دستور يضمن حقوق الجميع: دور منظمات المجتمع المدني العرافي في المراجعات الدستورية

 

سيف الدين كاطع

 

 

نظمت شبكة الحياة العراقية الاسبوع الماضي بالتنسيق مع الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي مؤتمراً موسعاً تحت عنوان”اقرار دستور يضمن حقوق عراق الجميع ويكون حجر الاساس في بناء ديمقراطي موحد“ حضره عدد من اعضاء مجلس النواب وممثلو عدد من المنظمات الدولية العاملة في العراق

فضلا عن اكاديميين ومتخصصين في مجال القانون الدستوري وناشطين في المجتمع المدني.

وركز المؤتمر في اعماله على الدور الذي يمكن ان تضطلع به منظمات المجتمع المدني في مسألة التعديلات الدستورية سواء ان كان هذا ما يتمثل على نحو اقتراحات ودراسات وبحوث، تتعلق بالحقوق والحريات والمواطنة، ام فيما يخص تعديل المواد الدستورية موضوعة الخلاف ومنها المادة 41 الخاصة بالاحوال الشخصية وقضايا توزيع النفط والغاز والثروات وسلطات الاقاليم وكذلك اعادة النظر بهوية العراق وضرورة ان تمثل جميع شرائح المجتمع.

في بداية الاجتماع اكد خليل الموسوي رئيس شبكة الحياة العراقية على اهمية اقامة هذا النشاط كونه يسعى وبجدية الى حث ولفت نظر الجهات المعنية وضرورة سماع آراء ومقترحات منظمات المجتمع المدني التي تطالب باعادة النظر ببعض مواد الدستور التي جاءت مخالفة لمتطلبات وحقوق بعض الشرائح الاجتماعية وواقعها الانساني والذاتي والاجتماعي، موضحا ان هناك مجموعة من التوصيات التي سيخرج بها المؤتمر بشأن بعض المواد الخلافية سيتم رفعها الى لجنة مراجعة الدستور لدراستها والاستفادة منها.

اعقبه في الكلام الكوا اكسلوا سفير الاتحاد الاوروبي الذي اكد على دعم الاتحاد الاوروبي للعراق وللعملية الديمقراطية مضيفا ان هذا الدعم مستمر، حيث قدم الاتحاد لغاية الان دعما ماليا يقدر بنحو 230 مليون دولار للمساهمة في اعداد الدستور في المرحلة الماضية ولانجاح الانتخابات وتقديم الخبرات الفنية والقانونية للجنة صياغة الدستور فضلا عن تقديم 20 مليون دولار لدعم نشاطات منظمات المجتمع المدني وشدد سفير الاتحاد الاوروبي على اهمية مراجعة وتعديل الدستور لتحقيق الامن والاستقرار وضرورة الاخذ بنظر الاعتبار آراء ومقترحات المجتمع المدني وجميع القوى الاهلية في هذا الجانب.

وعلى هامش وقائع المؤتمر التي امتدت الى ثلاث جلسات، الجلسة الافتتاحية والجلسة الاولى التي ناقشت محوري الحقوق والحريات والمواطنة والهوية، فيما كانت الجلسة الثانية قد بحثت في الفيدرالية وتوزيع الثروات وسلطة الاقاليم، كنا قد التقينا عدداً من المشاركين نستطلع رؤاهم التي تتعلق بدور ومهمات منظمات المجتمع المدني في هذه المرحلة ولا سيما قضية مراجعة مواد الدستور فكان المتحدث الاول حميد مجيد موسى عضو مجلس النواب عن القائمة العراقية اذ قال: التعديل الدستوري برأينا هو استحقاق قانوني وشرعي، وهو ايضا حصيلة توافق القوى الوطنية المشاركة في العملية السياسية، وبما ان هذا التعديل وهذه المراجعة قد استحقت زمنيا واخذت تملي على مجلس النواب ضرورة الاخذ بالمقترحات الملموسة التي يمكن ان يتوافق عليها الجميع والتي من شأنها ان توفر رضى وقناعة لدى الاطراف السياسية العراقية وبهذا التوافق الذي اراه يشكل تعزيزا وتوطيدا لاركان العملية السياسية ويحقق الامن والاستقرار واعادة البناء.

واضاف موسى: ان التعديلات الدستورية في هذه اللحظة السياسية الحساسة يمكن ان تكون احد المداخل الاساسية لتطبيع الاوضاع وتقوية المشاركة في القرار السياسي معربا عن تفاؤله بالجهود التي يتم بذلها في هذا الاطار لما لها من اهمية في الوصول الى نتائج ملموسة سيكون صداها واضحا في المشهد الاجتماعي والتي اتت بالتأكيد من جراء اسهامات الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني لمساعدة لجنة مراجعة الدستور في انجاز مهماتها.

في حين قال النائب حسين الفلوجي عن جبهة التوافق: استطيع اقول ان لجنة مراجعة الدستور بذلت جهودا متميزة لغرض الوصول الى صيغة شبه متكاملة لوثيقة الدستور الدائمية وحل القضايا الخلافية بالوسائل السلمية والسياسية وعبر النقاش والحوار والاتفاق، مؤكدا ان الكثير من هذه القضايا قد تم الاتفاق عليها، الا سبع مواد منها الديباجة وهوية العراق العربية والاسلامية والمادة 41 وصلاحيات رئيس الجمهورية وقضايا النفط والغاز وكذلك صلاحيات المركز على الاقليم اضافة الى المادة 140 مضيفا ان هذه القضايا تم رفعها من قبل لجنة مراجعة الدستور الى رؤساء الكتل السياسية كي يتم النقاش فيها وتحديد اطر الاتفاق والتعديل عليها.

واوضح الفلوجي: ان في خضم هذا الحراك ارى الانسجام والتوافق وكذلك التقارب والحرص الشديد على انجاز هذه المهمة الوطنية والتاريخية معربا عن تفاؤله الشديد في هذا الجانب.

من جانبه اكد النائب فوزي اكرم ترزي عن التيار الصدر على اهمية الجهود التي تعمل من اجل انجاز دستور يكون حاضراً المجتمع العراقي ومستقبله، مشيدا بالدور الذي يضطلع به ناشطو المجتمع المدني، واصفا اياه بالمهم جدا والذي يجب ان يكون دور شريك وليس مستشاراً في عملية مراجعة الدستور، واشار اكرم ترزي الى انه وبرغم الجهود التي تبذل في هذا الاتجاه الا انني ارى ان الذين كتبوا الدستور هم انفسهم الذين يقومون بتعديله اي كالطالب الذي يمتحن وهو يقوم بتصحيح اوراق امتحانه، وعدّ ترزي هذا الامر خرقا قانونيا ودستوريا اضافة الى ان المادة 142 والخاصة بالتعديلات الدستورية هي نفسها تحتاج الى معالجات قانونية.

اما النائب د. حنين محمود القدو عضو مجلس النواب عن الشبك فقال: ان الشبك مكون من مكونات الشعب العراقي وهم الان يتطلعون الى الانصاف من الظلم والغبن الذي لحق بهم وكذلك يتمنون العيش في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يتمتعون فيه بالحقوق ويستطيعون ممارسة شعائرهم والحفاظ على هويتهم والتي هي جزء فاعل من الهوية العراقية.

واضاف القدو: انه في الوقت الذي يتضمن فيه الدستور الحالي الاشارة الى حقوق الاقليات العرقية والدينية لكل المسيحيين”الاشوريين، الكلدان، السريان والارمن“ وكما تتم الاشارة الى حقوق الصابئة والايزيديين والتركمان والكرد الفيليين، لكن حتى هذه اللحظة لم تتم الاشارة الى الشبك، وناشد النائب د. القدو اعضاء مجلس النواب واعضاء لجنة مراجعة الدستور بضرورة تحمل المسؤولية في دعم مطالب الشبك وادراج حقوقهم في الدستور والحفاظ على هويتهم قانونيا ودستوريا وضمان التمثيل المناسب لهم في البرلمان والاعتراف بهم كأقلية عرقية اسوة ببقية المكونات العراقية الاخرى.

وبشأن المداخلة الفكرية التي قدمها الباحث حسين درويش العادلي رئيس مركز وطن للدراسات في المؤتمر واحتوت على محاور عديدة منها الدولة العراقية واشكالية الهوية، فقد اوضح العادلي: ان الواقع العراقي يتسم اليوم بحرب الهويات ويكاد يكون هذا العنوان المأزق العراقي الراهن، سواء تجسد في الخلافات الدستورية ام في التداعيات الامنية والاجتماعية والاقتصادية المتحركة هنا وهناك، ام في سر التدخلات والتداخلات الاقليمية والدولية وجوهر الخلاف يتمحور حول طبيعة الدولة المراد انتاجها بعد التاسع من نيسان 2003 من حيث هويتها، نظامها، فضائها الجيوسياسي، أهي دولة دينية ام قومية ام وطنية مدنية … الخ.

فمعركة الهوية هي المعركة الام التي سيتحدد على اساسها نمط العراق الجديد، واشار العادلي الى ان الدستور العراقي يجب ان يكون مرنا وان يبتعد عن الجمود لان الدستور وضع على شكل عقد سياسي وليس على شكل عقد اجتماعي موضحا ان القوى السياسية كان بامكانها ان تمارس دورا تاريخيا وان تتخذ مديات تمكنها من ايجاد دستور يعبر عن اطياف المجتمع كافة، واختتم العادلي قوله: ان وجودنا رهن دولتنا ودولتنا رهن هويتنا وهويتنا رهن وعينا وارادتنا، فهل ننجح باعادة انتاج هويتنا على اساس المواطنة والديمقراطية والتعايش ام ترانا نعيد كسرة الخسران لنفقد الدولة والوطن والانسان.

فيما تناولت د. بشرى العبيدي استاذة القانون الدولي في جامعة بغداد مبدأ الفصل بين السلطات مفهومه ومركزه في الدستور العراقي، اذ سلطت الضوء على المادة 47 التي تنص على”تتكون السلطات الاتحادية من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على اساس مبدأ الفصل بين السلطات “ ومن خلال المادة 1 من الدستور والتي تقرر ان”جمهورية العراق دولة اتحادية مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي”برلماني ديمقراطي).. ويتبين ان نظام الحكم هو النظام البرلماني ما يعني انه يجب ان يكون هناك مساواة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية اي فيما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات اي ليس فصلا تاما بل هناك تعاون وتوازن بينهما.

وتخلص د. العبيدي الى القول: انه يجب ان تكون الدولة قوية الى الحد الذي يمكنها من حماية الناس من الاعداء بالداخل والخارج وكذلك من مخاطر التجاوزات المحلية وفي كل الاحوال عليها مهمة تقديم المصلحة العامة واحترامها، لان مصلحة المجتمع برمته لا يمكن ان تخدم بشكل افضل الا من خلال الحفاظ عليه من القيود العشوائية المفروضة على حريات اعضائه المكونين له، لذا تؤكد الباحثة انه يجب ان تخضع الدولة للقانون لتحقيق مصالح الافراد وحماية حقوقهم ضد تعسف السلطة واستبدادها فدولة القانون هي الدولة التي تخضع وتتقيد في جميع مظاهر نشاطها باحكام القانون اي ان جميع سلطات الدولة لا يمكنها ان تتصرف الا في حدود القانون.الناشطة النسوية هناء ادور رئيس جمعية الامل العراقية قالت: نحن لا نتوقع من احد ان يكتب لنا قوانيننا او دستورنا ولكن على الاقل نتوقع من بعض الجهات الدولية ومنها الامم المتحدة ان تساعدنا في هذا الشأن، وكنا نأمل من البعثة الدولية ان تحلل الوضع في العراق بدقة وامعان، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ونحن كممثلين للمجتمع المدني لم نلمس حتى الان اية ستراتيجية فعالة وواضحة بهذا الصدد من قبل الامم المتحدة.