ميسا MESA: أربعون عاما من دراسة الشرق الأوسط

 

 

استضافت مدينة بوسطن المعروفة بدورها الليبرالي الطويل في تاريح الولايات المتحدة ووجود جامعة هارفارد أعرق الجامعات الأمريكية، الأسبوع الماضي المؤتمر السنوي الأربعين لرابطة دراسات الشرق الأوسط Middle East Studies Association المعروفة اختصارا  باسم  "ميسا MESA". رواد المؤتمر الذين زاد عددهم عن الألف استاذ واستاذة من مختلف جامعات الولايات المتحدة والعالم حولوا هدوء منطقة كوبلي ووسط مدينة بوسطن إلى حركة ونشاط  واضحين على مدار أيام المؤتمر الأربعة، حيث كان بإمكانك رؤيتهم في كل مكان وأينما تذهب في المدينة، في المطاعم وفي المقاهي وفي مراكز التسوق وبالطبع في قاعات الفندق حيث عقدت جلسات المؤتمر. 

ما هي "ميسا" وماذا تفعل؟

رابطة دراسات الشرق الأوسط "ميسا-MESA" هي مؤسسة خاصة غير سياسة لا تهدف إلى الربح، يتركز نشاطها السنوي في تجميع الباحثين والأكاديمين المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط لتقديم أوراق البحث وتبادل الأراء والنقاش في السياسة والاقتصاد واللغات والتاريخ والأديان ومختلف العلوم الاجتماعية الأخرى. تأسست رابطة ميسا عام 1966 بعضوية 50 أكاديمي ليصل عدد أعضائها الآن 2600 عضوا ينتمون إلى ما يقرب من 100 مؤسسة وجامعة معظمها في الولايات المتحدة. ووتخذ الرابطة من جامعة أريزونا في جنوب غرب الولايات المتحدة مقرا لها. بالإضافة إلى النشاط الرئيسي لميسا المتمثل في عقد المؤتمر السنوي، فإنها تقوم بعدة فعاليات أخرى مثل رعايتها لبرنامج المنتدى العالمي للمنح الدراسية، وبرنامج آخر للتبادل الأكاديمي. كما تقوم بإصدار عدد من النشرات والدوريات مثل الدورية الدولية لدراسات الشرق الأوسط  International Journal of Middle East Studies ونشرة ميسا MESA Bulletin. وتمنح الرابطة جوائز سنوية للأعمال المتميزة في المجال الأكاديمي في دراسات الشرق الأوسط. وتدار الرايطة من قبل مجلس أمناء مكون من تسعة أعضاء يتم تعينهم بالانتخاب. وعن أهداف الرابطة، تقول شارلي نيلسون مساعد المدير التنفيذي للرابطة إن رسالة ميسا الأصلية هي دعم وتشجيع ارتفاع معايير ومستوى البحث والعملية التعليمية في الجامعات بشكل عام  كما تهدف إلى  تعريف الرأي العام بمنطقة الشرق الأوسط  ومساعدتهم على فهم مشاكلها من خلال ما تقوم به الرابطة من دراسات وبحوث وإصدارات. وتحرص ميسا على القيام بكل أنشطتها في إطار من الحرية والنزاهة الأكاديمية التي يوفرها معظم مؤسسات نظام التعليم العالي في الولايات المتحدة.

ميسا بين السياسة والأكاديمية

رغم الطبيعة الأكاديمية التي تسيطر على فعاليات ميسا من تقديم محاضرات وأوراق بحثية على مدار أيام المؤتمر، فلا يمكن الفصل بين الجانبين الأكاديمي والسياسي في ميسا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن البحوث والمناقشات تتناول واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية للسياسة الأمريكية على الأقل في العقد الأخير، هكذا بدأ جيسون براونلي استاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس حديثه إلى في أحد أروقة المؤتمر. براونلي احد الباحثين الناشطين في دراسة الأوضاع السياسية في الدول العربية والإسلامية خاصة مصر، كان مسئولا في مؤتمر هذا العام عن تنظيم ندوة عن تحليل نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة تحت عنوان Interpreting of Egyptian Elections of 2005 بمشاركة ستيفن هايدمان الأستاذ بجامعة جورجتاون رئيسا، وليزا ويدن الاستاذة بجامعة شيكاغو مناقشة،  وسامر شحاته الاستاذ في جامعة جورجتاون والذي قدم ورقة عن الجوانب القانونية لنظام الانتخابات المصرية ، وطارق مسعود الاستاذ في جامعة ييل والذي قدم ورقه عن دور الإخوان المسلمين في الانتخابات أطلق عليها " حسن البنا في الحملة الانتخابية. وهو نفس الموضوع الذي تكلم عنه جاشوا ستيكر الاستاذ بالجامعة البريطانية في مصر حيث كان عنوان بحثه  الحزب الوطني الديموقراطي ضد الإخوان المسلمين في انتحابات 2005 . تجاوز النقاش في الجلسة مسألة نتائج الانتخابات إلى مناقشة قضية توريث الحكم في مصر وحقيقة عملية التحول الديمقراطي. براونلي علق على الانتخابات المصرية باعتبارها جزءا من ديكور عملية ديموقراطية غير موجودة أصلا.

 كما شهدت فعاليات المؤتمر في ظهيرة يومه الثاني مواجهة خاصة لمناقشة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط من منظور تاريخي بين أشهر منتقدي السياسة الأمريكية ناعوم تشومسكي استاذ اللغويات بمعهد ماستشوستس للتكنولوجيا وبرنارد ويسرشتين أستاذ التاريخ بجامعة شيكاغو.

تطرقت فعاليات المؤتمر في السياق السياسي إلى حرب لبنان الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله حيث طرحت الندوة التي رأسها أحمد دلال رئيس قسم الدرايات الإسلامية بجامعة جورجتاون  اسئلة من نوع هل كانت الحرب السادسة ضرورية، وإذا ماكانت الحرب بين لينان وإسرائيل أم  بين حزب الله وإسرائيل فقط،  وتأثير هذه الحرب على الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام. كما ناقش المشاركون في أعمال المؤتمر العديد من الموضوعات السياسية مثل: التحديات التي تواجهها العلاقات السعودية الأمريكية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمر، وتاريخ الإصلاح السياسي في العالم العربي، والحركات الإسلامية الحاكمة في تركيا وإيران، تشكيل وإعادة تشكيل لبنان، والإسلام فوبيا والاستشراق الجديد.

ميسا سوق للوظائف السنوية

من أهم ما يميز ميسا كمؤتمر سنوي يعقد في شهر نوفمبر في بداية أسبوع عيد الشكر في أمريكا أنها سوق أكاديمي نادر للتوظيف في الجامعات الأمريكية. ففي كل عام يشد الأكاديميون الرحال في مثل هذا التوقيت لحضور الموتمر وحضور مقابلات التوظيف للسنة الدراسية الجديدة والتي تبدأ في خريف العام القادم. الكثير من الجامعات الأمريكية التي تدرس لغات وأداب ودراسات الشرق الأوسط الاجتماعية تجد في المؤتمر فرصة كبيرة لمقابلة المتقديمين لشغل وظيفة محاضر أو استاذ مساعد أو أستاذ. ولذلك وجدت من بين الحضور من شارك فقط من أجل مقابلة توظيف تم التنسيق لها منذ أسابع لكي تعقد على هامش الاجتماع السنوي لميسا. بل إن بعض الجامعات تعلن عن وجود وظائف في نفس وقت المؤتمر وتحدد أوقات المقابلات في نفس أيام المؤتمر. ومن المشاهد المألوفة في ميسا سنويا الازحام حول اللوح التي تعلق عليه إعلانات الوظائف الجديدة والتي زادت في مؤتمر هذا العام عن 50 وظيفة في مجال دراسات ولغات الشرق الأوسط في مختلف الجامعات الأمريكية.

ميسا مناسبة اجتماعية

فضلا عن العلمية والعملية السابقة، فإن اجتماع رابطة  دراسات الشرق الأوسط  يعد فرصة ومناسبة اجتماعية وترفيهة مهمة خاصة وأن المدينة التي يعقد بها الاجتماع السنوي تتغير كل عام، لتصبح فرصة لزيارة مختلف المدن الأمريكية.  كما أن المشاركين ينتظرون اجتماع ميسا من العام إلى العام حتى يلتقوا بزملاء وأصدقاء  يصعب الالتقاء بهم في ظل حياة ومناخ عمل قاس. بل يمكن أن تلتقي في ميسا بأصدقاء لم ترهم منذ سنين.

على هامش المؤتمر

يعد معرض الكتاب والفنون ومهرجان أفلام الشرق الأوسط  من أهم الأنشطة التي تعقد على هامش المؤتمر، حيث  تشارك دور النشر الجامعية والعامة، وتقدم جديد أصدراتها المقرؤة والمسموعة والمرئية فيما يتعلق بدراسات الشرق الأوسط. كما  تعرض في مهرجان الفيلم أفلاما من مختلف دول الشرق الأوسط وباللغات العربية والعبرية والفارسية والتركية.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد85