الدكتور مفيد الزيدي  : أزمة البحث العلمي العربي وتحديات الألفية الثالثة

 

بقي توفر المصادر عقبة كأداء أمام البحث العلمي في العالم العربي. التكنولوجيا اليوم أزالت هذه العقبة مما يفتح الباب أمام الباحثين للقيام بدورهم.

ذوبان الحدود بين العلمي والمعلوماتي

تزداد يوما بعد آخر أهمية العلم والبحث العلمي والتكنولوجيا في العالم وخاصة في الدول المتقدمة مع إطلالة القرن الحادي والعشرين في الوقت الذي تواجه فيه اغلب دول العالم الثالث حالة من التراجع في أهمية البحث العلمي والابتكار والمعرفة الحديثة واستخدام التقنيات والآليات المتطورة للوصول إلى البحث والتأليف وتشير الإحصاءات إلى حالة من العجز الكبير في حجم الأنفاق على البحث العلمي حيث أن 26 دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تنفق مايعادل 87 بالمائة من الأنفاق بالعالم على البحث والتطوير وبلغ نصيب الدول الصناعية في العالم الثمان نسبة 76 بالمائة أي ثلاثة أرباع الأنفاق في العالم.(1)

ويأتي الوطن العربي في المرتبة الأخيرة بعد قارة أفريقيا من حيث الأنفاق على البحث والتطوير وبلغت نسبة 0.11 بالمائة من الدخل الوطني العربي ويبلغ عدد الباحثين 6 لكل 100 ألف مواطن عربي ويبلغ عدد الباحثين والعلماء العرب بالنسبة إلى عدد السكان 10 بالمائة من النسب المقارنة في الدول الصناعية الكبرى وان الوطن العربي أنتج عام 1999 حوالي 600 عنوان كتاب في السنة في حين هولندا وحدها وهي تعد من الدول الصغيرة جغرافيا وسكانيا في أوروبا أنتجت 43 ألف عنوان كتاب في تلك السنة.(2)

وقد أصبحت الوسائل التكنولوجية الحديثة يمكن استخدامها في البحث العلمي وفي الجامعات مع ظهور طرق جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل الأقراص المدمجة والانترنت والحاسوب والفضائيات التعليمية والأقراص والفيديو التعليمي وكلها تساعد اليوم الباحثين على نوعية وجودة وسرعة وكفاءة العملية البحثية وإلغاء التدريس التقليدي والبحث بالياته الورقية والكتابية نحو البحث المعتمد على الآليات الحديثة مما يجعل التكنولوجيا في متناول الجميع داخل قاعة الدرسة والكلية والجامعة والبيت وتوفير فرص أهم وأسرع للبحث العلمي والتطوير.(3)

القرن 21 والتكنلوجيا

أن القرن الجديد يطلق عليه قرن التكنولوجيا والمعلوماتية يزحف على ثقافات العالم الثالث بقوة وسرعة جارفة بحيث لاينفع معه الجمود والاستكانة دون المواجهة والتحدي والتسلح بأدواته من معرفة اللغات الأجنبية وأهمها اللغة الانجليزية ومعرفة الحاسوب وإتقان الانترنت ومواكبة مايحصل يوميا من تطورات وانجازات عالمية في مجال الاختصاص لكل باحث او أستاذ جامعي ولم تعد علة أو شماعة عدم وجود الكتب والمصادر مقبولة بل باتت مضحكة ومدعاة للسخرية لان الانترنت اليوم يقدم لك مئات الآلاف من الكتب بسرعة ورخص ودقة بين يديك وحداثة في الإنتاج وممكن الآن أن تحصل على كتاب صادر أمس ووضع على مكتبة أو دار نشر أو مركز بحوث ومثال ذلك مركز دراسات الوحدة العربية واحد من اكبر واهم المراكز البحثية العربية في لبنان منذ أكثر من 35 عاما أنتج في شهر يناير 2010 لوحده، 21 كتابا جديدا على درجة عالية من الأهمية والقيمة العلمية في تخصصات متنوعة وبعد أيام من صدورها وضعت على موقع المركز لاطلاع القراء والحصول عليها.(4)

 

أن الانترنت اليوم بات من ابرز انجازات التكنولوجيا في القرن الجديد فهو يقدم البحوث والكتب والرسائل الجامعية والوثائق والإحصاءات والمخطوطات للباحثين فضلا عن فائدته في تطوير اللغة الأجنبية خاصة الانجليزية لدى الباحث المتصفح للانترنت ومواقعه العلمية والبحثية ويقدم الخبرات من خلال تبادل المعلومات فقد أنجزت إشرافا على طالب من طلبتي في مرحلة البكالوريوس في جامعة الموصل تقدم قبل 4 سنوات لدراسة الدكتوراه تواصلت معه عبر الانترنت في متابعة موضوعه ومساعدته ومن خلال تزويده بالمصادر وتصحيح خطة بحثه والإجابة على تساؤلاته حتى ناقش وأكمل رسالته حاصلا على درجة الامتياز رغم بعد المسافة من آسيا إلى أفريقيا بيننا.(5)

ويستفيد طلبة الدراسات العليا والإيفاد للدراسة في الخارج من الانترنت في الحصول على الجامعات والمراسلة للتسجيل الجامعي واختيار موضوع الرسالة واختيار المشرف عليها ثم تحديد المتخصصين ومراسلتهم عند اختيار الموضوع والحصول بعد ذلك على البحوث والدوريات والرسائل الجامعية والكتب بشتى اللغات دون عناء السفر والانتقال أو الإسراف المادي والجهد البدني فقد حقق الانترنت تقريب المسافات وتقليل النفقات وجودة المعلومات وسرعة الحصول على المتطلبات البحثية.(6)

أن استخدام شبكة المعلومات بات ضرورة في الجامعات والمطلوب فتح مكاتب في كل كلية أو قسم علمي أمام الأساتذة والطلبة وبتكاليف بسيطة دعما للبحث العلمي والمعرفة فلا غنى للبحوث التطبيقية الصرفة أو العلوم الإنسانية والاجتماعية من الرجوع إلى هذه الشبكة.

التصنيفات العالمية للجامعات الرائدة

أن نظرة متأنية وعلمية لما نشرته كبرى الصحف العالمية ومواقع الانترنت في أكتوبر عام 2009 حول تصنيف التايمز العالمي الشهير للجامعات الأفضل في العالم عام 2009 وتم اختيار 200 جامعة ثم تبعه تصنيف يترقبه العاملون في التعليم العالي والبحث العلمي في العالم تقوم فيه جامعة شنغهاي الصينية والذي يعد الأكثر علمية ومعيارية أكاديميا بدأ بأعداد هذه الجامعة لأكثر من 9000 جامعة حول العالم ويهدف لقياس جودة الأداء العلمي بين الجامعات الصينية والجامعات العالمية المرموقة التي تهتم بالبحث العلمي ويعتمد تصنيف شنغهاي المعتمد في بريطانيا والولايات المتحدة على المعايير الآتية (7):

1- جودة الخريجين في الجامعة 10 بالمائة

2-جودة أعضاء هيأة التدريس 20 بالمائة

3-الأبحاث المعترف بها بالجامعة 20 بالمائة

4- المخرجات البحثية 20 بالمائة

5- حجم الجامعة أو المعهد 10 بالمائة

وهذا التصنيف محدد وله متطلبات معينة من اجل أن يكون للجامعة مكانة في التصنيف أو القائمة.

والجدير بالإشارة أن الأعلام العربي اهتم كثيرا بالنتائج التي تمخضت عن هذا التصنيف. والسؤال المطروح أين الجامعات العربية من التصنيف العالمي لأفضل 200 جامعة بالعالم. أو التصنيف البريطاني الآخر لأبرز 300 جامعة في العالم. أو تصنيف شنغهاي لأفضل 500 جامعة في العالم علما بان محيطنا الإقليمي تقدم مراتب إلى الأمام في هذا التصنيف مثل الصين والهند وماليزيا وكوريا الجنوبية وتركيا والتي تتقدم عاما بعد آخر في هذا التصنيف.(8)

ما العمل لتجاوز الفجوة البحثية

أن المطلوب في البحث العلمي والتطوير الأكاديمي في المدى المنظور لتوفير آليات مهمة يجب الأخذ بها لرفع كفاءة الجامعات العربية في مجالات البحث والتطوير العلمي وهي تتمثل بالاتي:

1-تشجيع أعضاء هيأة التدريس على البحث العلمي الجديد والمبتكر والتأليف وإعطائهم الحوافز المادية والمعنوية وتسهيل أمامهم الترقيات العلمية

2-توفير وسائل البحث العلمي من الكتب والدوريات الحديثة ومتابعة مايصدر في الوطن العربي والعالم من الجديد من الكتب والمراجع والإحصاءات الجديدة

3- الانفتاح على الاشتراك في المجلات العلمية العربية والأجنبية وتوفيرها للجامعات بشتى التخصصات

4- عقد اتفاقات مع دور النشر العربية والعالمية عبر المراسلة ومع مراكز البحوث العربية والعالمية للحصول على الكتب الحديثة والدوريات ومعرفة مايصدر في العالم.(9)

5-أقامة المؤتمرات والندوات العلمية ولو بأقل التكاليف ولو بالموارد الشخصية وبالأقل ندوة في العام الواحد وجعل الدعوات مفتوحة للباحثين من داخل الجامعة وخارجها لتنوع التخصصات والأفكار.

6-تشجيع الأساتذة على المشاركة في المؤتمرات العربية والدولية من اجل التلاقح العلمي والاستفادة من هذه التجمعات العلمية بين المتخصصين لان رقي الأستاذ الجامعي في اختصاصه ينعكس بالضرورة على الطالب الجامعي والمحاضرة العلمية.(10)

7-تشجيع التأليف والنشر في الكليات فالمتعارف عليه عربيا وعالميا أن الأساتذة المتخصصين بعد سنوات من التأليف والتدريس في مادة ما يقومون بنشر كتبهم من اجل فائدة طلبتهم ثم نقل تجاربهم إلى الجامعات الأخرى الوطنية والخارجية.

8-تشجيع الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية بين الأساتذة ودعمهم ماديا ثم إفساح المجال لهم للنشر على نفقة الجامعة ويكفي انه أقيمت قبل ثلاثة سنوات المنظمة العربية للترجمة يقودها المفكر العربي التونسي الدكتور الطاهر لبيب في بيروت تقوم شهريا بترجمة روائع الفكر والعلم والأدب الأجنبي إلى اللغة العربية وهي تحتضن اليوم نخبة المترجمين العرب.(11)

9-متابعة الجامعات لأعضاء هيأة التدريس عندها من حيث ضرورة أن يكون قد أنجز بحوثا خلال العام الجامعي فنحن نعلم بان الجامعات معامل لإنتاج الفكر والمعرفة الأرقى في المجتمع ولاتكفي المحاضرة من اجل تطوير الأستاذ والمؤسسة الجامعية أو الطالب الجامعي، بل ضرورة وضع قانون وهو يطبق في بعض الجامعات العربية الكبيرة بأن يطالب كل أستاذ سنويا بتقديم للجامعة كحد أدنى بحث وبحثين في اختصاصه ثم متابعة الأستاذ بعد ذلك علميا من إدارة الجامعة إلى أن يتمكن من أن يصل إلى الفترة المطلوبة للترقية أن تأخر بعدها بسنة أو سنتين يبعد من التدريس إلى وظائف أدارية اقل داخل المؤسسات الجامعية وهي من القرارات العلمية التي طبقت بالفعل ونجحت لتحفيز جميع الأساتذة في احد الجامعات العربية الكبيرة في تسعينات القرن العشرين للذهاب إلى دراسة الدكتوراه لمن كان ماجستير وتقديم البحوث للنشر والتهيؤ للترقية لمن كان مطلوب منه ذلك.

الخلاصة أن أزمة البحث العلمي في الجامعات العربية ملحة وضرورية في الألفية الثالثة في ظل عصر العولمة والتكنولوجية والمعلوماتية من اجل اللحاق بركب الدول المتقدمة ليس عالميا بل بالأقل إقليميا، وإقامة منظومات جامعية علمية وثقافية وإنسانية تصب في مصلحة النهوض بالجامعات أولا ثم خدمة المجتمع العربي ثانيا لان الجامعة كما هو معروف منذ القدم تخلق الحراك العلمي في المجتمع.(12)

د. مفيد الزيدي - جامعة بغداد

...................................................................

الهوامش والملاحظات

(1) أكرم محمد عثمان، "تكنولوجيا المعلومات وآفاق المستقبل"، مجلة علوم، العدد97، بغداد، مايو-يونيو1997، ص ص 15-16.

(2) صبحي قاسم، "أفكار في أصلاح مسيرة البحث العلمي والتطوير التجريبي في بلدان الوطن العربي"، مجلة المنتدى، العدد139، عمان-الأردن، ابريل1997، ص24.

(3) هشام الخطيب، "أسباب التخلف العلمي في المجتمع العربي"، مجلة المنتدى، العدد151، عمان-الأردن، ابريل1998، ص14؛أكرم محمد عثمان، المرجع السابق، ص5.

(4) مروان راسم كمال ومحمد نبيل نوفل، "التعليم في عصر الكمبيوتر"، المجلة العربية، المجلد11، العدد1، تونس (العاصمة)، يونيو-يوليو1991، ص ص 24-27؛ مفيد الزيدي، المنهجية التاريخية في رسائل الجامعات العراقية:دراسة حالة في جامعتي الموصل والبصرة"، مجلة اتحاد الجامعات العربية، العدد29، عمان-الأردن، يناير1994، ص261.

(5) مفيد الزيدي، "المصطلح التاريخي بين اللغة والترجمة:الحديث والمعاصر أنموذجا"، مجلة التعريب، المنظمة العربية للترجمة والتأليف والتعريب، السنة6، العد11، دمشق، يونيو1996، ص ص 29-30.

(6) مفيد الزيدي، "الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية:دراسة في فهم المؤسسة العلمية العربية"، مجلة دراسات عربية، السنة32، العدد11-12، بيروت، سبتمبر-اكتوبر1996، ص110.

(7) انظر التصنيف العالمي لعام 2009 لأحسن 100-200-300 جامعة في العالم www.topuniversities.com

(8) الدكتور محمد شعبان، "لهذه الأسباب--- جامعاتنا خارج التصنيف العالمي"، 5 نوفمبر 2009 منشور في الانترنت:www.google.com:

(9) مفيد الزيدي، "قضايا العولمة والمعلوماتية في المجتمع العربي المعاصر"، ط1، دار أسامة للطباعة والنشر والتوزيع، عمان-الأردن، 2003، ص ص117-118.

(10) مفيد الزيدي، "صراع التجايل في الوسط الأكاديمي"، مجلة اليرموك، العدد54، جامعة اليرموك، اربد-الأردن، 1998.

(11) للاستفادة بالتواصل العلمي أو الاشتراك بمجلة المنظمة العربية للترجمة وعنوانها-العربية والترجمة أو شراء واطلاع الروائع من الترجمة العلمية لكبار المترجمين العرب في كل التخصصات العلمية والإنسانية انظر موقع المنظمة على الانترنت:

مركز دراسات الوحدة العربية، www.caus.org.lb

(12) انظر:مفيد الزيدي، "نحن والآخر صراع حضارات أم حوار ثقافات"، ط1، دار الفرقان للطباعة والنشر والتوزيع، عمان-الأردن؛ أيضا مقالتنا: "شرق وغرب-صراع حضارات أم تعدد ثقافات"، مجلة اليرموك، جامعة اليرموك، اربد-الأردن العدد59، 1999.