التجربة الإسبانية والإصلاح السياسي العربي

 

 

دعا نادي مدريد، وهو مجموعة أممية تضم 54 رأس دولة ورئيس حكومة سابقين منتخبين، والمعهد الوطني الديمقراطي NDI، وهو هيئة أمريكية منتسبة للحزب الديمقراطي الأمريكي، إلى حلقة نقاش حول النظم السياسية والحكم المحلي جرت فعالياتها في مدريد هذا الشهر في الفترة ما بين 11 إلى 13 منه.

وجهت الدعوة لممثلي بعض الدول العربية التي تشهد حراكا سياسيا: سبعة من السعودية، وواحد من كل من لبنان والمغرب والبحرين، وحضرت بصفتي عضوا في نادي مدريد. أولئك المدعوون لا يمثلون حكومات بلادهم ولا يمثلون معارضة خارجية ولا سرية، بل يمثلون تيارات داخلية معتدلة. فالبلدان التي تعترف بالأحزاب السياسية كالمغرب ولبنان والسودان مثلتها أحزاب سياسية، وممثل البحرين هو رئيس البلدية المنتخب فيها، أما السعوديون فيمثلون نشطاء منظمات مدنية بعضهم من النواب المنتخبين في المجالس البلدية المحلية.

ألقى الحاضرون العرب الضوء على طبيعة الحراك السياسي الراهن في بلدانهم وبينوا الحقائق الآتية:

أولا: ان بلادهم تشهد حراكا سياسيا إصلاحيا حقيقيا.

ثانيا: ان الحراك السياسي يواجه عقبات يساعد الرافع الخارجي على تخطيها.

ثالثا: ان النضال السياسي ونبذ العنف أجدى في سبيل التحول الديمقراطي لأن العمل المسلح يعطي السلطات الحاكمة شرعية القمع دفاعا عن النفس، ويدق اسفينا بين النضال الوطني الديمقراطي والرافع الخارجي المؤازر له.

رابعا: ان العمل من أجل الإصلاح الديمقراطي في البلدان العربية يفتقر للتضامن والتنسيق ويحتاج لآلية تحقق ذلك وتجري الحوار المطلوب مع الحكام. وتحدد كيفية التعاون مع الرافع الخارجي.

خامسا: هناك حاجة للتعاون وتبادل الخبرات بين القوى الديمقراطية العربية.

هذه الرؤى تلخص الرأي الغالب بين المشاركين، ولكن حلقة النقاش لم تصدر توصيات بل اكتفت بدور اللقاح الفكري، وهو دور يكاد يكون مفقودا بين القوى العاملة من أجل التحول الديمقراطي في العالم العربي.

كانت إسبانيا البلد الأوربي الذي تمددت فيه الحضارة العربية الإسلامية، وعبره انتقلت لأوربا وأشعلت فتيلة التنوير فيها فنهض التلميذ بينما خلد الأستاذ لسنة أهل الكهف!. وهو ما غمطه التاريخ الأوربي في وقت ما خوفا من الحضارة الإسلامية التي نافسته وهددت وجوده كما أكد كثير من المستشرقين المنصفين..

والسؤال:

هل تصير إسبانيا مرة أخرى قناة توصيل: من أوربا للعرب هذه المرة ؟ !

رتبت حلقة النقاش لعدد كبير من المشرفين على التحول الديمقراطي في إسبانيا لكي يخاطبوا أعضاءها، فتحدث عن التجربة الإسبانية صناعها: رئيس الديوان الملكي، ورئيس الوزراء المسؤول عنها فيليب غونزالس، وممثلون لأهم الأحزاب السياسية الإسبانية المشاركة فيها...

أجمع المحاضرون على أن العوامل التي أوجبت التحول الديمقراطي في إسبانيا وأنجحته هي:

أولا: وجود ثقافة ديمقراطية متجذرة استعصى على الديكتاتورية اقتلاعها.

ثانيا: في أواخر عهد الطاغية فرانكو زادت حركة الضغط الديمقراطي.

ثالثا: فرانكو اقتنع بعدم صلاحية الحكم العسكري فاختار نقل السلطة لملك هو الوريث الشرعي للملك.

رابعا: الملك المختار رجل بعيد النظر اقتنع بأن التراضي الوطني لا يمكن تحقيقه إلا في إطار ديمقراطي، واقتنع بأن مستقبل إسبانيا أوربي وهذا لا يمكن تحقيقيه إلا إذا صارت إسبانيا كسائر ملكيات أوربا ملكية دستورية. لذلك وبعد وفاة فرانكو صار جوان كارلوس ملكا مطلق السلطات، فقرر طوعا التخلي عنها عبر حوار جامع لم يستثن أحدا:

من الكنيسة الكاثوليكية ذات النفوذ القوي في اليمين، إلى الحزب الشيوعي ذي الوزن المعلوم في اليسار...حاول عدد من العسكريين وقف هذا التحول ولكن الملك تصدى لهم مدافعا عن خطته، والنتيجة أن إسبانيا نعمت بثلاثين عاما من الحرية والتنمية والاستقرار محققة معجزة سياسية ومعجزة اقتصادية ومنخرطة في رحمها الأوربي، ولحقت بموكب الإنسانية الصاعد بعد أن كانت من مطاريده. تناول المحاضرون الإسبان تجربة الحكم المحلي الديمقراطي، والمدهش فيها أنها أتت بعد التحول الديمقراطي بثلاث سنوات أي في عام 1979م. ما يحدث الآن في برنامج الإصلاح الديمقراطي العربي هو البدء بالديمقراطية على الصعيد المحلي، والأنموذج الإسباني بالتالي لا يسعف في هذا المجال.

تجارب الحكم المحلي الأكثر نفعا في هذا الصدد هي التي تمت في المستعمرات البريطانية السابقة مثل الهند والسودان. تجربة الحكم المحلي الديمقراطي في السودان التي بدأت بقانون مارشال عام 1950 تجربة ناجحة ومفيدة للغاية، وهي كذلك واقعية لأنها قسمت البلاد إلى خمسة أقسام أقلها تطورا طبق فيه حكم محلي أبوي أعضاؤه بالتعيين ورئاسته كذلك ، وصلاحياته محدودة ثم تطور الحال تدريجيا إلى الأعلى إلى درجة أن يكون المجلس في المناطق الحضرية ديمقراطيا تماما ينتخب رئيسه ويمارس صلاحيات كاملة.

كانت حلقة النقاش في مدريد مفيدة للغاية وخير ما فيها أنها أتاحت منبرا لأفراد وتيارات وأحزاب عربية .. منبرا لتبادل الآراء والخبرات.

إنه من مآسي الواقع الحالي أن المنابر التي تتطرق لقضايا الفكر والسياسة الحيوية في المنطقة تبرم في خارجها وبوساطة خارجية.

والبعض ينتقد هذه المنابر لذلك السبب ويتوجس من انعقادها خارج حدود الوطن العربي المعني بإلإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي الذي يبحث فيها.

وأقول:

سوف يبدأ استرداد الإرادة السياسية الوطنية عندما يفتح باب الاجتهاد السياسي في بلداننا على مصراعيه ... يومئذ سوف تصير المبادرات وطنية، وتستطيع القوى السياسية العربية حينها أن تؤسس منابرها للعمل المشترك من أجل المشروعات النهضوية التي تحتاجها المنطقة حاجة ماسة.

* رئيس وزراء السودان السابق

المصدر : الشرق الاوسط 24-7-2004