رؤى متناقضة للعلاقات بين ليبيا وأمريكا .. تطور تاريخي أم بطء شديد

 

 

قبل عدة أيام من مراجعة الإدارة الأمريكية الدورية (كل ستة أشهر) للائحة الدول التي ترى واشنطن أنها تدعم الإرهاب الدولي في التاسع والعشرين من هذا الشهر، عقد مؤتمر هام لمناقشة ملفات العلاقات المتطورة بين ليبيا والولايات المتحدة في العاصمة الأمريكية واشنطن.

وتناول المشاركون في المؤتمر الذي جاء بعنوان "إعادة التواصل الأمريكي الليبي - النظر للأمام U.S. – Libya Re-Engagement -The Path forward” آفاق ومستقبل العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين الدولتين. وتحدث وشارك بالمؤتمر لفيف كبير من كبار المسئولين الحكوميين، وغير الحكوميين من المعنيين بملفات العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وليبيا.

وكانت الولايات المتحدة قد قامت في عام 2004 برفع جميع العقوبات المفروضة على ليبيا عدا تلك المرتبطة بوجودها على قائمة الدول الراعية للإرهاب في أعقاب إعلان ليبيا التاريخي عن اعتزامها التخلص من أسلحة الدمار الشامل لديها في نهايات عام 2003.

أمريكا: تطور تاريخي في العلاقات مع ليبيا

رأي المشاركون الأمريكيون أن ملف العلاقات مع ليبيا وما شهده من تطور خلال السنوات الثلاث الماضية يمثل أكبر نجاح في السياسة الخارجية الأمريكية خلال حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش. وذكر نائب الكونغرس توم لانتوس (ديمقراطي –كاليفورنيا) "أن تطور العلاقات مع ليبيا يمثل أهم نجاح للدبلوماسية الأمريكية، ويأتي ذلك مباشرة قبل التطور في العلاقات مع الهند التي تمثل المركز الثاني". وأضاف لانتوس إنه التقى عدة مرات مع الزعيم الليبي معمر القذافي الذي أخبره بكيفية توصله لقرار التخلي عن أسلحة الدمار الشامل. وذكر لانتوس على لسان القذافي انه بعد أن ذكر له زعيم عربي لم يسميه، ما خلاصته، أنه حتى مع إمتلاك أسلحة نووية، فمن المستحيل استخدامها! قرر القذافي وبمحض إرادته التخلص من جميع أسلحة الدمار الشامل الليبية.

ووصف عضو الكونغرس الأمريكي الزعيم الليبي بالزعيم الذكر البارع بسبب إدراكه لعدم وجود أي جدوى من امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ووصفه بزعيم ينتمي للمدرسة الواقعية. وتمني لانتوس أن يتعظ النظام الإيراني والنظام الكوري الشمالي من الخبرة الليبية وينبذا برامجهما لتطوير وإنتاج أسلحة دمار شامل.

وذكر المتحدث ما تثيره البيروقراطية المعقدة في كلا البلدين من تأخير تطور العلاقات في مجالات عديدة، وخص بالذكر عوائق شراء مقر جديد للسفارة الأمريكية في طرابلس كمثال على هذه الصعوبات البيروقراطية، إضافة إلى قضية تأشيرات السفر بين البلدين. ويذكر أنه ما زالت هناك العديد من الصعوبات تتعلق بمنح الليبيين والأمريكيين تأشيرات دخول للدول الأخرى.

وحث لانتوس ليبيا أيضا على إرسال المزيد من الطلاب للدراسة في الجامعات والمعاهد الأمريكية.

وأخيرا طالب لانتوس بعدم توقع الكثير فيما يختص بقضية حقوق الإنسان، ورغم تكراره أن هذه القضية تمثل أحد مبادئ أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، ولا يجب أن تحيد أمريكا عنها مما حدث.

ومثل قطاع الأعمال الأمريكي الجمعية المنظمة للمؤتمر، وجاء على لسان السيد ديفيد جودوين مدير الجمعية الأمريكية الليبية للأعمال ما يمكن اعتباره دعوة الحكومة الأمريكية لاتخاذ عدة  مبادرات وخطوات للإسراع بتحسين العلاقات مع ليبيا من أهمها:

- إخراج ليبيا من لائحة الدول المدعمة للإرهاب الدولي، حيث أن استمرارها ضمن هذه اللائحة يضر بمصداقية الولايات المتحدة.

- الإسراع بإرسال سفير أمريكي لليبيا وتعيين دبلوماسيين أمريكيين هناك بعد فتح مقر جديد للسفارة الأمريكية.

- زيادة الزيارات الرسمية بين مسئولي البلدين، وتمني جودوين رؤية وزير الخارجية الليبي ورئيس الوزراء الليبي في واشنطن.

- فتح السوق الليبي للشركات والمستثمرين الأمريكيين.

أما مساعد وزيرة الخارجية ديفيد ويلش فذكر الحاضرين بأن وجود علاقات جيدة بين دولتين ما، لا يعني وجود خلافات ومشاكل معلقة يجب بحثها والتشاور بخصوصها. ودائما ما أثارت الولايات المتحدة قضية استمرار اعتقال  فتحي الجهمي، الذي أطلق سراحه عام 2004 ثم أعيد اعتقاله بعد أن استمر في المطالبة بالإصلاح الديمقراطي. وعاد المسئول الأمريكي وجدد دعوة حكومته للحكومة الليبية إلى الإفراج عن المعارض الليبي فتحي الجهمي، ودعا ويلش أيضا إلى ضرورة سرعة تسوية قضية الممرضات البلغاريات بما يؤدي إلى الإفراج عنهم وعودتهم لوطنهم.

وعاد وأكد ويلش على أن التجربة الأمريكية في التعامل مع ليبيا يجب أن تمثل نموذجا تحتذي به الدول الأخرى التي لها خلافات كبيرة مثل كوريا الشمالية وإيران. وتظهر التجربة الليبية إمكان حل المشكلات المعقدة مثل ملفات أسلحة الدمار الشامل دون الحاجة  إلى استخدام الأدوات العسكرية.

وقال ويلش إنه في الفترة القصيرة الماضية قطعت العلاقات بين واشنطن وطرابلس أشواطا كبيرة للأمام، وانتقلت تلك العلاقات من عداء كبير إلى علاقة يمكن للطرفين أن يناقشوا فيها قضايا هامة تصب في مصلحتهما.

ليبيا: تطور العلاقات ليس كاف بعد!

المشاركون الليبيون في المؤتمر حذروا الولايات المتحدة من مغبة استمرار فرض بعض العقوبات على ليبيا، وذكروا الجانب الأمريكي بأن العالم يتابع عن كثب ملف العلاقات الليبية الأمريكية وهل يجب أن يكون بديلا تحتذي به دول مثل إيران وكوريا الشمالية . وأكد الجانب الليبي أن عرقلة وتأخير تطبيع العلاقات يبعثان بإشارات سلبية للدول التي على خلاف كبير مع الولايات المتحدة.

وعرضت رؤية ليبيا للقضايا الخلافية على لسان سفيرها في واشنطن السيد علي أوجالي الذي رد على مطالب المتحدثين الأمريكيين الذين طالبوا الحكومة الليبية بأن لا تكون حساسة للنقد الأمريكي، سواء من جانب المسئولين الحكوميين، أو من جانب الإعلام الأمريكي، وذلك لأن حدوث هذا النقد هو من طبيعة النظم الديمقراطية التي ينتقد فيها أولا الإدارة الحاكمة قبل توجيه أي نقد للدول الأخرى.

وردا على رفع الولايات المتحدة قضايا حقوق الإنسان بشكل منتظم على أعلى المستويات مع المسئولين الليبيين، وما تقوم به واشنطن من حث طرابلس بصورة متكررة على الالتزام بمواثيق وبروتوكولات حقوق الإنسان الدولية، وما تقوم به واشنطن من علانية نقد انتهاكات ليبيا لحقوق الإنسان، ذكر السفير الليبي أن قضية حقوق الإنسان ليست قضية أمريكية، ولا ليبية، بل هي قضية ذات بعد عالمي. وبرر سوء السجل الليبي في هذا المجال بسبب حداثة الاهتمام العام بمثل هذه القضايا في دول خضعت لاستعمار أجنبي لعقود كبيرة. ونفي أن تكون قضية حقوق الإنسان تمثل عائقا في تطور هذه العلاقات.  

وأخيرا دعا السفير الليبي الولايات المتحدة إلى اغتنام الفرصة الممثلة في رغبة المئات من الطلاب الليبيين في القدوم والتعلم في الجامعات الأمريكية، حيث أنهم في ظل وجود العوائق الحالية يتجهون إلى الدول الأوروبية وكندا واستراليا عوضا عن الولايات المتحدة.

انتقادات أمريكية باقية

وصف تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الذي صدر منذ عدة أسابيع نظام الحكم في ليبيا بأنه سلطوي يقوده العقيد معمر القذافي منذ عام 1969، وأن سجل الحكومة الليبية في مجال حقوق الإنسان لا يزال سيئا، وأشار التقرير إلى استمرار الحكومة في ارتكاب انتهاكات عديدة وخطيرة لحقوق الإنسان. وأشار التقرير إلى وجود جهاز امني واسع يراقب أنشطة الأفراد ويتحكم فيها، ويضم هذا الجهاز وحدات عسكرية ووحدات من الشرطة وأجهزة استخبارات متعددة، ولجان ثورية محلية، ولجان شعبية، ولجان "تطهير". وتمتلك قوات الأمن طبقا للتقرير الأمريكي سلطة فرض الأحكام على الأشخاص بدون محاكمتهم، وارتكبت قوات الشرطة مختلفة انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك استعمال التعذيب، والاعتقالات التعسفية، واحتجاز الأشخاص دون السماح لهم بالاتصال بذويهم.

شارك في المؤتمر من الحكومة الأمريكية مساعد وزيرة الخارجية لشئون الشرق الأوسط ديفيد ويلش، وهو أحد مهندسي العلاقات الليبية الأمريكية، كذلك شارك دوجلاس بيل ممثل مكتب الشرق الأوسط بمكتب الممثل التجاري الأمريكي. ومن وزارة التجارة الأمريكية، شارك ماثيو بورمان مساعد  الوزير لإدارة الصادرات، إضافة إلى رئيس الأقلية الديمقراطية في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي النائب توم لانتوس. وشارك من الجانب الليبي وزير التخطيط الدكتور طاهر جهيمي، والسفير الجديد بواشنطن السيد علي اوجالي. 

وجاء المؤتمر برعاية مؤسسة جديدة تسمي "الجمعية الأمريكية الليبية للأعمال"، وتعرف اختصارا باسم USLBA وهي مؤسسة غير ربحية تخدم أعضاءها، مقرها واشنطن العاصمة، وقام بالمشاركة في تأسيسها مجموعة ممثلي العديد من شركات الطاقة الأمريكية. وتهدف هذه المؤسسة إلى تقوية العلاقات الثنائية الليبية الأمريكية وزيادة التجارة والاستثمارات بين البلدين. كذلك شارك في رعاية المؤتمر معهد الشرق الأوسط  الذي يرأسه حاليا إدوارد ووكر مدير قسم الشرق الأدنى بوزارة الخارجية في عهد الرئيس كلينتون وسفير الولايات المتحدة سابقا في مصر وإسرائيل والأمارات المتحدة. ونائب رئيس المعهد هو ديفيد ماك سفير الولايات المتحدة لدى الأمارات سابقا، كما عمل كمساعد لوزير الخارجية خلال فترة حرب العراق في أوائل التسعينيات. ويعمل السفير ماك كذلك كرئيس تنفيذي لمؤسسةUSLBA.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-25-6-2006