لا تـهـدمـوا المـزيـد مـن الـجـسـور

 

 

في ظل إستمرار إختلاف لغات حوار المنتديات .. متى يتفق المسلمون والأمريكيون على تعريفات سياسية أساسية؟

يعد التوتر الخطير الناشئ بين الولايات المتحدة والدول والمجتمعات المسلمة في العالم من أعظم التحديات أمام السياسة العالمية اليوم، وتمثل مشكلة التعريفات هوة متزايدة تزداد عمقاً بما أصبحت معه عقبة خطيرة تعترض سبيل التعاون في جملة واسعة من القضايا الهامة التي تبدأ من التعامل مع الإرهاب والتطرف وصولاً إلى مساندة الحرية والتنمية البشرية.

وتستخدم لغات عدة في المنتديات التي تجمع الطرفين، ولا يقصد باللغات هنا العربية أو الإنجليزية أو حتى الأندونيسية، فتكنولوجيا الترجمات سمحت للمتحاورين من ثقافات ودول مختلفة أن يستعملوا نفس اللغة مع وجود خدمة الترجمة الفورية، إلا أن التطور التكنولوجي لم يسمح بعد بإتفاق على مضمون الكلمات وتعريف المعاني خاصة السياسي منها.

شارك تقرير واشنطن الأسبوع الماضي في المنتدى الإسلامي الأمريكي الذي عقد بالدوحة عاصمة قطر في الفترة ما بين 18-20 فبراير، وكانت تجربة فريدة للإحتكاك والمشاركة في مناقشات وحوارات هامة مع مجموعة من صانعي الرأي والسياسة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الإسلامية.

الغياب عن المنتدى

كان أول ما يلفت النظر هو غياب وجود ممثلين مباشرين عن جماعة الإخوان المسلمين المصرية (تمثل ما يقرب من 20% من أعضاء البرلمان المصري) وجماعة حماس الفلسطينية (حصلت على أغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني) والقوى السياسية الإسلامية غير الرسمية التي تستطيع تعبئة الشارع في مختلف الدول الإسلامية، وبسؤال منظمي المنتدى عن هذا الغياب، تمثلت الإجابة في أنه تم دعوة بعض ممثلي الجماعات الإسلامية في باكستان ولم يحضروا، وكذلك في وجود أشخاص من المقربين بصورة كبيرة جدا من جماعة الإخوان المسلمين المصرية كالدكتور جمال البنا (أخو المرشد الأول ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين) وهو أحد المنظرين الأساسيين لحركات الإسلام السياسي بصورة تجعل ما يقوله في مثل هذه المؤتمرات ذا أهمية قصوى.

وذكر منظمو المنتدي أنه تم توجيه دعوة إلى الكثير من ممثلي الجماعات الإسلامية الأخرى التي لم تلب الحضور، إضافة إلى محاولة إحضار حتى ممثلين من اليمين المتطرف الأمريكي..كذلك اشار المنظمون إلى وجود سعي دائم لتوسيع دوائر التمثيل في المؤتمر الذي سيعقد العام القادم حتى يتم ضمان تمثيل أكبر للحركات الإسلامية والحركات الأخرى.

ممثلو الجانب الإسلامي يقولون إنه إذا ما كانت الولايات المتحدة تسير في اتجاه عملية دعم الديمقراطية، فأنه في نهاية الأمر لا مفر من الحوار مع الحركات الإسلامية لأنها ستكون الحركات الرابحة على المدى القصير في أية انتخابات.

العراق أيضا كان من أبرز الغائبين، وكانت قضيته تثار هنا وهناك، إلا إنها غابت عن جدول الأعمال الرسمي. وقد عبر الشيخ عبد الكريم المحمداوي عضو الجمعية الوطنية العراقية والأمين العام لحزب الله العراقي عن أسفه لغياب قضية العراق عن جدول الأعمال الرئيسي للمنتدى، و ذكرها بصورة هامشية بسيطة .. رغم وجود معاناة وحرمان كبير في العراق كما ذكر الشيخ. ويري الشيخ المحمداوي أنه إذا ما كانت الولايات المتحدة تريد أن ترأب الهوة بينها وبين العالم الإسلامي فعليها أن تتذكر مأساة العراق، ونوه إلى أن نجاح الديمقراطية في العراق من شأنه أن يغير وجه الشرق الأوسط.

غياب مفاهيم مشتركة حول الديمقراطية والإصلاح والمقاومة والحرية

نفى السيد صادق المهدي أن تكون أزمة الثقة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة هي نتاج عدم معرفة حقيقية بالعالم الإسلامي، مشيرا إلى أن النهج الذي يتخذه المحافظون الجدد في أمريكا  آثر سلبا على هذه العلاقة.

وطالب المهدي أن توازن الولايات المتحدة بين سياساتها بين العالم الإسلامي وإسرائيل وألا تنظر نظرة أحادية تغذي التطرف القائم في السياسات الإسرائيلية.

أما مفتى جمهورية البوسنة السيد مصطفى تشيربس فقد وصف العلاقات مع الولايات المتحدة بأنها في أسوء حالاتها الآن ... ويرى السيد المفتي أن المسلمين ينظرون للعالم نظرة سوداوية حيث أنهم محل ظلم كبير، وبرهن على ذلك بان المسلمين يشكلون 70% من إجمالي عدد اللاجئين في العالم، ومعظم الحروب الدائرة في العالم تجري على أراضيهم. و اضاف أن المسلمين  يشعرون بتعد على دينهم ومقدساتهم بالإضافة إلى عدم الرغبة فيهم، علاوة على ذلك أن المسلمين أنفسهم لا يتعاونون فيما بينهم.

وظهر جليا في مناقشات المنتدى فهم ممثلي الولايات المتحدة واحاطة انفسهم علما بكل ما يدور بالعالم الإسلامي من مشكلات وأحداث، ناهيك عن معرفتهم بالثقافات الإسلامية، وهذا يقابله معادلة صعبة كما عبر عنها مفتي البوسنة بقوله "إننا كمسلمين نقبل الغرب بجهلنا بينما يرفضنا الغرب بالرغم من علمه بنا".

مفاهيم وقضايا عديدة منها أهمية الإنتخابات في العملية السياسية الديمقراطية، وتعريف الإرهاب وحق المقاومة، ما هي غاية الإصلاح؟ وطبيعة الإسلام السياسي كانت ضمن مفاهيم ومصطلحات أستعملت كثيرا في المنتدى، إلا أن مضمونها وجوهرها كانت له معان مختلفة بين الأمريكيين ونظرائهم من الإسلاميين. وتبيان كذلك معنى ومضمون تلك المفاهيم بين العديد من ممثلي العالم الإسلامي.

مارتن إنديك رئيس مركز سابان بمعهد بروكينغز ذكر أن الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع منظمة يستمر وصمها بالإرهاب من قبل وزارة الخارجية الأمريكي على اساس أن "هذا شيء غير قانوني"، أما ممثلو الدول الإسلامية فيرون منظمة حماس منظمة تقاوم إحتلال أجنبي وتم إنتخابها في إنتخابات حرة من غالبية الشعب الفلسطيني، وعليه يجب التعامل معها بل وتشجيعها ودعمها ماليا.

من جانبها ركزت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسية العامة كارين هيوز على مشاركة المسلمين الولايات المتحدة نفس المخاطر الدولية بعد مرور خمس سنوات على احداث 11 سبتمبر الارهابية. وترى السيدة هيوز أن أهم ما يجب يدرك العالم الإسلامي من دروس هامة لتلك الاحداث:

- أن الأمريكيين وشعوب العالم الإسلامي يواجهون تهديدا مشتركا يجب على الجميع مواجهته. يتمثل التهديد بالمفهوم المريكي في الإرهاب، وأكدت هيوز على أن الأرهاب هاجم الولايات المتحدة والعديد من الدول الإسلامية، لذا يجب على الجميع مواجهته.

- خصوم الولايات المتحدة والعالم الإسلامي يحاولون جعل مسألة الإرهاب مسألة دين، رغم أن كل الأديان تحرم ما يقوم به الإرهابيون من إستغلال للدين لتبرير قتل مدنيين أبرياء، واكدت هيوز على أن على الجميع منعهم من الإستيلاء على الدول الإسلامية.

لقطات

- جمع منتدى أمريكا والعالم الإسلامي قادة من مجالات السياسة والإعلام والتجارة والمجال الأكاديمي والمجتمع المدني من الولايات المتحدة ودول العالم الإسلامي بما في ذلك المجتمعات الإسلامية في أسيا وأوروبا وأفريقيا.

- شارك في منتدى هذا العام 173 مشاركا من 38 دولة من خلفيات مختلفة بمن في ذلك من نخبة سياسية وتجارية وفنية ممثلين عن منظمات المجتمع المدني وقادة الأقليات. وضم المنتدى 6 من رؤساء الدول السابقين، و 16 وزيرا.

- شهد المنتدى تركيزا جديدا على دور الفنون والثقافة من الولايات المتحدة والعالم الإسلامي من أجل رأب الصدع بين الطرفين. وتم الإتفاق على إطلاق مهرجانات فنية متتابعة وحلقات بحث من أجل عقد ورش عمل في هوليوود وواشنطن لتوسيع المناقشات وتحقيق ارتباط أفضل بصانعي القرارات.

في النهاية

 يبقى الشيء الأكثر أهمية هو أن الوضع الراهن يتغير بصورة مطردة، وفي ظل إستمرار التعرض لعوامل مثل العولمة، يصبح الأنعزال عن الأخر فكرة خيالية لا تعرف الواقع، والعلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي هي علاقات تتطور (ليس بالضرورة للأفضل) بصورة مستمرة.

وهذا التغير المتواصل يحدد شكل كل شيء، من النقاشات حول دور الدين في السياسة، إلى التفاعل بين الفنون والثقافة الشعبية وإدراك كل طرف للآخر. ويجب معها محاولة فهم تفاصيل التغيير التي تلوح بالأفق. والمنتديات والحوارات لن تحل قضايا هامة (وليس مطلوبا منها ذلك) إلا أنها تسمح بتواصل حوار لا بد منه رغم إختلاف لغته.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد47