وقائع المؤتمر السنوي الثاني لمركز التثقيف الإسلامي في لندن

 

 

 

لندن – مركز التثقيف الاسلامي

(النهوض الشيعي المعاصر .. دراسة وتقييم)

ناشطون سياسيون واجتماعيون واعلاميون ناقشوا الواقع الاسلامي الراهن

بسم الله الرحمن الرحيم

تحت عنوان"النهوض الشيعي المعاصر...دراسة وتقييم"التأم في لندن في التاسع عشر من حزيران- يونيو (13 جمادي الأولى 1426)، في قاعة حسينية الرسول الاعظم (ص) وفي فترتين صباحية ومسائية، المؤتمر السنوي الثاني يرعاه مركز التثقيف الاسلامي، حضره لفيف من المثقفين والاكاديميين والاعلاميين من العراق والسعودية والبحرين وايران، وبريطانيا وجنسيات اخر. 

الشيرازي: دور المرجعية في رعاية الشيعة

افتتح المؤتمر بقراءة آيات من القران الكريم تلاها السيد علي النواب، اعقبتها ورقة العلامة السيد جعفر الشيرازي التي حملت عنوان (دور المرجعية في رعاية الشيعة) قدم لها بمقدمتين اشار في الاولى الى حملات الابادة التي تعرض لها شيعة اهل البيت (ع) بدءاً من تصفية أئمة اهل البيت (ع) واصحابهم الى المقابر الجماعية عبر التاريخ واخرها المقابر الجماعية في العراق، لكنه رغم الضربات فان شيعة النبي محمد واهل بيته ينهضون من كل ضربة اقوى من السابق بفضل عوامل كثيرة أهمها وجود المرجعية الدينية التي تشكل كهفا للمسلمين. واشار الشيرازي في المقدمة الثانية الى ان نظام الوكالة من الائمة (ع) الى المرجعيات الدينية نظام متكامل يحمل معه مقومات القوة والديمومة، لكنه بحاجة الى تطوير ومأسسته لمواكبة التطورات بلحاظ ان عالم اليوم هو عالم التكتلات والتنسيق.

ورأى الشيرازي ان العصر الذي يعيشه الشيعة الامامية اليوم هو عصر مفصلي برز معه الجانب الفكري والفقهي والسياسي والاعلامي، وللشأن العراقي دور غير قليل في ابراز الجانب السياسي من فقه الشيعة الامامية، واكد ان التشيع في العراق له قابلية الانتشار والتمدد في المجتمعات الناطقة بالعربية لغياب حاجز اللغة وهذا ما يساعد المسلمين على تفهم مذهب اهل البيت (ع) وقراءته من جديد قراءة متأنية بعيدا عن التعصب الاعمى.

واشار في جانب اخر من ورقته إلى ان ممارسات الأنظمة على طول التاريخ ضد الشيعة الإمامية ساهمت في اثراء فكر وثقافة المعارضة وتبلوره، بيد أنه يمكن أن يكون للمرجعية الدور الكبير في بلورة فكر وفقه السلطة وبيان الجانب الفقهي في المفردات السياسية، كما انها تشكل خيمة لكل القوى المتناثرة وخلق ثقافة التعايش، كما انها بحاجة الى جهاز اعلامي واسع ومتشعب لعرض افكار ومباني التشيع الامامي المنسجمة مع الفطرة السليمة. 

مداخلات وردود

الفقرة التالية شملت مداخلات وعرض اسئلة مختلفة، فالناشط الاجتماعي الدكتور نزارالحيدري لم ير في اللغة حاجزا في اطلاع المسلمين على فكر التشيع الامامي، كما شدد على خلق كيان مرجعي واحد، والعمل على وضع الحلول العصرية لاثبات ان للاسلام حلولا لكل زمان ومكان.

مدير مركز دراسات جنوب العراق الدكتور علي الاوسي شدد على ضرورة تفهم دقيق لما يخطط للوجود الشيعي، واستعمال لغة خطاب وممارسة تتناسب والاوضاع المستجدة ومراجعة واعية في المنبر الحسيني والشعائر والتأليف، وبيّن ان ما يميز الوجود الشيعي الامامي هو المساحة الجماهيرية العريضة ، وذهب الى احياء مشاريع الوحدة الاسلامية والتقريب من خلال الثقة في الطرح والشجاعة في الاداء، واكد الاوسي في ختام مداخلته إلى ان الانسانية تتطلع الى مفاهيم اسلام في التعايش والود وخير ما يمثل هذا الطرح هو الفكر الشيعي.

الشيخ فاضل الخطيب خطيب المنبر الحسيني ركز في مداخلته على اهمية تشكيل المؤسسات، ومأسسة الجهاز الإداري في المرجعية الدينية، وتناول المسألة من جانبها الديني بلحاظ ان الطموحات والمشاريع الكبيرة تتطلب جهوداً كبيرة وطاقات مختلفة منوها الى النبي موسى (ع) كمثال واسوة حيث طلب من رب العزة اشراك اخيه معه في مهمة التبليغ وتحمل اعباء الرسالة، رغم ان موسى (ع) مؤيد ومسدد من قبل الله.

المداخلة الاخيرة كانت للخطيب الحسيني السيد احمد النواب اقترح فيها تشكيل لجان من النخب الاسلامية الامامية لتفعيل افكار الاسلام الحضارية، كما انتقد الدول والمجموعات التي تحاول حصر التشيع بفئة او دولة بدوافع طائفية وقومية.

السيد جعفر الشيرازي اجاب على الاسئلة وما ورد في المداخلات، مؤكدا ان هناك محاولات من اعداء الاسلام والتشيع بالطعن بشيعة اهل البيت (ع) واتهام التشيع بانه دخيل على العرب، وبعض الاطراف يسعى الى معاداة التشيع من باب القومية. وطالب بعدم الالتفات الى اتهامات الاخرين لشيعة العراق بالتعاون مع المحتل الاميركي، فالحرب فرضت على العراق ولم يكن للشعب العراقي دخل فيها، وما يهم شيعة العراق هو القبول برضى الله ورضى الامة وتحقيق مكاسب للمسلمين، وتقصير أمد الاحتلال عبر توعية وتثقيف الأمة.

وقرأ مدير ادارة المؤتمر نضير الخزرجي (شارك في الادارة مع الشيخ كاظم الحائري) جوانب من الورقة المقدمة من مركز دراسات جنوب العراق، تحت عنوان (الحالة الشيعية وتطورات الاحداث في العراق).

الميلاني: الشيعة ضحية الارهاب

الورقة الثانية تقدم بها اية الله الدكتور السيد فاضل الحسيني الميلاني، عميد كلية الشريعة في الجامعة الاسلامية بلندن وهي بعنوان (الشيعة ضحية الارهاب)، تعرض في البداية الى نصوص لائمة اهل البيت تقرأ من بين ثنايا حروفها البلاء الذي حل بأهل البيت (ع) وشيعتهم، حتى وصل بالحال ان الرجل ليقال له زنديق او كافر خير له من ان يقال له شيعي!

واشار الميلاني الى بدايات الصراع في عصر الاسلام الاول وقال انه بدأ صراعا على السلطة ليأخذ هذا الصراع فيما بعد طابعا عقيديا ومذهبيا، واشار في الورقة المقدمة الى نماذج من اصحاب الأئمة ممن تعرض للاضطهاد والاستشهاد كحجر بن عدي وميثم التمار وعمرو بن الحمق الخزاعي وعمار بن ياسر، كما اشار الى نماذج من قادة التشيع ماتوا تحت حراب فتوى الطائفيين التكفيريين، كالشهيد الاول الذي قتل وصلب ورجم واحرق، والشهيد الثاني الذي اتهم بالبدعة والخروج على المذاهب الاربعة، والشهيد القاضي نور الدين التستري، وقد اشتهر في التاريخ ان (البلاء للولاء) فصار الولاء للنبي محمد (ص) واهل بيته (ع) سببا للبلاء والافتاء بالضد من قادة الشيعة الامامية، حتى تعرض منبر الشيخ الطوسي في بغداد للحرق (قبل الف عام) واعدم النظام البائد الصدر الاول واخته الشهيدة بنت الهدى واغتال السيد حسن الشيرازي في بيروت والسيد مهدي الحكيم في السودان واغتال الشيخين البروجردي والغروي والصدر الثاني في النجف الأشرف، واعدم الكوكبة الاولى من قادة حزب الدعوة الاسلامية واعدم السادة من آل الحكيم وبحر العلوم، وغيرهم من الشهداء.

ونوه الميلاني الى ان الشيعة متهمون بممارسة التقية في حين ان الذي يمارسها دفعا لمن يريد الفتك به وقتله قلة ومثال ذلك احداث اللطيفية في العراق حيث يفضل المسلم الشيعي الموت ذبحا على التنازل عن الولاء لاهل البيت (ع) وللمرجعية الدينية.

وشدد على ان الشيعة تركوا تراثا كبيرا لا يضاهى وتمثل بموسوعة (اعيان الشيعة) للسيد محسن الامين في 57 مجلدا ضمت فطاحل الشيعة على مر التاريخ ممن اغنوا الاسلام والانسانية بفكرهم، وموسوعة (الذريعة  الى تصانيف الشيعة) للشيخ أقا بزرك الطهراني، التي ضمت مئات الالاف من مؤلفات الشيعة الامامية في حقول شتى. وهذا دليل على حجم العطاء الشيعي.

واشار الى استقلالية المرجعية الدينة عن السلطة كعامل قوة، وقدرة الشيعة على الوقوف عند المحن والملمات وصلابتهم في المصائب نظرا لانتساب الشيعة الامامية الى كربلاء وثورة الامام الحسين (ع) التي لا يذل من ينتسب اليها.

مداخلات وردود

قدم بعدها عدد من المشاركين مداخلاتهم ووجهات نظرهم وتساؤلاتهم حول ما ورد في ورقة العلامة الميلاني.

اول المتداخلين السيد احمد النواب شبّه تكاتف مراجع التقليد في العراق كباقة ورد، واذا تم ضم باقات ورد المرجعية في ايران وباكستان وغيرهما امكن تحويل هذه الباقات الى روضة رياحين تعبق بالخير للمسلمين وللبشرية كافة.

الناشط الديني الشيخ حسن نواب من جانبه اشار الى بعض فتاوى التكفير التي صدرت من رجال دين في لسعودية وهي غير مبررة بالمرة، وعقد مقارنة بين عمل التكفيريين في افغانستان وعملهم في العراق، ووجد

ان الهجمة في العراق في احد اوجهها لا تستهدف اخراج القوات المتعددة الجنسيات كما يزعم البعض وانما يراد استئصال شوكة المسلمين الشيعة الذين يشكلون نحو ثلثي المجتمع العراقي والا كان الاولى بهم ان يستعرضوا كامل قواهم في افغانستان التي شكلوا فيها حكومة إسلامية – بطريقتهم - ويسترجعوا امارتهم!

لكن ما يخافه التكفيريون كما يرى الشيخ نواب هو التشيع العربي القادم من العراق كون الخطاب الشيعي يملك مفاتيح القوة في مناهجه، وركز على الاعلام والوحدة لمواجهة تحديات الارهاب وقوى التكفير.

الكاتب والمحلل السياسي صلاح تكمه جي وجد في مداخلته ان العراق اصبح ساحة تجمع للارهاب وساحة حرب كونية، وان تفكيك امارة طالبان في افغانستان، نقل المعركة الى العراق وحرّك الخلايا النائمة باتجاه العراق مع تغيير في محتوى الخطاب السياسي لهذه المجموعات من محاربة اليهود والنصارى حسب زعمهم الى محاربة الشيعة. وذهب الى اهمية تنظيم المسلمين الشيعة في العراق لانفسهم يبعدهم عن الوقوع تحت مظلة اميركا.

السيد جعفر الشيرازي في مداخلته وجد ان الارهاب الفكري بحاجة الى علاج فكري، والى جانب مفاهيم الامامة السياسية لأهل البيت (ع) ينبغي عرض الجوانب الأخرى من إمامتهم (ع) كالإمامة الفكرية والروحية والثقافية والأخلاقية وغيرها، حتى يطلع المسلمون على الفكر الاسلامي الاصيل.

ونوه الى ان بعض المفاهيم القرآنية سيئ استعمالها مثل كلمة الاستعمار في الاية 61 من سورة هود: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، ومن ذلك كلمة الارهاب في الاية 60 من سورة الأنفال (ترهبون به عدو الله وعدوكم)، وهي تعني الردع وليس المفهوم المشار اليه اليوم من هدم وتخريب. 

الباحث والكاتب السعودي حمزة الحسن، رأى ان العراقيين في نهوض حقيقي، من هنا لابد ان يكون الحديث مركزا على ثقافة الحكم ونشرها وابراز الجانب المغيب من فكر اهل البيت (ع).

الناشط السياسي احمد الحلفي في مداخلته اشار الى فتاوى التكفير بالضد من الشيعة الامامية بخاصة بعد سقوط نظام صدام حسين التي راحت  تحرم على المسلم الاعتداء على الذمي من اهل الكتاب، لكنها تبيح في الوقت نفسه دماء واعراض واموال الشيعي الامامي، وطلب في مداخلته من مراكز الاهتمام ترجمة فتاوى التكفير بالضد من الشيعة ومن الديانات الاخرى وعرضها على مراكز القرار في دول العالم لاطلاعهم على المؤامرة الكبيرة المحاكة لتدمير البشرية ووضع العصى امام عجلة التعايش بين الاديان.

وتساءل الحلفي: 

أليس من المعيب ان يعقد مثقفون عرب في الجزائر مؤتمرا لبحث عروبة العراق؟ منذ متى خرج العراق من الدائرة العربية حتى يعقد له مؤتمرات وندوات!

ورأى انه من الافضل الدخول مع سنة العراق في حوار من باب الليبراليين الشيعة. كما شدد على ان  تسعى المرجعية الدينية في تشكيل جهاز اعلامي يوصل صوتها الى الاخر.

وفي معرض تبادل الرأي مع المتداخلين والاجابة على الأسئلة التي وردت اليه، ثنّى الدكتور الميلاني على تقديم الحل الفكري في مواجهة الارهاب وهو فكر يتبنى مفردات التسامح والشورى وقبول الآخر. ورأى سماحته كموقف شرعي ان القدر المتيقن على الذين ثبتت ادانتهم في اعمال الارهاب في العراق ان تسرع الجهات المختصة بالاقتصاص منهم حتى يكونوا عبرة للآخرين.

وفي ما يخص سؤال تقدم به الدكتور نزار الحيدري حول مصطلح الارهاب في المفهوم القرآني، قال الميلاني ان كلمة  «ترهبون»  تعني المنعة والقوة وخلق مقومات البقاء حتى لا يطمع بالمسلمين احد، مشددا على اهمية الوقوف على حقيقة المصطلحات القرآنية.

الحسيني: الشيعة وتجربة الحكم في العراق

الورقة الثالثة تقدم بها الناشط السياسي والاجتماعي الدكتور علاء الحسيني، افتتح بها الجلسة المسائية ،دارت حول (الشيعة وتجربة الحكم في العراق) اشار في البدء الى خصوصيات شيعة العراق من اصالة الانتماء بوصفهم اقدم واصلب من تمسك برسالة الاسلام وقد اختار الامام علي (ع) الكوفة عاصمة له وستعود عاصمة لدولة الامام المهدي المنتظر (عج)، الى جانب استقلالية التفكير اذ كانت الكوفة وسواد العراق مجالا لتلاقح الحضارات التي سبقت الاسلام، ثم بزوغ شمس الاسلام ما ساهم في خلق العقلية العراقية وصقل شخصية المواطن العراقي الشيعي. ومن الخصوصيات حالة المظلومية التي اتصف بها شيعة العراق على ايدي السلطات الحاكمة لعقود طويلة، كما ان العراق يتميز بتنوع حركاته الاسلامية والفكرية والسياسية دلالة على غزارة الفكر الاسلامي الشيعي. والصفة البارزة في شيعة العراق هو عمق انتمائهم الوطني والعربي وانتمائهم الى سيد العرب بعد الرسول محمد (ص) الامام علي (ع)، وهذا ما يدحض اكذوبة المرجفين الذين يرمون شيعة العراق بالتشيع الصفوي الحديث العهد.

وتطرق الدكتور الحسيني في جانب اخر من ورقته الى التحديات التي تواجه الاغلبية السكانية، من ذلك هو تحدي الاحتلال واستحقاقاته وافرازاته، فالظرف الدولي فرض على شيعة العراق ان لا يستعملوا السلاح بوجه المحتل، ولذلك فان عليهم تحدي الموازنة بين تحقيق مكتسبات الشعب العراقي واهداف الاحتلال في العراق. ومن التحديات ان النظام البائد خلق وضعا طائفيا وقوميا مرتبكا، وعلى قادة الشيعة التعامل مع هذا الوضع بحكمة وروية، كما ان تعرض قادة الشيعة ووكلاء مراجع التقليد الى مسلسل الاغتيالات الجسدية يعزز من أهمية التعامل مع هذه المعضلة بنفس طويل مع حزم وقوة.

وختم المحاضر ورقته بالإشارة إلى الهوة الماثلة بين شيعة العراق في داخل العراق وأولئك الذين شرد بهم النظام البائد في المنافي، ووجد ان سلامة العراق وقوته ومنعته تكمن في سد هذه الهوة ونصرة العراقي لأخيه العراقي حتى يقف العراق على قدميه وقفة ابي الفضل العباس في نصرته لأخيه الإمام الحسين (ع).

مداخلات وردود

المداخلة الاولى التي تلت ورقة الحسيني تقدم بها الباحث والاعلامي نضير الخزرجي، الذي وقف عند خاتمة الورقة المقدمة، مشيرا الى خطورة المفردات اللا وطنية  التي زرعها النظام البائد بين أوساط العراقيين في داخل العراق وخارجه، ولا زالت تستشري في الجسد العراقي، من قبيل اعتزاز البعض بنفسه على حساب اخيه القادم من النواحي والاقضية، فيوصف نفسه افتخارا انه ابن المدينة والاخير باوصاف منكرة وجاهلية مثل قول بعضهم انه هذا من (اللفوّة) وان هذا (معيدي) وذاك (شروكي) او قول بعضهم وقد اجراه مثلا (الف مصري ولا بصري)، او تقسيم المحافظة بين عتيقة وجديدة لتشخيص من هو ابن الولاية ممن قدم من خارجها، ورأى الخزرجي ان ما نلحظه من صراعات في مجالس المحافظات مثل كربلاء والنجف ناشئ في احد اوجهه من هذه الارضية، كما ان رفض بعض المجالس لتعيينات اقرتها الوزارات لاشخاص قدموا من خارج العراق يدخل في باب التباغض اللامبرر بين بعض مواطني الداخلي ومهاجري الخارج، حتى راح البعض ممن سرت في عقله عدوى النظام البائد يوصف العائد الى الوطن بعد الغياب القسري بانه اعجمي، مصطفا في ذلك مع الآخر الذي اعتاد ان يوصم شيعة العراق بالعجمة!

من جانبه شدد السيد جعفر الشيرازي في مداخلته على عدم الانصات لقول المغرضين الذين يتهمون شيعة العراق بالتعامل مع المحتل، لان الاخر لم يتحمل وجودك في غياب المحتل فكيف بوجوده! ورأى ان من يتحرك في هذا الاتجاه يحاول دفع الشيعة الى التعارض مع الوضع الدولي المفروض على العراق، في وقت يتفاوض الاخر ويتعامل مع المحتل ليعيد عقارب الساعة الى الوراء، وتساءل الشيرازي: لماذا يشن الاخر حربه على الشيعة متهما اياهم بالعمالة، وهم منها براء، في حين ان القواعد الاميركية تحط في عدد من الدول العربية والاسلامية قبل ان يتم احتلال العراق، ولم يشن هؤلاء حربهم على تلك الدول كما هي حربهم من طرف واحد على شيعة العراق.

واكد الشيرازي على اهمية الوحدة والاتحاد في العراق ولكن اتحاد على اساس الحق (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، فالتنازل عن الحقوق تحت مدعى الوحدة وغمط حقوق الاجيال ليس من الوحدة بشيء، ولكنه لا ينبغي في الوقت نفسه غمط حقوق الاخرين.

وقال الشيرازي ان اعلام الاخر اتهم الشيعة بالمجئ بالمغول، وهي التهمة نفسها التي يطلقها على شيعة العراق اليوم، في حين ان الشيعة الاسماعيلية قاوموا المغول، والاحتلال المغولي لبغداد كان سيقع رضي الشيخ الطوسي ام لم يرض، وقد دافع شخصيا عن حياض الاسلام وحفظ دماء علماء السنة من الاهراق وحفظ تراث الإسلام من الإبادة بفضل حكمته، فغزا الطوسي المغول فكريا فأصبح المغول مسلمين، فنحن لم نأت بالاميركان الى العراق، فربما نستطيع عبر الفكر غزو اميركا فكريا لا عسكريا، ثم ان الحكومات التي تأتي بالسيف تكون اسوأ من الاحتلال العسكري نفسه.

الكاتب صلاح تكمه جي في مداخلته اوضح ان العالم يتطلع الى شيعة العراق وكيف سيكون تعاملهم مع الدستور ومع تنظيم منظمات المجتمع المدني، وما هو دورهم في النظام الكوني الجديد، وشدد التكمه جي على دور رئيسي لشيعة العراق في رأب الصدع مع الوجودات الشيعية في البلدان العربية والاسلامية بوصفها ظهيرا للعراق واهله.

وحول محاولات البعض الغمز من قناة عروبة شيعة العراق قال الدكتور نزار الحيدري، ان الاعداء يريدون للعراقيين ان ينجروا الى هذا المنزلق من اجل ضربهم، ثم ان المفاهيم الاسلامية ابانت عن حقيقة التقوى في بيان منزلة كل انسان لان الناس سواسية كأسنان المشط والجنة ليست حكرا على العربي والنار قد تستقبل السيد القرشي.

في هذا الاطار قال الناشط احمد الحلفي ان هناك ترسبات مندكة بالقومية عالقة في اذهان البعض تتهم شيعة العراق بالارينة، وهو خطأ ينبغي لمن يحمل مثل هذه الافكار المغلوطة ان يرعوي حتى يستطيع مواجهة الحقيقة التي رفض تقبلها لدهور طويلة.

واكد ان العراقيين استطاعوا فرض مشروعهم على اميركا التي لم تستطع اوروبا حتى يومنا هذا من فهم سياسة اميركا واستطاعت الاحزاب العراقية المؤثرة من افشال مشروع السفير الاميركي غارنر في فرض حكومة عسكرية، فاضطرت اميركا الى استبداله وتشكيل مجلس الحكم وتشكيل قانون ادارة الدولة رغم بعض سيئاته وتفرض الانتخابات. مؤكدا في الوقت نفسه انه من المعيب المساواة بين الجلاد والضحية وهناك شعب كامل مدفون تحت الارض بفعل المقابر الجماعية.

واكد ان مستقبل الاحزاب العراقية الفاعلة مرهون بالاطروحات والبرامج العملية التي تقدمها للعراقيين، فالعراقي يصوت لمن يخدمه بغض النظر عن هوية الحزب السياسية.

الشيخ زكي العلوي الفيلي قال في مداخلته ان الوحدة مطلب استيراتيجي واذا امكن للفعاليات الاسلامية الشيعية التوحد فانها ستحقق مطالب المسلمين والانسانية عامة في العيش بسلام وامن وامان، كما ان الوحدة لها ان تخلق حاجز المنعة والقوة الذي يحول دون تعرضنا للاعتداء وتجعل الاخر يفكر الف مرة قبل ان يقدم على غمط حقوقنا.

الدكتور علاء الحسيني علق على ما ورد في المداخلات والاسئلة الواردة اليه مؤكدا ان تقوية الجسد الشيعي بما فيه صالح العراق ومستقبله لا يأتي من خلال الشعارات وانما عبر ممارسات يومية، ومواجهة حقيقية لمن يريد اجتثاث شيعة العراق، ففي عهد النظام البائد كانت المقابر تحت الارض، واليوم اصبحت فوق الارض

الموسوي: النهضة الفكرية في الواقع الشيعي

الورقة الرابعة والاخيرة تقدم بها امين عام رابطة اهل البيت (ع) العالمية، السيد محمد الموسوي، حملت عنوان "النهضة الفكرية في الواقع الشيعي"، ذهب الى ان الاطروحة الاسلامية الشيعية هي الاطروحة الأمثل لنهضة الانسانية التي جربت اطروحات مختلفة علمانية واخرى رفعت الاسلام شعارا دون ان تتمثله قيماً، مشيرا الى الفتنة التي خلقتها حكومة طالبان بين القوميات المختلفة وبين السنة والشيعة في افغانستان حتى صار قتل الشيعي مدخلا للعروج الى الجنة وصار حرق طلبة العلوم الدينية وهم احياء سنّة يتقرب بها الى الله!

واشار في جانب اخر من ورقته الى ان مناقشة مفردة الارهاب يتطلب معرفة من انشأ الارهاب في بلداننا الاسلامية ومن مول المجموعات الارهابية، ورأى ان الارهاب في البلدان الاسلامية يعود في جذوره الى المنهج التكفيري الممول بالدولارات الاميركية متهما الغرب بانه شريك اساسي في تنشئة جماعات الارهاب والتكفير بسماحه لها ان تنشط وتكفر الاخر دون رقيب.

واليوم فان قادة المؤسسات الفكرية في الغرب والشرق وهم في معرض المقارنة وتقييم تجارب البشرية في القرن الماضي وبداية القرن الحالي، اعلنوا تساقط كل الاطروحات ومنها الاطروحات الاسلامية المتعصبة، ولذلك لم يبق امام البشرية من خيار الا خيار اهل البيت (ع) وفكرهم المتصل بالرسول الاكرم محمد (ص). وهذا يتطلب تحمل المسؤولية كاملة لاطلاع العالم على اسلام المحبة والتسامح واحترام الاخر.

وشدد الموسوي في ختام ورقته على أهمية الاعلام بوصفه يقف موقف الصدارة في عالم اليوم ولا يمكن لمن يريد ان ينشئ نهضة كبيرة تصل صداها البشرية جمعاء ان يعمل بمنأى ومعزل عن الاعلام، وهو واحد من مصاديق (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة. 

مداخلات وردود

المهندس المعماري الدكتور رؤوف الانصاري وجد في مداخلته ان الاهتمام بفنون العمارة والتراث يعد واحدا من جوانب النهوض الاسلامي الشيعي المعاصر، وليس غريبا ان تكون العمارة ومنذ قرون شيعية، من سمرقند وافغانستان والهند واصفهان وقزوين الى العتبات المقدسة في العراق، وهيه تعد مفخرة من مفاخر التراث الاسلامي، وقد اطلق الغرب على اصفهان باريس الشرق وسجلت مدينة يزد لدى منظمة اليونسكو الدولية كأحد أهم  المدن التراثية في العالم.

وناشد الانصاري الحكومة العراقية الجديدة الاهتمام بتراث العتبات المقدسة المنتشرة في العراق واعادة الاعتبار لمفردات العمارة الاسلامية الشيعية وان يكون للمرجعية دور السند.

الناشط احمد الحلفي في مداخلته رأى ان النهوض الاسلامي له ان يتحقق في العراق من خلال اقامة دولة ديمقراطية فيدرالية، واشاعة سياسة التسامح والعمل بما كان يمارسه الامام علي (ع) مع خصومه (اما سب بسب او عفو عن ذنب). ووجد ان على المراكز الاسلامية في الغرب ان تتفاعل اكثر مع المناسبات والفعاليات الوطنية.

الناشط الديني السيد علاء الأعرجي، وجد ان من شرائط نجاح النهضة احياء المؤسسات وعدم الاقتصار على الفرد، بخاصة ونحن نواجه تحديات كبيرة لا يستقيم معها عود الفرد.

الناشط الاسلامي الشيخ عباس امامي، نبه الى خطر الحرب الطائفية في العراق، وان الاعداء نقلوا حربهم من افغانستان الى العراق، لكن بفضل حكمة مرجعية السيد السيستاني، وتماسك قائمة الائتلاف الوطني العراقي سقطت الكثير من المؤامرات، لكنه شدد على ان احداث تلعفر القائمة منذ اشهر تحكي عن حرب طائفية، متهما قناة الشرقية باشعال فتن الحرب الطائفية والاهلية، ومناشدا في الوقت نفسه الحكومة العراقية تحمل مسؤوليتها ومواجهة الارهاب.

من جانبه رأى الخطيب الحسيني السيد عباس الرضوي ان الارهاب الفكري لا يقتصر على الاخر، فان داخل المدرسة المذهبية الواحدة ارهاب فكري بحاجة الى الوقوف على خطورته والقبول بالرأي والرأي الآخر. ورأى من جانب اخر ان مسألة الحكم هي مسألة فقهية ولم يتصد من الفقهاء لبحث المسألة الا القليل.

وتعليقا على ماورد من مداخلات وتساؤلات قال السيد محمد الموسوي ان الارهاب الفكري ينطوي على الغاء الاخر حتى في جسده، ونحن نشكو من هذا الارهاب، والا فان الاختلاف في الرأي لا ينبغي له ان يرقى الى مرحلة التصفية الجسدية، والمسلم الشيعي هو الذي يرى للاخر حق الاختلاف.

وتساءل عن الذين يتباكون على رحيل النظام السابق اين كانوا عندما قتل صدام حسين نحو اربعة الاف عالم دين، عشرون منهم فقط من الاخوة السنة (تسعة عشر منهم من السنة الاكراد) والبقية من المسلمين الشيعة؟

واقترح الموسوي على الحكومة العراقية بان تتحمل مسؤوليتها في رعاية العراقيين في المهجر وابنائهم من خلال اقامة المدارس الخاصة بهم كما تفعل بقية الدول.

في ختام جلسات المؤتمر شدد الخطيب الحسيني الشيخ كاظم الحائري بكلمة قصيرة على اهمية اقامة الندوات والمؤتمرات بوصفها عامل اثراء للمجتمعات المسلمة وتأخذ بالامة الاسلامية الى مراتب الرفعة والرقي.

هذا وقد سبق افتتاح المؤتمر مؤتمراً خاصاً لأعضاء مركز التثقيف لبحث نشاطات المركز وشؤون الجالية العراقية في بريطانيا، حيث نوقش في تلك الجلسة محاور عديدة منها :

الأول: دور المراكز وتفعيلها، لسماحة الشيخ كاظم الحائري.

الثاني: مركز الارتباطات لسماحة السيد فيصل العلوي.

الثالث: دور الخط السياسي والإعلامي للمرجعية للأستاذ السيد مصطفى الموسوي.

الرابع: فلسفة مؤتمرات الإنقاذ في أوروبا لسماحة الشيخ جلال معاش.

 وقد شارك الحضور بمداخلاتهم وآرائهم البناء في تنضيج هذه المحاور.