قراءات في فكر الإمام الشيرازي الراحل :

 

الاكتفاء الذاتي... مقومات الدولة المعاصرة

 

يرى المختصون في الاقتصاد والسياسة وغيرهما، أن الجانب الاقتصادي يتدخل بصورة مباشرة في المساعدة على استقرار الحكومة وتطورها ويمنحها القدرة على تحقيق الاهداف التي تقربها من الشعب وتجعلها محط ثقته بسبب مضاعفة الموارد وتوظيفها في المجالات التي تحقق رفاهية الشعب وتطوره واستقراره، ويشكل الاكتفاء الذاتي حجر الزاوية في الاقتصاديات القوية لدى جميع الدول القوية والمستقرة في آن، وثمة معادلة هامة تؤكد أن التطور والاستقرار الحكومي له علاقة طردية مباشرة مع الاكتفاء الذاتي كونه يؤمن الشروط التي ينبغي توافرها من اجل بناء الدولة وفق مقومات تتوافق مع متطلبات العصر من النواحي السياسية والاقتصادية وغيرها.

فهل يمكن للمسلمين أن ينتهجوا طريق الاكتفاء الذاتي لكي يحققوا حكومة معاصرة لها القدرة على بناء المجتمع الاسلامي المستقر والقادر على مجاراة العصر بكل ما ينطوي عليه من تعقيدات في جوانب الحياة كافة ؟.

حول هذا الموضوع يقول الامام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس) في كتابه الثمين (السبيل الى انهاض المسلمين):

الاكتفاء الذاتي، يعني أن يهتم المسلمون بأن تكون حوائجهم من عند أنفسهم، فلا يطلبون من الشرق والغرب حاجة، سواء كانت صغيرة أم كبيرة. وذلك ممكن، فالبلد الإسلامي إذا صار يداً واحدة من غير فرق بين السودان وليبيا والمغرب ومصر والأردن وسوريا والعراق وإيران والخليج والباكستان وإندونيسيا وبنغلادش وأفغانستان وغيرها من الأجزاء المقطعة من الجسم الإسلامي الواحد.. إذا عدت هذه البلاد بلداً واحداً أمكن أن يعطي كل بلد حوائج البلاد الأخرى.

إن هذا التكامل بين المجتمعات الاسلامية أمر مهم ومطلوب من اجل أن يتحقق جانب مهم من الاكتفاء الذاتي الذي يعني فيما يعنيه عدم رهن الارادة السياسية والاقتصادية وغيرهما بيد الاجنبي حتى لا تستطيع هذه القوى ان تتدخل في مجريات الحياة في البلاد الاسلامية، لكن الامر اذا كان معاكسا، أي اذا كان المسلمون بحاجة الى الاجنبي فإن هذه الحاجة ستكون مصدر استغلال للمسلمين، إذ يقول الامام الشيرازي في كتابه نفسه في هذا الصدد:

(فما دام المسلمون محتاجين في لباسهم وفي أدواتهم الكمالية وفي المأكل والمشرب والمركب وغير ذلك إلى أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين واليابان وإلى غيرها، فهم أسراء في أيديهم، وبالفعل نحن أسراء، ولذا لا استقلال لنا ولا حرية، ولا تسمع آراؤنا، وليس لنا كلمة يصغى إليها، نحن أسراؤهم، وفي حال الأسر لا يمكن أن تقام الدولة الإسلامية الواحدة.

هكذا تبدو لنا أهمية الاكتفاء الذاتي كبيرة، إذ طالما ركّز النبي الأكرم (ص) ابان بزوغ الرسالة المحمدية وبناء الدولة الاسلامية في صدر الرسالة على أهمية تحقيق (الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال الثقافي، والاستقلال التسليحي، والاستقلال الأخلاقي، أي الاستقلال عن الشهوات ومحاربة النفس الأمارة بالسوء) كما يقول الامام الشيرازي في كتابه القيّم نفسه.

ويبدو أن الاكتفاء الذاتي يرتبط بجوانب ومجالات الحياة كافة ولا ينحصر بالمجال الاقتصادي فقط، فليس الانتاج والتجارة والصناعة والزراعة وتنمية الموارد وحدها كفيلة بتحقيق عنصر الاكتفاء، بل لابد أن يدعم ذلك استقلال عام وشامل في عموم مجالات الحياة، لكن الامر المهم الذي يعرفه الجميع أن الاكتفاء الاقتصادي يساعد بقوة على تحقيق الاكتفاء في المجالات الاخرى، إلا أن الامر يحتاج الى التخطيط السليم والتنفيذ السليم ايضا.

ولا تعني الدعوة الى تحقيق الاكتفاء الذاتي خطوة نحو الانغلاق وعدم التعامل مع الآخرين او الاستفادة من تجاربهم الانسانية، على العكس من ذلك، لأن الاكتفاء يعني بناء الدولة القوية المعاصرة والحكومة القادرة على التعامل مع الدول الاخرى باستقلال تام يتيح لها الاستفادة من التعامل مع الآخرين لأقصى حد ممكن مع الحفاظ على الاستقلال المطلوب في السياسة والاقتصاد وغيرهما.

لذا ليس هناك تقاطع بين الدعوة لتحقيق الاكتفاء وبين التعامل مع الامم والدول الاخرى والتفاعل مع تجاربها، لكن المهم أن يتحقق الاستقلال الاقتصادي الذي يقود بدوره الى الاستقلال السياسي، حيث يقول الامام الشيرازي حول هذا الموضوع بكتابه نفسه:

فنحن المسلمين إذا أردنا الاستقلال عن الغرب والشرق والرجوع إلى الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية العالمية ذات الألف مليون مسلم نحتاج إلى الاكتفاء الذاتي، نكتفي ببضائعنا، نكتفي بمنتجاتنا، نكتفي بصنائعنا، نكتفي بعلومنا، نكتفي بخيراتنا التي تظهر من الأرض من المعادن أو الثمار أو غير ذلك.

وهكذا يبدو جليا دور الاكتفاء الذاتي في بناء الدولة الاسلامية المعاصرة القوية القادرة على تمويل نفسها بنفسها من دون الانغلاق أو عدم التعامل مع التجارب الانسانية الاخرى.