أمم متحدة جديدة.. وجهة نظر الأمين العام

 

 

 

مع تولى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون (كوريا الجنوبية) قيادة الأمانة العامة للأمم المتحدة قبل ثلاثة أشهر في واحدة من أكثر مراحل حياة المنظمة تعقيدا وحساسية. فعلى العكس من العقود الأولى من حياة المنظمة، والتي لعبت فيها دورا فاعلا في إدارة قضايا التعاون والصراع الدولي، تمر المنظمة في المرحلة الراهنة بمرحلة من التهميش والحضور الضعيف أو على الأقل الموظف من قبل القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أنه كان من المتوقع أن يؤدي انتهاء الحرب الباردة إلى تفعيل دور المنظمة إلا أن العكس هو الذي حدث.

ويعد بان كي مون هو الأمين العام الثامن للأمم المتحدة. وكانت قضايا الحرب الباردة قد شغلت المساحة الأهم في أجندة الأمناء الخمس الأوائل في حياة المنظمة، بينما شغلت قضايا الشرق الأوسط وقضايا عدم الاستقرار العالمي في عالم ما بعد الحرب الباردة، بالإضافة إلى قضايا الانتشار النووي والعدالة الاجتماعية والبيئة، المساحة الأهم في أجندة الأمينين العامين الأخيرين. وفي سياق محاولة التعرف على رؤية الأمين العام الجديد للأجندة الجديدة للمنظمة، ورؤيته لكيفية استعادة دورها التاريخي، عقد مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS بواشنطن ندوة خاصة حضرها الأمين العام الجديد بان كي مون، كمتحدث رئيسي، بالإضافة إلى عدد من المتخصصين والمعنيين بالموضوع.

ويمتلك بان كي مون خبرة سياسية واسعة، فقد شغل عدد من المناصب المهمة قبل عمله كوزير للخارجية والتجارة الكورية، منها مستشار الرئيس للسياسة الخارجية، وكبير مستشاري الرئيس للأمن الوطني، بالإضافة إلى مشاركته في إدارة مشاكل حظر الانتشار النووي. وقد حصل مون على درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية من جامعة سول الوطنية في عام 1970، ثم على درجة الماجستير في الإدارة العامة من معهد كندي لشؤون الحكم، بجامعة هارفارد في عام 1985.

وقد كان لاختيار بان كي مون لشغل منصب الأمين العام دلالات مهمة بالنسبة لوضع ما عرف بدول "العالم الثالث" في النظام الدولي. إذ يعكس اختيار مون أمينا عاما للأمم المتحدة ترجمة للتحول المهم في مركز الثقل الجيو- سياسي لصالح القارة الآسيوية، والتي لا تضم فقط حالات صعود مهمة من الناحية الجيو سياسية (الصين، اليابان، الهند، كوريا الجنوبية)، ولكنها تعد منطقة اختبار مهمة لتدعيم الديمقراطية والتنمية، وربما للتأكيد من جديد على فكرة التلازم بين الديمقراطية والتنمية معا، كما تمثل منطقة اختبار مهمة لآفاق السلام العالمي على خلفية البرنامجين النوويين الكوري والإيراني، وهي تحديات تمثل جميعها اختبارا حقيقيا لمستقبل الأمم المتحدة.

أولا: الأجندة الجديدة للأمم المتحدة كما يراها مون

يشير بان كي مون بداية إلى أن هناك عاملين مهمين لعبا دورا مهما في تنشئته السياسية، وسيكون لهما تأثيرهما المهم على منصبه الجديد كأمين عام للأمم المتحدة. الأول هو مقابلته، وهو في الثامنة عشر من عمره، للرئيس الأمريكي جون ف. كينيدي في عام 1962، ضمن وفد من الطلاب الكوريين الذين دُعوا لزيارة البيت الأبيض ومقابلة الرئيس الأمريكي آنذاك، الأمر الذي أتاح لمون "صلات شخصية" ـ وفقا لتعبيره ـ بإحدى القوى العظمى وما دعت إليه آنذاك من أفكار ومبادئ مهمة لإدارة العلاقات الدولية خلال تلك المرحلة المهمة في تاريخ الأمم المتحدة. العامل الثاني هو الدور المهم الذي لعبته الأمم المتحدة خلال الحرب الكورية، وقد أرجع مون نجاح كوريا الجنوبية في إعادة بناء اقتصادها من جديد بعد الحرب وتحول كوريا إلى قوة اقتصادية إقليمية مهمة في شرق آسيا إلى دور الأمم المتحدة والولايات المتحدة أيضا خلال تلك المرحلة.

ويتفق مون مع القول بأن تلك المرحلة مثلت المرحلة الذهبية للأمم المتحدة ولكنه لا يتفق مع القول بأن المرحلة الراهنة لا تقدم فرصة مهمة لاستعادة الأمم المتحدة لهذا الدور. ويستند مون هنا إلى أن المشكلات الدولية الراهنة وصلت إلى درجة من التعقيد بحيث يصعب نجاح دولة بمفردها في مواجهة تلك المشكلات، الأمر الذي يحتم التعاون الدولي عبر المؤسسات والمنظمات الدولية العالمية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.

وقد طرح مون الأجندة القادمة للأمم المتحدة على النحو التالي:

القضية الأولى هي ضرورة وضع خطة عمل لمواجهة أزمة دارفور. ويشير مون هنا إلى أنه سوف يركز على عدد من الآليات، أهمها التنسيق بين الأمم المتحدة والقيادات الأفريقية، وتطوير التفاعل البناء بين الحكومة السودانية والحكومات الأفريقية والمجتمع الدولي بهدف وضع نهاية لسياسة العنف بالإقليم التي تتبعها الأطراف المتناحرة بما فيها الميليشيات العسكرية، والسماح باستئناف الأنشطة الإنسانية في الإقليم، وتفعيل دور المجتمع المدني في عملية السلام الجارية، وإقناع الأطراف التي لم توقع على اتفاق السلام بالتوقيع على الاتفاق. ولا يوجد تعبير أكثر وضوحا للإشارة إلى الأهمية التي يوليها مون لقضية دارفور من قوله "إن دارفور ستكون على قمة أجندتي".

القضية الثانية هي تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. ويعترف مون بأن العراق هي قضية الشرق الأوسط الأولى بالنسبة للعالم كله في المرحلة الراهنة. ويؤكد مون هنا التزامه ببذل أقصى جهد ممكن لمساعدة الشعب العراقي على تحقيق آماله في الاستقرار من خلال المساعدة على بناء عملية سياسية شاملة تحتوي جميع القوى السياسية دون استبعاد أي منها، وتوفير مناخ إقليمي داعم لاستقرار العراق، بالإضافة إلى دفع عمليات إعادة الإعمار.

القضية الثالثة هي الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، حيث يقول مون أنه سيعمل على تفعيل دور الرباعية الدولية لتسوية قضايا الخلاف بين الجانبين، خاصة تلك التي تنطوي على أبعادا رمزية وعاطفية مهمة للكثير من الشعوب خارج الحدود السياسية للصراع.

القضية الرابعة هي دعم لبنان في جميع المجالات بدءا من إعادة البناء والإعمار، وانتهاء بالمطلب اللبناني الخاص ببناء دولة ديمقراطية مستقرة كاملة السيادة. ويشير مون هنا إلى أن الطريق الوحيد للوصول إلى هذا الهدف هو تحقيق المصالحة بين مختلف القوى والطوائف داخل لبنان. كما يشير من ناحية أخرى إلى أن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الموجودة في جنوب لبنان (نحو 15 ألف شخص) لا يمكنها البقاء إلى ما لا نهاية.

القضية الخامسة هي دعم الجهود الخاصة بنزع السلاح وعدم الانتشار النووي. ويشير مون هنا فيما يتعلق بكوريا الشمالية أنه سيبذل أقصى جهده لإنجاح المحادثات السداسية، وتشجيع الجهود الخاصة بإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، والتزامه بالعمل على تطبيق قرارات مجلس الأمن الخاصة بحالتي إيران وكوريا الشمالية، وتشجيع الالتزام بنظام حظر الانتشار النووي على المستوى العالمي.

القضية السادسة هي مشكلة كوسوفو، ويشير مون هنا إلى ضرورة إنهاء هذه المشكلة من خلال العمل على التوصل إلى حل حاسم والقضاء على حالة الغموض وعدم اليقين التي تغلف هذه المشكلة، مؤكدا أن تأخر هذا الحل سوف يهدد الاستقرار الإقليمي في جنوب شرق أوروبا.

ومع تأكيد مون على أهمية القضايا الست السابقة وأنها ستشكل قمة أجندته كأمين عام للأمم المتحدة في المرحلة القادمة، إلا أنه أكد في الوقت ذاته أن هذا لا يقلل من قيمة قضايا أخرى مثل دعم التنمية في مختلف الأقاليم، باعتبارها ليس فقط  شرطا أساسيا لضمان تحسين المستويات المعيشة والصحية وحياة أكثر كرامة لملايين الأفراد، ولكن أيضا لأنها تعد شرطا أساسيا لبناء الأمن والسلام العالمي. بالإضافة إلى العمل على القضاء على مشكلتي الفقر والأمية باعتبارهما مصدران مهمان لانتشار الفكر المتشدد. كما يشير مون إلى أن هذا العام (2007) سوف يشهد تقدما ملحوظا فيما يتعلق بـ "أهداف تنمية الألفية" The UN Millennium Development Goals التي اتفقت عليها الدول الأعضاء كخطة عمل للوصول إلى عالم أفضل بحلول عام 2015. ويرى مون أنه إذا كان العالم معنيا بالفعل بالوصول إلى هذا الهدف، يجب أن يشهد عام 2007 إنجازا محددا على هذا الصعيد. أيضا يشير مون إلى حاجة المجتمع الدولي إلى جهد أكبر لمواجهة مشكلة التغيرات المناخية، خاصة بعد أن أضحت جميع دول العالم عرضة للتأثر بتلك التغيرات، وبعد أن أصبحت مصدرا مهما لتهديد الصحة ومصادر إمداد الغذاء والمياه والمدن الساحلية التي يعيش فيها أكثر من نصف سكان العالم. يقول مون في هذا السياق: "إن العمل على صعيد التغيرات المناخية سيكون واحدا من قمة أولوياتي".

وفي الاتجاه ذاته يشير مون إلى الحاجة لتقوية قدرات وإمكانات الدول الأعضاء لمواجهة التحديات الضخمة في مجال الصحة، خاصة بعد أن أصبحت تلك التحديات ـ وعلى رأسها مرض الإيدز وأنفلونزا الطيور ـ عالمية الطابع ولا تلتزم بالحدود السياسية، كما تتضاعف أثارها وتكلفتها الاقتصادية والاجتماعية في حالة الدول الفقيرة والتي يعاني بعضها في الوقت نفسه من حروب داخلية وصراعات مسلحة. وينطلق مون هنا من وجود علاقة قوية بين التحديات الصحية وتهديد السلم والأمن الدوليين، بالإضافة إلى تأثيرها المهم على القدرات الاقتصادية للدولة.

وأخيرا يشير مون إلى قضية حقوق الإنسان، ويشير في هذا الإطار إلى ضرورة أن تصبح حقوق الإنسان هي الركيزة الثالثة في عمل الأمم المتحدة ـ بجانب ركيزتي الأمن والتنمية ـ سواء على المستوى النظري من خلال المواثيق والمعاهدات الدولية في هذا المجال، أو على مستوى الممارسة العملية، وهو ما يتطلب مزيدا من الاهتمام بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لأداء دوره المنوط في المناطق والدول ذات السجل السلبي في مجال حقوق الإنسان، وإلقاء المزيد من الضوء على المناطق الأشد ظلاما في هذا المجال. وعبر مون عن أمله أن تصبح الولايات المتحدة عضوا بمجلس حقوق الإنسان هذا العام. وفي الاتجاه ذاته، عبر مون عن ضرورة اتخاذ الخطوات الأولى للانتقال بـ "مسئولية الحماية" the Responsibility to Protect من مستوى الكلمات إلى الفعل، وهي المسئولية التي قطعها أعضاء الأمم المتحدة على أنفسهم في عام 2005 عندما عبروا عن أهمية اتخاذ عمل جماعي من خلال مجلس الأمن في الحالات التي تتعرض فيها جماعات بشرية لتهديد الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي أو جرائم ضد الإنسانية، وفشل السلطات الوطنية في اتخاذ الإجراءات المناسبة حيال تلك التهديدات. وأكد مون في هذا المجال عزمه العمل على بذل جهوده لترجمة هذه الرغبة وهذا الهدف إلى إجراءات عملية.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد101