مسلموا أوروبا ومسلوا أمريكا... هل من خبرة تفيد أمريكا

 

 

منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، أصبح الاهتمام الأمريكي بقضية الإرهاب الدولي على رأس قضايا السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة بعد وقوع هجمات داخل دول أوروبية كتلك التي ضربت لندن ومدريد والتي راح ضحيتها العشرات من الضحايا، إضافة إلى قيام شاب مسلم – هولندي المولد- بقتل أحد المخرجين الهولنديين بصورة وحشية.

ويتساءل فرانسيس فوكوياما (أحد المفكرين الأمريكيين) قائلا "إذا اعتبرنا أن المجتمع الغربي أسس على قيم سامية مثل التسامح والانفتاح والديمقراطية، فكيف يتجاوب مع أناس يعيشون داخله ولكنهم يفتقدون هذه القيم"؟ وهذا التساؤل في حد ذاته لا يقلق فوكوياما وحده، بل هناك الكثير من الخبراء والمحللين الأمريكيين الذين يرصدون ويحللون ما تقوم به بعض أفراد الجاليات العربية والمسلمة في القارة الأوروبية خوفا من أي احتمالات لنقل تلك العدوى لأفراد ينتمون للجاليات العربية والمسلمة داخل الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار احتضن مركز أبحاث وودرو ويلسون للدارسين الدوليين Woodrow Wilson International Center for Scholars مؤتمرا يدرس أوضاع المسلمين في أوروبا، وحظي هذا المؤتمر بأهمية كبيرة تمثلت في حضور العديدين من الخبراء والمسئولين الأمريكيين لجلساته.

وركز المؤتمر علي دراسة ومناقشة أوضاع المسلمين في أوروبا خصوصا، وفي العالم الغربي عموما. وتطرق النقاش إلى عدة نقاط هامة تخص حياة المسلمين في أوروبا، مثل كيفية تأقلمهم في مجتمعاتهم الجديدة، والمشاكل الجديدة التي صاروا يتعرضون لها بعد أن صار مفهوم الإرهاب الحديث مرتبطا بهم. كما تطرقت ندوات المؤتمر للحديث عن الإسلام في صبغته المميزة بين مسلمي القارة الأوروبية، وإذا ما كان هناك اختلافات في فهم العقائد والواجبات الإسلامية بين الجاليات المسلمة هناك. وختم المؤتمر نقاشه بالحديث حول مستقبل الإسلام في أوروبا.

ودعا مركز ويلسون العديد من الخبراء من مسلمي أوروبا وغيرهم للحديث عن فهمهم للتحديات التي تواجه الجاليات المسلمة هناك، وتحدث ثلاث شخصيات من ثلاث دول مختلفة في أوروبا لإعطاء فكرة شاملة عن هذا الموضوع ولإثراء النقاش حول هذه القضايا الهامة للولايات المتحدة.

- الدكتور عرفان احمد العلوي الذي درس عن الإسلام في العديد من المعاهد والجامعات العربية، وتتلمذ علي أيدي عدة شيوخ كبار كالشيخ السقاف والشيخ الريفي إضافة إلى الشيخ الجنيد. والدكتور العلوي عضو في عدة منضمات إسلامية في أماكن مختلفة من العالم من أهمها المجلس الإسلامي الأعلى الأمريكي.

- الدكتورة جسلين سزاري Jocelyn Cesari وهي باحثة في مركز الشرق الأوسط للدراسات بجامعة هارفارد Harvard University منذ ربيع 2001. ولها كتابات عديدة عن الإسلام والمسلمين في الغرب من آخرها كتاب "عندما يلتقي الإسلام والديمقراطية: المسلمون في أوروبا وفي الولايات المتحدة الأمريكية."When Islam and Democracy Meet: Muslims in Europe and in the United States. وهو آخر ما نشرته من سلسلة أعمالها المتعددة عن الإسلام والمسلمين خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.

- الدكتور جيمس ليون James Lyon الذي يمثل دول البلقان منذ سنة 1980 وقد عمل في منظمات عديدة في جمهوريات يوغوسلافيا السابقة، إضافة إلى الولايات المتحدة.

مسلموا أوروبا... مشكلات عاجلة وأزمات معلقة!

قام السيد ساموال زبوغارSamuel Zbogar سفير دولة سلوفينيا في الولايات المتحدة بافتتاح الندوة متحدثا عن أهمية الموضوع المطروح للنقاش، حيث ذكر أنه نظرا للعدد الكبير من المسلمين في الدول الغربية، وما وقع من هجمات إرهابية كبيرة، أصبح مسلمو أوروبا عرضة اليوم للعديد من المضايقات والمشكلات في أغلب دول القارة الأوروبية. وأشار المتحدث إلى أهمية موضوع النقاش نظرا لوجود ما بين 4- 7 مليون مسلم في الولايات المتحدة.

وركزت المتحدثة الأولى الدكتورة جسلين سزاري في مداخلتها على الأوضاع التي يعيش فيها المسلمون في أوروبا، إذ قالت إنهم يعيشون في أوضاع اقتصادية صعبة، وقد زاد الأمر تعقيدا حسبما ذكرت الدكتورة سزاري اقتران "الإرهاب" بهم حيث صار من الصعب عليهم إيجاد عمل مما أدى إلى زيادة نسبة البطالة في صفوفهم. وأضافت المتحدثة أن نسبة الخصوبة لدى المسلمين في الغرب مرتفعة بصورة كبيرة فوق المعدلات الوطنية، وأن مستوى التعليم لدي غالبية المسلمين منخفض، مما يضيف لصعوبات حياتهم المعيشية. ويمثل انخفاض مستوى التعليم عائقا في سبيل الحصول على عمل و"تسلق السلم الاجتماعي". ومثل هذا العامل مشكلة كبيرة أمام المسلمين في الغرب، وتساعد مثل هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية الجماعات الإرهابية المتطرفة في تجنيد شباب المسلمين. وأضافت المتحدثة أن المسلمين في البلدان الأوروبية يعيشون في حالة من الاغتراب والتفكك حيث ينظر إليهم بطريقة مختلفة حتى لو كانوا "معتدلين" خاصة بعد الأحداث الإرهابية في مدريد ولندن التي وقعت في العاميين الماضيين.

وركز المتحدث الثاني جيمس ليون على قضية المسلمين في دول البلقان قائلا إن العديد منهم يريدون تأسيس دولة إسلامية في البلقان، منتقدا تحويل بعض الأئمة للمساجد لمقرات اجتماعات سياسية. وقال إن ما يعيبه على المسلمين في البلقان هو جنوحهم للعنف للمطالبة بحقوقهم التي وصفها بالمبالغ فيها أحيانا حيث قال انه على المسلمين الاندماج في المجتمعات التي هم فيها وليس السعي إلي تكوين "دول إسلامية" مستقلة داخل الدول التي يتواجدون بها.

أما المتحدث الثالث الدكتور عرفان احمد العلوي الذي يعيش بلندن ويحمل الجنسية البريطانية قفد استهل مداخلته بالحديث عن إجراءات التفتيش التي خضع لها عند دخوله للولايات المتحدة، واصفا إياها بالمبالغ فيها،

وتطرق العلوي في حديثه كثيرا للهلع الذي تحدثه للمسافرين. و قال العلوي إن سيدة مسلمة كانت على نفس الطائرة تعرضت لنفس الإجراءات التي تعرض لها من تفتيش مبالغ فيه، إضافة إلى استجواب في غرفة منفردة.

وأضاف أن هذه الإجراءات المبالغ بها إنما هي من مخلفات إلصاق صفة الإرهاب بالمسلمين كل على حد سواء. وعند الحديث عن شئون وأوضاع المسلمين في خصوص الحديث عن أوضاع المسلمين في أوروبا ركز الدكتور العلوي على اتهام وإدانة بعض المجموعات الإسلامية دون غيرها وتحميلها الذنب لما وصل إليه حال المسلمين في الغرب الآن.

وقال إن كل من الوهابيين واليوبنديين هم الطرف الذي يجب أن يدان خاصة في المملكة المتحدة لأنهم هم من كانوا السبب في وصول المسلمين إلى ما هم عليه من انعزال وراديكالية. واقتصرت مداخلة الدكتور العلوي على اتهام وإدانة الوهابيين واليوبنديين ولم نر من طرفه أي تحليل أو رد بخصوص ما قاله المتحدثان الآخران عن أوضاع المسلمين في الغرب. وعاب عليه بعض الحاضرين من المسلمين عدم حديثه عما يقدمه العديد من المسلمين للبلدان التي يعيشون بها في أوروبا والغرب عامة، تعمد تجاهل نسبة هجرة الأدمغة والعلماء المسلمين للغرب ومدى مساهمتهم في تحقيق المزيد من التقدم هناك.

مسلموا أوربا ومسلموا أمريكا

أكد المتحدثون الثلاثة على أن هذه الندوة تعبر عن اهتمام الولايات المتحدة بالإسلام في القارة الأوروبية، وإذا ما كانت العناصر الإرهابية هناك تعادي الولايات المتحدة. وكانت هناك موافقة عامة على أن الاهتمام الأمريكي بمسلمي أوروبا هو جزء هام في إستراتيجية الولايات المتحدة فيما تسميه حربها ضد الإرهاب الدولي.

وعلى العكس من المسلمين في القارة الأوروبية، ينخرط مسلمو الولايات المتحدة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأمريكية بصورة كبيرة، ويعتبر مستوى دخل المسلمين أكبر من مستوى دخل المواطن الأمريكي غير المسلم. أما في القارة الأوروبية، فنجد الكثير من المسلمين، وخاصة الجيل الثاني منهم، غير قادرين على الإحساس بهويتهم، فالمجتمعات الأوروبية تختلف عن المجتمع الأمريكي ( مجتمع مهاجرين) الذي تنصهر فيه جميع الأجناس والأعراق في بوتقة واحدة، فالمجتمعات الأوروبية تلفظ الغرباء وتأبى أن تحتضنهم في كنف العباءة القومية وبالتالي يشعر الشباب المسلم بعدم وجود هوية محددة لهم.

وفي نهاية المؤتمر ذكر السيد جون ستيليدس John Sitilides ( رئيس برنامج جنوب أوروبا بمعهد ويلسون) الحاضرين بأن الولايات المتحدة مهتمة بقضية الإرهاب في كل أرجاء العالم، وأن هذا المؤتمر إنما هو دليل كبير على ضرورة معرفة الأطراف المختلفة، والأفكار المتنوعة، ولا يعني ذلك أن يؤخذ كل المسلمين بجريرة أقلية متعصبة. وقال إن هذا المؤتمر هو محاولة من المحاولات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية لتحسين الوضع الذي أصبح يعيش فيه المسلمون في الغرب بعد أن أصبح الإرهاب مفهوما ملازما للإسلام.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-4-7-2006