ندوة :  

                         الإسلام من منظورنا ومنظور الآخرين

 

قدم المفكر ووزير الثقافة اللبناني الاسبق، غسان سلامة، في ختام ندوة «الإسلام من منظورنا ومنظور الآخرين» التي نظمت في إطار موسم أصيلة الثقافية الدولي الـ 27، تقييما نقديا عاما لما راج فيها.

وسجل سلامة، مجموعة من النقاط الايجابية تجلت في تمكين طيف واسع من الافكار المختلفة من الالتقاء وتغليب التفكير على التشنج والتكفير وتحقيق التواصل بين المفكرين المسلمين المقيمين ببلدانهم ونظرائهم الذين يعيشون بالمهجر.

ودعا سلامة الى:

تأسيس الحوار بيننا وبين الآخرعلى مجموعة من المنطلقات الرئيسية،التي يجب ان تبنى على فهم الحوارلا كبديل عن الصراع بل كشكل من اشكال الصراع. قبل ان يختزل الادوات اللازمة لإقامة حوار حقيقي في:

اولا: القبول بوجود الآخر.

ثانيا: القبول بالتفاعل مع الآخر وقبول شرعية اختلافه.

ثالثا: القبول بتغيير الذات مقابل رغبتنا في تغيير الآخر.

وكانت صبيحة الخمير، مديرة مشروع معهد الفن الاسلامي في الدوحة، اول متدخلة في الجلسة الختامية للندوة، وخرجت عن الخطاب السياسي الذي هيمن على اغلب جلسات الندوة، وركزت مداخلتها على الدور الذي يمكن ان يؤديه نشر الفنون في تجسير الهوة بين العالم الاسلامي والغرب، ذلك ان التأمل الهادئ في عالم الفنون الزاخربالجمال يبعد الناظر اليه عن الافكار المقولبة الجاهزة. ودعت الخمير الى الاهتمام بوسائل الاعلام الحديثة باعتبارها قناة لنقل الكنوز الاسلامية للآخر. 

وأثار تدخل محمد عبد المطلب الهوني، الباحث الليبي المقيم بايطاليا، ملاحظة لدى مسير الجلسة، الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري مدير عام منظمة الايسيسكو، حيث استبق النقاش وقال ان الجمهور لن يشاطر الهوني الافكار التي تضمنتها مداخلته التي حفلت بأحكام قطعية وحازمة في قضايا حساسة مثل قوله:

إن تجسير الهوة يجب ان يتم اولا بين المسلمين انفسهم، وذلك لن يتأتى، حسب الهوني، الا بالاعتراف بوجود ديانات داخل الاسلام، اذ لا يقبل تسمية المذاهب بل يعتبرها دينية مستقلة، مستشهدا على ذلك بوجود عداء مستحكم بين الشيعة والسنة منذ قرون وصل الى حد تبادل التكفير بينهما بشكل اشد عنفا من عداء الديانات الاخرى غير الاسلامية.

ولذلك فان الخطوط الاولى في نظر الباحث تكمن في تصالح ما يسميه ويلح عليه «الديانات الاسلامية» بالجمع وليس بالمفرد. 

وقارب الباحث المغربي عبد العالي حامي الدين، مدى إسهام الفكر الاسلامي المعاصر في تجسير الهوة مع الغرب على قاعدة الديمقراطية من خلال الكتابات الاسلامية منذ رائد الاصلاح محمد عبده، مضيفا اليها بعض الكتابات المسيحية ايمانا منه بأن كل مسيحي ناضج فيه جزء من الاسلام بحكم التعايش واستخدام نفس اللغة. 

وانطلق حامي الدين من فرضية متفائلة، مفادها ان الاسلام ساهم في تبيئة الديمقراطية وتأصيلها في السياق العربي الاسلامي.

وتساءل لماذا تعطل الفقه الاسلامي عن مواكبة هذه التطورات والاسهامات؟ قبل ان يجيب انه كان هناك صراع دائم بين السلطان والفقهاء، مما قصر الازدهار على فقه المعاملات الذي أتى بإسهامات نوعية بينما اقصت السلطة السياسية الفقهاء من حلقة التنظير للحكم كي تنفرد بالقرار، فكانت حصيلة الفقه الاسلامي في هذا المجال بالذات فقيرة.

وعاد أحمد ماهر، وزير خارجية مصر الاسبق، للتدخل في اختتام الندوة، فلاحظ طغيان تيارين واضحين عليها: هما تيار جلد الذات وتيار جلد الغرب، لكن ما أعجبه هو ان «الجلادين» تقدموا باقتراحات عملية لتجسير الهوة بين المسلمين والآخر. 

وسجل ماهر مجددا، ان الآخر ليست له رغبة حقيقية، لأسباب تاريخية يطول شرحها، في ان تكون صورتنا حسنة، معبرا عن مخاوفه من دعوات الى الثأر من المسلمين يسمعها في الولايات المتحدة، ملحا على ضرورة بحث الاسباب التي «أدت بشبابنا الى السقوط في براثن الارهاب». وحمّل ماهر الغرب جزءا من المسؤولية التاريخية بخصوص ما يحدث بالعراق وفلسطين والشيشان، إضافة الى المظالم الداخلية في المجتمعات العربية الاسلامية. 

واعتبر المفكر المغربي علي اومليل، مفهوم الحوار مصطلحا غير دقيق «في علاقتنا مع الغرب لأن الحوار يعني التفاوض بين طرفين يملك كل منهما وسائل الضغط والاقناع، ملاحظا اننا نذهب الى الحوار وليست بأيدينا اوراق».

معربا عن اعتقاده بأن الثقافة العربية الاسلامية لا يمكن ان تكون قوية وفاعلة ما لم تساندها قوة مادية مؤثرة، وان الغرب لا يهتم بنا إلا حين تكون مصالحه مهددة. 

والتزم محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى اصيلة، موقفا براغماتيا من النقاش الذي جرى في اصيلة على مدى يومين تميز بزخم معرفي متبادل بين المشاركين في الندوة، مسجلا وجود نواقص يجب الاعتراف بها، لكن يجب حسب، بن عيسى، ان تعتبر نقدا مجانيا للآخر، ملاحظا ان الدول العربية تنفق حوالي عشرة ملايين دولار اميركي لتجميل صورة العرب والدفاع عن حقوقهم المشروعة لدى مؤسسات صناعة القرار والرأي في الولايات المتحدة، وفي مقابل ذلك لا يوجد مركز ثقافي اسلامي في واشنطن، مضيفا انه سمع هيئات تطالب بمبالغ في حدود30 الف دولار لتمويل ندوة او ملتقى فكري، لنفس الغاية، ولا تجد تلك الهيئات من يسدد المبلغ، فيما الجانب اليهودي يمتلك مؤسسات، وذلك حقهم، تتولى التعريف بسياستهم ونشرها على أوسع نطاق. 

وجدد بن عيسى الدعوة الى إيلاء الترجمة الاهمية التي تستحقها باعتبارها الوسيلة المثلى للتعرف على ثقافة وحضارة الآخر، لأنه لا يمكن «ان توصل فكرك ورأيك بنفس اللغة التي تتحدثها»، مطالبا بالتوقف عن ممارسة ما اسماه «خطاب الاشباع»، واتباع نهج الحوار المتبع في مواسم اصيلة الثقافية حيث النقاش حر وهادئ وهادف.

المصدر : أصيلة: محمد بوخزار ورشيد مرون - الشرق الأوسط - 15-8-2005