مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث يعقد حلقة نقاشية حول توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات في الدستور العراقي

 

  

للأهمية المتعاظمة لمسألة توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات، والمشاكل التي قد تحدث عند تطبيقها، ومن اجل تسليط الضوء على هذا الموضوع. أقام مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، حلقته النقاشية السادسة، حضرها نخبة من الباحثين، قدموا من خلالها أوراق عمل حول موضوع الاختصاصات وتوزيعها بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم والمحافظات وبعض تطبيقاتها في بعض الدول الاتحادية، بالإضافة إلى بعض المداخلات. قسمت محاور الحلقة إلى محورين.

المحور الأول: دراسة

تناول الأستاذ حسن المسعودي (أستاذ في كلية القانون_ جامعة كربلاء) مسألة توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم في الدستور الأمريكي والدستور السويسري.

مبتدأ حديثه بتعريف الفدرالية على أنها نظام توزيع الصلاحيات بين حكومتين أو أكثر، تمارسان السلطة على مجموعة الناس نفسها وعلى الإقليم الجغرافي ذاته.

فيما أشار في ورقة عمله إلى إن أنظمة الحكم الأحادي وهي الأكثر شيوعا في العالم لديها مصدر واحد للسلطة وهي الحكومة المركزية أو الحكومة القومية (حكومة كل البلاد).

ومع ان الديمقراطية يمكن أن تزدهر في ظل أي من نظامي الحكم فأن الفارق بين شكلي الحكومة هو فارق حقيقي ومهم، فبريطانيا مثلا لديها حكم أحادي ويتمتع برلمانها بسلطة العليا فيما خص كل الأمور التي تحصل داخل المملكة المتحدة، وحتى إذا فوض بعض الصلاحيات لهيئات أخرى في الشؤون المحلية فباستطاعة البرلمان أن يفرض على البلدات أو المدن أو المقاطعات كل ما يراه مناسبا، فهو يستطيع حتى إلغاء مدن أو مقاطعات أو تغيير حدودها إذا شاء.

أما في الولايات المتحدة فالوضع مختلف تماما، فقوانين الحكومة القومية ومقرها واشنطن تطبق على أي فرد يعيش داخل حدود البلاد، في حين تطبق قوانين حكومات كل من الولايات الخمسين على الناس المقيمين في تلك الولايات فقط بموجب الدستور الأمريكي.

ثم أن الحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة تتمتع بالصلاحيات الحصرية في: تنظيم التجارة بين الولايات والتجارة الخارجية. وسك النقود، ومنح الجنسية للمهاجرين، وتشكيل القوات العسكرية وتدريبها، وشؤون الدفاع الأخرى. كما وتكون لها السيطرة التامة على الشؤون الخارجية.

أما في مجال السياسة الداخلية فقد تكون هناك مصالح متوازية ومتداخلة بين الحكومة الاتحادية وبين حكومات الولايات، بحيث يمكن ممارسة السلطة من قبل الحكومة المركزية وحكومات الولايات، واهم هذه السلطات المتزامنة مثلا سلطة فرض الضرائب.

وفي المجالات التي لا يذكر الدستور أنها من اختصاصات الحكومة المركزية، فيمكن لحكومات الولايات أن تتولى السلطة فيها، شرط أن لا يتناقض عملها مع الصلاحيات التي يمكن للحكومة المركزية أن تمارسها قانونا. لذا قد تبنى واضعوا الدستور الأمريكي بعض الاستراتيجيات لتحاشي وقوع نزاع بين مستويي الحكم، خاصة في مجال استخدام الصلاحيات المتزامنة وهذه الاستراتيجيات تتمثل في: إعطاء الدستور الاتحادي سيادتا وسموا أعلى من دستور الولايات، ففي حالة وجود تعارض بينهما يطبق الدستور الاتحادي.

ومن محاسن هذا النظام حسب وصف علماء السياسة بأنه نظام فدرالي تعاوني. إذ إن القدرة الفدرالية تكمن في استيعاب القضايا المحلية والتي تسهم في بناء الديمقراطية عن طريق إضفاء طابع اللامركزية على العمل السياسي. حيث توصف الولايات بأنها مختبرات ديمقراطية.

وبالحديث عن النظام السياسي السويسري الذي يعد نظاما ديمقراطيا برلمانيا يختلف عن النظم الرئاسية والبرلمانية التقليدية. هذا النظام الذي صاغته الصراعات الدينية والاثنية واللغوية، والتي استمرت على مدى قرون قبل أن تنصهر الدولة السويسرية في دولة فدرالية محايدة ومتعددة اللغات.

ويعتبر فهم نظام الحكم المحلي هو المدخل الرئيسي لفهم النظام السياسي السويسري ككل. فالكانتونات وأنصافها ليست مجرد وحدات إدارية تابعة للحكومة المركزية، بل هي وحدات مستقلة تدار ذاتيا وديمقراطيا. وتتمتع باختصاصات وصلاحيات واسعة جدا تشمل ميادين السياسة العامة كافة، بما في ذلك التدريب العسكري.

أما السلطة التشريعية في سويسرا، تباشرها الجمعية الفدرالية، وتتكون من مجلسين يتم اختيار أعضائهما بالاقتراع العام السري المباشر، في المجلس النيابي يتم إعطاء كل كانتون مقعدين، ولكل نصف كانتون مقعد واحد. والغرض من إنشاء هذا المجلس هو إعطاء دور رئيسي للكانتونات وأنصافها في عملية صنع القرار الفدرالي.

أما المجلس القومي، فيتكون من (200) مقعد، يتم شغل مقاعده بالتمثيل النسبي، أي أن يكون لكل عدد معين من الناخبين ممثل واحد وتتوزع على الكثافة السكانية للكانتونات، مع ضمان تمثيل الكانتونات الصغيرة.

كما ويمكن لأي من المجلسين الاعتراض على تشريعات المجلس الآخر، كما ويمكن الرجوع إلى الناخبين مباشرتا لاستفتائهم في قضايا معينة أذا طلب ذلك (30000 ) ناخب.

لذا يتبين مما تقدم بأن كل من الدستور الأمريكي والدستور السويسري يعطي صلاحيات واسعة للأقاليم، يذكر صلاحيات محددة للمركز، ويترك ما عداها للأقاليم. إلا إن الدستور السويسري قد أعطى صلاحيات أوسع من نظيره الأمريكي للأقاليم ، وذلك بأن ادخل التدريب العسكري ضمن صلاحيات الكانتونات في حين إن الدستور الأمريكي أعطى هذه الصلاحية للمركز.

أما ما يتعلق بقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، فقد حددت المادة (25 ) منه صلاحيات محددة للحكومة المركزية، كذلك فعلت مسودة الدستور العراقي الجديد في بابيها الرابع والخامس، عندما حددت في الباب الرابع سلطات حصرية للمركز وترك ما عداها للأقاليم أو المحافظات.

وعلق الشيخ مرتضى معاش على ورقة الاستاذ المسعودي قائلا:

أن إكثار القيود على الأقاليم من شأنه أن يعرقل عملية البناء الديمقراطي الذي ينتظره العراقيون، بل من الضروري أن يكون القيد الوحيد على سلطات الأقاليم هو ضرورة عدم مخالفة أي اختصاص يمارس من قبل الأقاليم للدستور المركزي.

المحور الثاني: توزيع الاختصاصات في مسودة الدستور العراقي 

افتتح الأستاذ خالد المعموري (أستاذ في كلية القانون _ جامعة كربلاء) ورقة عمله بالإشارة إلى أن موضوع الاختصاص في الدستور العراقي الجديد قد حدد من المادة (106–121).

وبالرجوع إلى هذه المسودة نرى إن المشرع الدستوري العراقي عند توزيعه إلى هذه الاختصاصات قد تبنى أسلوب التعداد الحصري لاختصاصات السلطة الاتحادية، وما عداها يعد داخلا في اختصاصات سلطات الأقاليم والمحافظات.

يضاف إلى ذلك إن المشرع الدستوري قد عدد أيضا بعض الاختصاصات ووصفها بأنها ( مشتركة ) بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم ( المادة 110).

أما حكم الاختصاصات المشتركة فقد تناولتها المادة (111)، حيث نصت على إن كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية تكون من صلاحيات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما. ويتضح من هذه المادة بأنها تعطي قوة اكبر للأقاليم والمحافظات على حساب السلطة الاتحادية، وذلك بمجرد حدوث خلاف بينهما تكون الأولوية لسلطات الأقاليم والمحافظات. وهنا يمكن القول لا فائدة قانونية حقيقية من وجود نص المادة (110) التي تتحدث عن الاختصاصات المشتركة طالما إن هذه الاختصاصات تنتقل من أحضان السلطات الاتحادية إلى سلطات الأقاليم والمحافظات. وهنا يمكن أن يثار تساؤل هو:

لماذا نص المشرع العراقي على المادة (110 ) طالما أنها ستنتقل بموجب المادة (111 ) إلى اختصاصات سلطات الأقاليم. بمعنى هل هناك حكمة تشريعية من إيراد هذا النص. وللإجابة على هذا السؤال لا بد من الحديث عن نقطة أساسية مهمة.

يبدو إن المشرع الدستوري كان متفائلا في السير بالأمور بين سلطة الاتحاد وسلطات الأقاليم والمحافظات على نحو من الإحساس الوطني الممزوج بالتقدير العادل والسليم للمصالح المشتركة بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم والمحافظات.

وتكشف لنا تجارب الدول الاتحادية إن واقعها العملي افرز نزوعا من قبل الدويلات الداخلة في الاتحاد. على حرص هذه الدويلات على تحقيق اكبر قدر ممكن من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين فيها هذا من جهة.ومن جهة أخرى حسنا فعل المشرع الدستوري عندما عدل نص الفقرة(8)من المادة ( 107 ) التي نصت على أن تخطيط السياسات المتعلقة بالمياه وتوزيعها العادل داخل العراق.

فأضاف فقرة توزيعها العادل داخل العراق، لأنه في حال عدم وجود هذه العبارة، كانت ستمثل مشكلة داخل العراق بموجب النص القديم قبل أن تسلم مسودة الدستور إلى الأمم المتحدة، لم تكن عبارة توزيعها العادل داخل العراق يكون من صلاحيات السلطة الاتحادية وإنما كان بإمكان قانون اقليم أن يقوم بالأمر وينظم مسألة دخول الماء داخل العراق.

كذلك المادة (108 ) في موضوع النفط والغاز هما ملك للشعب العراقي، أما المادة (109 ) فأنها تثير تساؤل حول الوضع القانوني لهذه المادة التي تتكلم عن النفط والغاز ورسم السياسات الإستراتيجية اللازمة لتطويرها، فهل تدخل هذه المادة في الاختصاصات الحصرية أم تدخل في الاختصاصات المشتركة.

في الواقع إن نص هذه المادة واضح في وصفها على إنها مشتركة،ولكن المشرع الدستوري في المادة (111 ) أعطى إمكانية لقانون الإقليم أن يتغلب على السلطة الاتحادية. فهل ستصبح المادة (109 ) محكومة مثل المادة (110 ) والمادة (111 ).

فقد وردت المادة ( 109 ) بعد الحقيقة التي اعترفت بها المادة (108 ) وهي إن النفط والغاز هما ملك الشعب العراقي، ولكن صياغة هاتين الفقرتين في هذه المادة تشير بوضوح إلى إن الحكومة الاتحادية تقوم بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة على أن توزع...

أما الفقرة الثانية فتنص على إن الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة تقوم معا برسم السياسات الإستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز...

يفهم من هاتين الفقرتين إن هذا الاختصاص ليس حصريا للحكومة الاتحادية وإنما هو مشترك مع سلطات الأقاليم والمحافظات المنتجة.

ومن هنا تتبين الخطوات، إذ سيكون حكم هذه المادة كحكم المادة التي تليها ( 110 ) التي نصت على الاختصاصات المشتركة بدون أل التعريف وليس الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم.

إن عدم إضافة أل التعريف إلى الاختصاصات الواردة في المادة (110 ) سيجعل المادة (109 ) محكومة بالمادة ( 111 ) أي خضوعها لقانون الإقليم والمحافظات المنتجة. بعبارة أخرى إن الحكم سيكون مختلف جدا من الناحية القانونية فيما لو كان نص المادة ( 110 ) على الشكل التالي ( تتكون الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم مما يأتي ) وهنا يتبين الفرق في الصياغة بدلالة الألفاظ بين ( تتكون الاختصاصات الآتية مشتركة وبين تتكون الاختصاصات المشتركة...) فالعبارة الأخيرة تحدد ما هو مشترك من الاختصاصات، أما العبارة الأولى فتشير إلى إن هناك اختصاصات أخرى مشتركة. ويؤكد هذا الكلام ما جاء في المادة (109 ) وهذا يشير إلى وجود أربعة أنواع من الاختصاصات:

1- اختصاصات حصرية (107 ).

2- اختصاصات مشتركة دوما ( 108 – 109 ).

3- اختصاصات مشتركة لفترة زمنية مؤقتة ( 110 ).

4- اختصاصات غير محددة ( وهو كل ما يخرج من الأنواع الثلاث السابقة يدخل في نطاق اختصاصات الأقاليم والمحافظات.

وبموجب هذه الصياغة قد حصرنا الاختصاصات المشتركة، وما دام النفط والغاز ليس من بينها فيعد اختصاصا ذا وضع قانوني خاص، فهو ليس باختصاص حصري للسلطة الاتحادية، وهو ليس في عداد الاختصاصات الداخلة في سلطات الأقاليم والمحافظات، كما انه ليس اختصاصا مشتركا يحظى بحكم المادة (111 ) وإنما هو اختصاص مشترك ويبقى مشترك بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم والمحافظات المنتجة. لذا نرى من الضروري إجراء تعديل على نص المادة (110 ) بإضافة أل التعريف إلى ( الاختصاصات المشتركة) وبعكسه فأن الدلالة اللغوية لمنطوق المادة (110 ) سيشمل النفط والغاز باعتباره اختصاصا مشتركا، حاله حال الأمور التي عالجتها المادة (110 ). والواقع إن هذا الحل هو الذي ينسجم مع قصد المشرع الدستوري، ذلك لأنه أورد هذه المادة بشكل مستقل عن الاختصاصات الحصرية وبشكل مستقل عن الاختصاصات المشتركة، وبشكل مستقل عن الاختصاصات الأخرى التي تعطى للأقاليم والمحافظات.

وفي إطار الأسئلة التي وجهت إلى الباحثين، توجه الشيخ مرتضى معاش، رئيس مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث بسؤال: فيما لو إن سلطة الإقليم شرعت قانونا بمنع السفور مثلا، فهل يحق للمواطن تقديم دعوى إلى المحكمة الدستورية بأن هذا التشريع يخالف الدستور، ومن ثم فأنه يطالب بإلغاء هذا التشريع داخل الإقليم.

هنا من حق أي مواطن أن يلجأ إلى المحكمة الاتحادية العليا، يطالب فيه إلغاء أي قانون أو تشريع غير دستوري،ولكن قد يواجه بالفشل بخصوص المثال أعلاه،وذلك بسبب وجود المادة(17 )الفقرة الأولى منها ( لكل فرد الحق بالخصوصية الشخصية بما لا يتناقض مع حقوق الآخرين والآداب العامة ) وبالتالي قد ترد دعواه إليه من باب إن ظاهرة السفور تخالف الآداب العامة في ذلك الإقليم. وربما تكون مسألة تقديرية تعود إلى المحكمة الدستورية التي تقدر الحالة حسب الوضع، أي إن مدينة كربلاء مثلا لها وضعها الخاص. وهكذا بقية الحالات.

ولكن قد تكون في هذه الحالة بأن يكون الدستور الاتحادي هو السند القانوني لهذه الدعوى، فيكون في هذه الحالة إلغاء كل قانون أو تشريع يخالف الدستور الاتحادي. فإذا كان الدستور الاتحادي قد أعطى هذا الحق للمواطن فليس لسلطة الإقليم سن قانون أو تشريع يخالف ذلك الحق وحسب المادة _13 ).

وفي توضيح تقدم به الأستاذ خالد عليوي المعاون العالمي لمركز الفرات للتنمية والدراسات والأستاذ في كلية القانون جامعة كربلاء أشار فيه إلى:

أ- قضية المياه، والنفط، والغاز كان من الضروري أن تكون كل الثروات ملك الشعب العراقي، وليس النفط والغاز فقط. فهناك الفوسفات مثلا.

ب- في مجال الاختصاصات: إن دستور الهند مثلا قسم الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم إلى أربعة أنواع هي:

1- اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية.

2- اختصاصات حصرية لسلطات الأقاليم.

3- اختصاصات مشتركة بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم، ولكن في حالة حصول تنازع بينهما تكون الأولوية للدستور الاتحادي.

4- اختصاصات مشتركة بين السلطة الاتحادية وسلطات الأقاليم، ولكن في حالة حصول تنازع بينهما فأنه الأولوية تكون للأقاليم.

للمزيد من المعلومات مراجعة موقع المركز على الانترنت:

http://www.shrsc.com