعجب الآخرين. وبالأمس القريب طالت يد الشر نفسها الإعلامية اللبنانية المعروفة (مي شدياق) التي فقدت ساقها ويدها ثمنا قاتلاً لرسالة الصحافة ورسم صورة الواقع !

وفي العراق أصبح الصحافي الطرف الضحية في الصراع الدائر، حيث يجد بعض الإرهابيين خلافهم الأيديولوجي ووصايتهم الواهية مبرراً لاختطاف وقتل الصحفيين، كما يعلِّق الجيش الأمريكي محاولات التعمية وإسكات الصحافة على شماعة أخطاء الحروب !

يقول المفكر والروائي الراحل (عبدالرحمن منيف) إن الإعلامي يرسم صورة للواقع، بينما المثقف يرسم صورة للمستقبل.

لذا فإن كل ما حدث ويحدث لن يوقف عجلة الصحافة أو ينهي رسالتها في دعم الثقافة والرقي بها. ولكن الأمور تزداد تعقيداً في ظل أهمية الكلمة الحرة للمجتمعات العربية التي تحتاج إلى ضمير واعٍ وهامش من الحرية تتحرك من خلاله.

المصدر: msder.co - نقلا عن : " الوطن السعودية"