|
تأريخ سامراء ومرقد الإمامين العسكريين ( عليهما السلام
)
إلى الشمال من بغداد وعلى بعد ( 120 كم ) تقع مدينة
سامراء اليوم ، وهي تبعد قليلا عن الضفة الغربية لنهر دجلة . . .
المدينة التي وضع حجر أساسها قبل ( 1200 ) سنة من سنتنا هذه ، لتدخل
التأريخ منذ ذلك الوقت كحاضرة من حواضر العالم الإسلامي المترامي
الأطراف ، وتتجه نحوها الأنظار ، وتهوي إليها القلوب ، لما كانت عليه
يوم كانت عاصمة الخلافة العباسية ، ولما آلت إليه فيما بعد لما ضمت
جدثي أشرف من كان يمشي على الأرض .
ففي سنة ( 221 ه / 736 م ) بدأت المعاول الإسلامية تشق
الأرض جوار دير للنصارى كان هناك ، إيذانا ببناء مدينة العسكر ، والتي
عرفت بعيد بنائها ب ( سر من رأى ) . المعتصم العباسي محمد بن هارون
الرشيد صاحب الفكرة ، وواضع فصول قصة البناء التي تعتبر - في تفاصيلها
- وكأنها واحدة من قصص الخيال أو ألف ليلة وليلة ، للمبالغ الهائلة في
أرقامها التي صرفت في عمليات البناء وإنشاء القصور الفخمة المجللة .
فقد جلب المعتصم بعض أعمدة قصوره وصخورها النادرة من أوربا وغيرها من
مناطق الدولة الإسلامية النائية . ثم جاء بعد المعتصم ابنه الواثق الذي
تعاهد مدينة أباه إنشاء وإعمارا ، ثم ابنه الآخر المتوكل الذي أسرف في
البذخ إلى حد يفوق التصور المعقول واللامعقول ، فقد أوصل المدينة إلى
أوج عمرانها ، وأقصى اتساعها ، وهو الذي وسع بناء المسجد الجامع الكبير
، وبنى مئذنته المشهورة المعروفة ب ( الملوية) فريدة نوعها في تأريخ
الحضارات . هذه بعض الملامح العامة للقصة .
لكن سامراء . . . لماذا ، وكيف بنيت ؟ وما هي جذور ( سر
من رأى ) التأريخية والحضارية ؟
وخلال السطور التالية سنعرفك باختصار عن سامراء بين
اليوم والأمس . . . سامراء النشأة والمعالم . . . آملين أن تجد بين
ثنايا هذه الصفحات القلائل ما يسر ناظريك .
تأريخ مدينة سامراء :
فالقصة تبدأ بتزايد عدد الجنود الأتراك الذين استجلبهم
المعتصم من آسيا الوسطى إلى عاصمة الخلافة ( بغداد ) لاتخاذهم حرسا
ملكيا خاصا - في بادئ الأمر - لحماية الخليفة ، ثم زيد في عددهم لحماية
القصور والدواوين وبيت المال وغيرها من مرافق الدولة ، ثم أخذت أعدادهم
بالتزايد بشكل ملحوظ نتيجة المخاوف التي كانت تلاحق المعتصم من العرب
الذين أبعدهم عن شغل المناصب الرئيسة في الدولة ، لكراهته إياهم ،
وبغضه لهم . ولكي يوطد منصب الخلافة ويحافظ عليه ، فما كان من ابن
التركية الأمي إلا ليعتمد على أخواله الأتراك في حماية عرش خلافته .
ويوما بعد يوم يزداد عدد الجند من الأتراك بحيث تضيق بهم عاصمة الخلافة
بغداد وطرقاتها ، ويضج الأهلون بالشكوى من عبث الجنود وإرعابهم للأطفال
والنساء والشيوخ ، إذ ما كانوا يرعون حرمة لكبير ، ولم يكن لديهم عطف
على صغير أو ضعيف . فيضطر المعتصم في ظل هذا الوضع ، وتفاقم الحالة من
وقوع الاصطدامات بين الطرفين ، ونشوب حالات قتل ودعس لبعض الأهالي
بأرجل الخيل ، ولتزايد مخاوف المعتصم من حدوث تحرك ضده ، عليه يقرر
جلاء الآلاف المؤلفة من جنوده عن بغداد والصعود بهم شمالا في منطقة
قريبة من بغداد ، حتى إذا ما حدث تمرد أوانقلاب عسكري فإنه سرعان من
ينحدر إليهم برا ونهرا فيحاصرهم ويقضي عليهم . ويرسل المعتصم
المستطلعين من حاشيته ومستشاريه ليبحثوا له عن مكان مناسب وقريب من
مركز الخلافة ، فيتجه المرسلون بمحاذاة دجلة شمالا بحثا عن منطقة جميلة
، وهواء معتدل . وبعد أن قطع المستطلعون مسافة تبلغ حوالي ( 60 ) ميلا
، انتهوا إلى هضبة مستوية ترتفع عن ضفة الدجلة اليسرى بعدة أمتار،
يقوم فيها دير من أديرة النصارى الثمانية ( 1 ) التي
( 1 ) راجع بحث الدكتور مصطفى جواد حول هذه
الأديرة في موسوعة العتبات المقدسة : 12 / 39 / 90 . ومن ذلك يظهر أن
غالبية أو معظم سكان المنطقة ، وهم أفراد قلائل ، كانوا من النصارى .
كانت منتشرة في كل تلك النواحي . ثم يرجع المرسلون
لإبلاغ الخليفة بما عثروا . . . ويتوجه المعتصم بنفسه صاعدا في دجلة
لمشاهدة الموقع عن كثب ، ويستشير رهبان ذلك الدير عن مشروعه ، ويسألهم
عن اسم المنطقة ، فقيل له :
إننا نقرأ في كتبنا القديمة أن المكان يسمى ( سر من رأى
) ، وأن نبوءة تقول :
إن ملكا عظيما له جيش كبير أوجههم تشبه أوجه البوم
سيعيد بناء هذا المكان في يوم من الأيام . من هذا يظهر أن للمنطقة
تأريخا عريقا ممتدا إلى عصور ما قبل التأريخ ، فقد أظهرت التنقيبات
الأثرية أنها كانت آهلة منذ القدم ، وأن حضارتها ترجع إلى عصور سحيقة
في التأريخ ، كما دلت الاستكشافات الحديثة إلى أن اسم هذا الموضع ورد
في الكتابات الآشورية بصورة ( سرمارتا
ta _ mar _ ur _ Sur
) ، وأما سامراء فهو اسم آرامي . تأثر المعتصم بتلك النبوءة ، وعزم
رأيه على أن
يكون هذا الموقع هو الذي ستتربع عليه مدينة أحلامه ،
فقد كلف في هذه السنة ، وهي سنة ( 220 ه / 835 م ) أحمد بن أبي خالد
بشراء الأراضي اللازمة بناحية سامراء ، ورصد له مبلغ ( 100000 ) دينار
( 1 ) لشراء الأراضي فقط ، فاشترى له الدير من النصارى ب ( 500 )
( 1 ) الدينار الذهبي يومذاك كان يعادل عشرة دراهم فضة .
درهم ، واشترى موضعا صار فيما بعد بستان الخاقاني بمبلغ
( 5000 ) درهم ( 2 ) ، واشترى مواضع عدة وأقطاع كثيرة ، وبعد أن أكمل
الشراء
( 2 ) الأرقام استقيناها من تأريخ المنتظم لابن الجوزي : 11 / 54 حوادث
سنة ( 220 ه ) .
ورتب سندات الأراضي أقفل راجعا بها إلى المعتصم .
وسرعان ما تحققت مدينة الأحلام على أرض الواقع ، فبين عشية وضحاها -
يقول سيتون لويد في كتابه ( مدن العراق الأثرية ) – اتسعت المدينة
برعاية الخليفة المستعجل اتساعا ملحوظا . فبعد أن شيد أول قصر له ( 1 )
جوار
( 1 ) وهو قصر العامة المسمى بالجوسق ، وقد دفن فيه بعد موته ، وأما
الدير نفسه فإنه صار بيت المال .
الدير الذي استملكه من الرهبان ( 2 ) أخذ وبمشورة
المهندسين يخطط
( 2 ) يقول المستشرق لسترنج في كتابه بلدان الخلافة الإسلامية ( الصفحة
76 وما بعدها من الترجمة العربية ) : إن المعتصم شرع في أعمال البناء
سنة ( 221 ه / 836 م) مبتدئا بقصره الذي أنشأه جنب دير للنصارى
اشتراه من أصحابه بأربعة آلاف دينار ( 2000 باون استرليني ) .
حول قصره مدينة ظهرت فيما بعد من أجمل المدن القديمة
وأكثرها تنسيقا وعمرانا ، إذ كان ما يزيد على خمسين ألفا من الصناع وفي
مختلف الحرف يعملون في اليوم الواحد بكل جد ونشاط وإخلاص ونظام في بناء
وإعمار المدينة . وما أن أتم بناء قصور الأمراء والحاشية ، ودور
المواطنين ، وثكنات لإسكان ( 250 ) ألف جندي معزولة عن الأحياء السكنية
، حتى شرع بإنشاء الأجنة والبساتين فزرعت جميع الأنواع المعروفة من
الفواكه والأزهار ، وحمل النخيل إليها من البصرة ، وجلبت الغروس
المختلفة من الشام وخراسان وسائر الأقاليم كما يقول لسترنج في ( بلدان
الخلافة الإسلامية ) ، فصارت القصور المشيدة فوق السن العالي تطل على
جنان نضرة من الحدائق والبساتين . ولما مات المعتصم سنة ( 227 ه - 842
م ) لم تكن المدينة قد اكتمل بناؤها بعد ، وقد قيل إنه أنفق على مشاريع
البناء مبلغ ( 500000 ) دينار ، لكن حمى التعمير والإنشاء كانت تتسارع
من بعده ، ففي مدة وجيزة كانت سامراء قد أخذت تنافس بغداد في فخامة
قصورها ، وجمال مبانيها ، فقد أنفق عليها الخلفاء الثلاثة أموالا
خيالية قدت (204)مليون درهم ( 1 ) ، أي ما يعادل نحوا من ( 8 )
ملايين باون
( 1 ) لعل الأرقام الواقعية أكثر من هذا بكثير . ولا أدري من أين أستقي
المستشرق لسترنج هذه التقديرات . أهي من مصادرنا التأريخية ؟ أم هي
تقديراته الخاصة وعادلها أيضا بالباون الاسترليني ؟ فقد جاء في كتاب
المسجد المسبوك للملك الأشرف الغساني ( الصفحة 461 ) :
أن المتوكل وحده بنى من القصور : 1 - بركواز . 2 - الشاه . 3 - العروس
. 4 - البركة . 5 - الجوسق ، وقيل هو من بناء المعتصم ، ولعل المتوكل
عمره وزاد فيه . 6 - المختار . 7 - الجعفري ، بناه سنة 245 ه . 8 -
القريب . 9 - الربيع . 10 - الصبيح . 11 - المليح والسندان ( لعلهما
قصران ) . 12 - القصر والجامع . 13 - القلاية . 14 - البرج . 15 -
المتوكلية . 16 - البهو . 17 - اللؤلؤة . 18 - الهاروني ، وقد بلغت
تكاليف بنائها جميعا مبلغ ( 270 ) مليون درهم فضة و ( 100 ) مليون
دينار ذهب ، فيكون المجموع ( . . . / . . . / 270 / 1 ) درهم . ويضيف
أن القصر المسمى بالشاه أنفق عليه ( 20 ) مليون درهم ، وأما قصر العروس
فقد أنفق عليه مبلغ ( 20 ) مليون درهم . وقال جرجي زيدان في تأريخ
التمدن الإسلامي ( 2 : 624 ) : إن قصر الهاروني والجوسق والجعفري وحدها
كلفت المتوكل مبلغ ( 100 ) مليون درهم ، إذ وصلت تكاليف بناء قصر
الجعفري وحده إلى ( 40 ) مليون درهم .
استرليني . وهكذا عاشت سامراء بحلتها الفاخرة عروس مدن
الخلافة الإسلامية مدة خمسة وخمسين عاما ، تعاقب الخلافة فيها ثمانية
من الخلفاء هم المعتصم بالله ، والواثق بالله ، والمتوكل على الله ،
والمنتصر بالله ، والمستعين بالله ، والمعتز بالله ، والمهتدي بالله ،
والمعتمد على الله . ولكن ما أن انتقل مركز الخلافة منها سنة ( 279 ه
/ 892م) إلى بغداد حتى انحسرت سامراء عن مركزها الأول ، وشيئا فشيئا
هجرها أهلها ، واستولى عليها الخراب ، فاضمحلت الحصون المنيعة ، وتهدمت
القصور الشاهقات الفوارة رويدا رويدا أمام عوادي الزمن وطروق الطبيعة .
أضحت منازلهم قفرا معطلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا ناداهم صارخ
من بعدما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل وقيل إنه ما حلت سنة (
328 ه ) إلا وفي سامراء عروس المدن لم يكن سوى خان للمبيت ، ويقال
للمارة ، وصارت البوم تنعق بخرائبها وكأنها مدينة أشباح نزل عليها غضب
الجبار . وقد مر بها الرحالة أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي
البلنسي يوم الخميس 18 صفر من سنة ( 580 ه / 1184 م ) فوصفها في كتاب
رحلته ( الصفحة 207 و 208 ) :
بأنها اليوم عبرة من رأى ، فقال :
مدينة كبيرة قد استولى الخراب عليها إلا بعض جهات منها
اليوم معمورة . وقد أطنب المسعودي ( رحمه الله ) في وصفها ووصف طيب
هوائها ورائق حسنها ، وهي كما وصف وإن لم يبق إلا الأثر من محاسنها ،
والله وارث الأرض ومن عليها ، انتهى . لكن دارا صغيرة متواضعة ، موصدة
الأبواب ، فيها شباك صغير يطل منه المارة على جسدين مطهرين للإمامين
العسكريين ( عليهما السلام ) هي التي أخذت تناطح السماء - اليوم -
حائزة شرف العلياء ، متقلدة ذروة المجد ، مفتخرة بالشرف الباذخ على من
سواها من الأماكن بشرف المكين فيها ، ولولا هذه الدار لما بقيت سامراء
مدينة يؤمها الزوار والسياح ، ولأصبحت عبرة من رأى ، وهي كذلك اليوم !
فأين جبروت معتصمها وواثقها ومتوكلها ؟ !
تأريخ المرقد المطهر :
بعد استدعاء الإمام أبي الحسن الثالث علي بن محمد
الهادي ( عليه السلام ) من المدينة إلى سامراء سنة ( 243 ه / 857 م )
من قبل المتوكل العباسي ، أبلغ ( عليه السلام ) أنه غير مغادرها بعد
يومه هذا ، فاشترى له دارا من نصراني يقال له دليل بن يعقوب فسكنها
الإمام مع أهله وعياله الذين جاء بهم من المدينة معه ، ولما توفي
الإمام ( عليه السلام ) سنة ( 254 ه / 868 م ) دفن في صحن داره أو في
حجرة من حجراتها . وفي سنة ( 260 ه / 873 م ) توفي الإمام الحسن
العسكري ( عليه السلام ) فدفن إلى جوار والده . وفي نفس العام توفيت
السيدة نرجس والدة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ودفنت خلف قبر
الإمامين بمسافة قليلة . في سنة ( 274 ه / 887 م ) توفيت السيدة حكيمة
بنت الإمام الجواد ( عليه السلام ) فدفنت جوار أخيها . ثم بعد ذلك توفي
من توفي من العائلة الكريمة أمثال السيدة سوسن وقيل حديث أو حديثة
والدة الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، والحسين ابن الإمام علي
الهادي ، وأبو هاشم الجعفري داود بن القاسم وابنه جعفر ، كل هؤلاء
دفنوا في دار الإمامين العسكريين
( عليهما السلام ) بعضهم إلى جوارهما وبعضهم بالقرب منهما . وفي سنة (
280 ه / 893 م ) أي بعد تولي المعتضد بالله العباسي مقاليد الخلافة
أرسل حرسا خاصا من بغداد لإلقاء القبض على الإمام المهدي ( عليه السلام
) وحمله إلى بغداد ، فاستعان الإمام ( عليه السلام ) بالمعجزة بالتخلص
من المهاجمين المقتحمين عليه الدار . وبعد ذلك التأريخ يبدو أن دار
الإمام الهادي ( عليه السلام ) بقيت خالية من ساكنيها الأحياء ، وأغلقت
بابها حتى موت المعتضد سنة ( 289 ه ) . يبقى هذا الحادث موضع تأمل ،
لأن الإمام في هذه الفترة كان في غيبته الصغرى ( 260 / 329 ه ) ، ولا
يعلم بموضعه أحد حتى من شيعته غير النواب الأربعة . وفي سنة ( 289 ه /
902 م ) وبعد موت المعتضد العباسي نصب شباك في جدار الدار يشرف منه
المارة في الشارع على القبور التي بداخلها ، فكان بعض الناس من الشيعة
الموالين يزورون الإمامين ( عليهما السلام ) من وراء الشباك . بقيت
الدار على حالها ما يقرب من خمس وأربعين سنة دون أن تمسها يد التعاهد
والإصلاح ، ونظرا لخلو المنطقة من ساكنيها قياسا بما كانت عليه أيام
زهوها ، فقد تعين على بعض الناس من أصحاب الشهامة والإخلاص والولاء في
بغداد أن يقوموا بتعهد تلك الروضة المطهرة وسدانتها ، والقيام بشؤون
زوارها ، فكان أولئك الأفراد ينظمون القوافل في المناسبات ويرافقون
الزوار إلى سامراء ، ثم يعودون بهم إلى بغداد . وفي سنة ( 332 ه / 44
- 945 م ) قام ناصر الدولة الحمداني الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن
حمدان التغلبي المتوفى سنة ( 358 ه / 969 م ) الذي كان صاحب الموصل
وما يليها ، وهو الأخ الأكبر لسيف الدولة الحمداني ، وكان بمنصب أمير
الأمراء ، قام بتشييد الدار من جديد ، ورفع جدثي الإمامين وكللهما
بالستور ، وبنى عليهما قبة صغيرة ، وأحاط سر من رأى بسور ، ليأمن
ساكنوها أو من يريد سكناها ، كما بنى دورا حول دار الإمام وأسكنها
جماعة . وفي سنة ( 337 ه / 48 - 949 م ) أشاد معز الدولة البويهي أبو
الحسن أحمد بن بويه بن فناخسرو المتوفى سنة ( 356 ه / 967 م ) عند
دخوله سامراء أول عمارة على شكل مزار بعد أن أكمل عمارة الحمداني ،
وغير في طرز البناء ، فأسس الدعائم ، وعمر القبة التي على الضريحين ،
وسرداب الدار ، وأقام على القبرين صندوقا خشبيا ، وملأ حوض الدار
بالتراب بعد أن صارت كالبئر لكثرة ما أخذ الناس من ترابه للبركة ، وذلك
لأن الإمام العسكري ( عليه السلام ) كان يتوضأ به أحيانا . وجدد بناء
صحن الدار وسوره ، وأنفق في ذلك أموالا جزيلة . ثم رتب معز الدولة
للروضة والقوام والكتاب مرتبات شهرية ليتعاهدوها وزوارها بالخدمات
اللازمة . وفي سنة ( 368 ه / 78 - 979 م ) قام عضد الدولة البويهي أبو
شجاع فناخسرو بن الحسن بن بويه الديلمي المتوفى سنة ( 372 ه / 983 م )
ببغداد والمدفون في النجف الأشرف ، بزيارة سامراء ، فأمر بوضع سياج من
الساج حول المرقدين ، ووسع الصحن ، وعمر أروقته وستر الضريحين بالديباج
، كما أشاد سورا للمرقد . علما بأن عضد الدولة هذا هو أول من أظهر قبر
الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في ظهر الكوفة بالنجف الأشرف .
وفي سنة ( 407 ه / 16 - 1017 م ) وقع حريق في بعض أطراف المرقد المطهر
، ويبدو أن أضراره كانت طفيفة . وفي سنة ( 445 ه / 1053 م ) ترك
الأمير التركي أبو الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري المتوفى سنة (
451 ه / 1060 م ) وهو من مماليك بني بويه ، ترك بغداد ، وحل بتكريت ،
فأمر بعمارة المرقد الشريف عمارة عالية تليق بالإمامين العسكريين (
عليهما السلام ) ، فعمر القبة والضريحين من جديد ، وعمل صندوقين من
الساج ووضعهما على القبرين ، وجعل رماناتهما من الذهب ، فكانت هذه أول
قطع ذهبية تهدى إلى مرقد الإمامين ( عليهما السلام ) . وفي سنة ( 495
ه / 1102 م ) كلف الملك بركيا روق ابن ملك شاه السلجوقي أبو المظفر
ركن الدين ، رابع سلاطين السلاجقة المتوفى في الثاني من ربيع الأول سنة
( 498 ه / 1104 م ) ، كلف وزيره مجد الدولة بإجراء إصلاحات على مرقد
الإمامين العسكريين ( عليهما السلام ) ، فقام الوزير بالإيعاز لإعادة
بناء سور المرقد الشريف ، وتجديد جميع أبواب الروضة العسكرية من أغلى
وأجود أنواع الخشب ، وترميم القبة والرواق والصحن . وفي سنة ( 606 ه /
9 - 1210 م ) قام أبو العباس الناصر لدين الله أحمد بن المستضئ بأمر
الله الحسن بن المستنجد العباسي المتوفى سنة ( 622 ه / 1225 م )
بتعمير القبة فوق الضريحين ، وتزيين الروضة الشريفة من الداخل ، وبناء
مئذنتين ، وتجديد بناء سرداب دار الإمام ، وكتابة أسماء الأئمة الاثني
عشر ( عليهم السلام ) مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) وابنته الصديقة
فاطمة الزهراء (عليها السلام ) على باب خشبي من داخله في شباك وضعه
على صفة ( سقيفة ) في آخر السرداب ، ولا يزال هذا الباب موجودا إلى
يومنا هذا وبه آثار حريق ، كما كتب عليه من الخارج آيات قرآنية واسم
الناصر لدين الله ، وكانت هذه الصفة في يوم ما موضع حوض ماء يتوضأ منه
أو يستحم به . وفي سنة ( 639 ه / 1242 م ) وعند استيلاء أبي الحارث
أرسلان بن عبد الله البساسيري على بغداد ، قام بتعمير وبناء مرقد
الإمامين الهمامين العسكريين ( عليهما السلام ) ووضع صندوقين من الخشب
على ضريحي الإمامين . وفي سنة ( 640 ه / 1243 م ) شب حريق داخل روضة
الإمامين ( عليهما السلام ) ، فأتى الحريق على الفرش ، واحترق
الصندوقان اللذان أهداهما البساسيري ، فأمر المستنصر بالله العباسي
منصور بن محمد الظاهر بن الناصر لدين الله ، المتوفى سنة ( 640 ه /
1242 م ) وهو باني المدرسة المستنصرية ببغداد ، باستبدال الصندوقين
المحترقين بصندوقين من الساج ، كما أوعز بعمارة المشهد الشريف والروضة
المباركة وما يحيط بها من سياج ساجي ، وإزالة ما أصابها من آثار الحريق
. وكان المستنصر قد كلف السيد جمال الدين أحمد بن طاووس أن يتولى
الإشراف على أعمال البناء والصيانة . وفي سنة ( 750 ه / 1349 م ) قام
الأمير أبو أويس الشيخ حسن بزرك الجلائري المتوفى سنة ( 757 ه / 1356
م ) ( 1 ) بتزيين الضريح الساجي ،
( 1 ) زعيم الأسرة الجلائرية التي حكمت العراق بين ( 739 - 814 ه /
1339 - 1411 م ) واتخذت بغداد عاصمة لها ، ثم مدت نفوذها إلى تبريز
وأذربيجان وديار بكر ، وهي سلالة مغولية مؤسسها المترجم المعروف بالشيخ
حسن بزرك ولقبه ( اولوس بك ) ، عينه الإيلخان أبو سعيد واليا على آسية
الصغرى فاستقل بالحكم سنة ( 1339 م ) .
وشيد القبة والدار من جديد ، وعمل بهوا أمام المرقدين ،
ثم أمر بنقل المقابر التي في صحن المرقد والتي أخذت تتزايد يوما بعد
يوم ، أمر بنقلها إلى الصحراء في مقبرة خاصة، كما قام بخدمات جليلة
كثيرة . وفي سنة ( 961 ه / 1554 م ) قدم إلى سامراء سيدي علي بن حسين
المعروف سيدي علي رئيس معينا رئيسا للبحرية العثمانية من قبل السلطان
العثماني سليمان الأول القانوني ، وقام سيدي علي رئيس - وهو سني -
بزيارة الإمامين العسكريين ( عليهما السلام ) وهو في طريق توجهه من حلب
إلى البصرة لقيادة الأسطول العثماني والتحرك به إلى مصر .
وفي سنة ( 1106 ه / 94 - 1695 م ) وقع حريق في داخل
الروضة المشرفة نتيجة ترك الخدم لسراج موقد في مكان غير مناسب ، فوقعت
منه نار على بعض الفرش فاحترق ، وأخذت النيران تسري في الخشب حتى
التهمت صندوقي المرقدين والأبواب ، وجعلت كل شئ رميما .
( 1 ) هو المعروف بشاه سلطان حسين ، استولى الأفغان بزعامة محمود على
عاصمة الصفوية إصفهان ، وخلع الشاه حسين وذلك سنة ( 1135 ه / 1722 م )
وأودع السجن ، ثم بعد ذلك ، وفي التأريخ الذي ذكرناه قتل في سجنه ،
وبهذا يعتبر السلطان حسين آخر ملوك الصفوية الحقيقيين ، رغم أن ابنه
طهماسب الثاني جلس في محله ثم من بعده الشاه عباس الثالث ، لكن سلطتهم
كانت بالاسم فقط ، راجع فرهنك فارسي للدكتور معين 5 : 462 و 1006 ، قسم
الأعلام .
وحدثت من جراء ذلك الحريق فتنة عقائدية لدى ضعفاء
الإيمان . فوصل الخبر إلى الشاه حسين بن سليمان الصفوي المتوفى سنة (
1142 ه / 29 - 1730 م ) ( 1 ) ، وهو آخر ملوك السلسلة الصفوية
الرسميين ، فأمر بصنع أربعة صناديق في غاية التزيين والترصيع . صندوقان
لضريحي الإمامين العسكريين ، والآخران - حسب الظاهر - للسيدتين
الكريمتين نرجس وحكيمة بنت الإمام الجواد ( عليه السلام ) ، وعمل شباك
فولاذي ليوضع فوق الصناديق ، ودعم البناء ، وزين الروضة من الداخل بخشب
الساج ، وفرش أرض المرقد بالرخام ، وأمر السلطان جماعة من العلماء
والأعيان الإيرانيين بمرافقة الصناديق والضريح والهدايا التي أرسلها
معهم إلى سامراء والإشراف على عمليات النصب ، وكان دخولهم يوما مشهودا
، وقد كتب اسم الشاه حسين على واجهة باب الشباك الفولاذي . وفي سنة (
1117 ه / 1705 م ) توجه الوزير حسن باشا الجديد من بغداد لزيارة
الإمامين علي الهادي والحسن العسكري ( عليهما السلام ) في سامراء ،
فأنعم بعد أداء مراسم الزيارة على خدام الروضة والفقراء ، وحمل معه بعض
الهدايا . وفي أواخر سنة 1131 ه / 1719 م ) انتشر الطاعون في سامراء
، فكان عدد المصابين يوميا ألفا أو يزيدون ، واستمر تفشي المرض إلى
أوائل السنة التالية حيث انحسر . ودخلت سنة ( 1200 ه / 1786 م ) فتصدى
الملك المؤيد الشهيد أحمد خان الدنبلي أحد أمراء خوي في آذربايجان
لعمارة المشهد المقدس للإمامين العسكريين ، وكلف أحد علماء ذلك الوقت
وأفاضلهم وهو الميرزا محمد رفيع السلماسي لتولي الإشراف على نفقات
عمليات الصيانة والتعمير والبناء . وبعد رصد المبالغ اللازمة شرع
بعمارة الروضة والسرداب بالحجر الصوان والرخام ، وقد كان للسرداب باب
من جهة القبلة يدخله الزائر بعد زيارة مرقد العسكريين بأن ينزل درجا ثم
يسير في ممر ضيق جدا حتى يدخل السرداب ، ففي سنة ( 1202 ه / 1788 م )
ردم الباب من جهة القبلة وجعل للسرداب بابا من الجهة الشمالية ،
واستبدلت الأبواب الخشبية . ثم شمل البناء الرواق والإيوان والصحن ،
وجدد بناء السور ، وروعي في ترتيب البناء أن يحاكي مرقد الإمام أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في النجف الأشرف في ذلك
الوقت . وأضاف إلى البناء الجديد صحنا آخر ، ورواقا ينتهي إلى السرداب
، وبنيت الروضة الشريفة على أجمل طراز ، وأحدث فن هندسي ، كما شمل
الإعمار ضريحي السيدتين نرجس وحكيمة ( رضي الله عنهما ) . وقد صرفت
مبالغ طائلة على هذا المشروع التجديدي ، لكن الأحداث والظروف لم تمهل
الأمير أحمد خان ، فقد قتل في نفس العام ، ودفن في رواق الإمامين في
سامراء . وسرعان ما تولى حسين قلي خان المتوفى سنة
( 1207 ه / 92 - 1793 م ) مقاليد الأمور ، وحل محل والده ، فواصل ما
كان أبوه قد ابتدأه فأكمل البهو والأبواب ، وزين جامع السرداب بالنقوش
، وكتب الآيات القرآنية على أركانه ، كما زين القبة بالقاشاني الأزرق
المعرق ، وأخيرا أعد لنفسه قبرا حفره إلى جنب قبر أبيه في الرواق فدفن
فيه بعد وفاته . وبقي الميرزا محمد رفيع بعد ذلك ينفق على مشاريع
البناء والإعمار حتى تمامه عام ( 1225 ه / 1810 م ) . في سنة ( 1210
ه / 1796 م ) في أول شوال الموافق 9 نيسان خرج الوزير سليمان باشا من
بغداد متوجها إلى سامراء لزيارة الإمامين العسكريين . ثم بعد الزيارة
ذهب إلى البساتين والبراري للصيد والتنزه وفي سنة ( 1285 ه / 1868 م )
وخلال حكم ناصر الدين شاه القاجاري المقتول سنة ( 1313 ه / 1896 م )
أمر بتعمير وتجديد بناء الروضة المطهرة ففرشت أرضها بالرخام الأخضر
الذي جلب من إيران ، وجدد الشباك الفولاذي بآخر فضي مذهب التاج ، ورخم
أرضه ، كما أعاد فرش أرض الرواق والبهو والصحن بالمرمر ، وأبدل الأبواب
، ورمم السور الذي بناه الدنبلي ، وأصلح بعض جوانب الصحن المتصدعة
والمنهارة . ولأول مرة كسيت القبة المنورة ، وأطراف المنائر بالذهب ،
ونصبت ساعة على السور فوق الباب الرئيس للصحن وهي الساعة الموجودة
حاليا . والظاهر أن هذه آخر عمارة أساسية لمرقد الإمامين العسكريين
الذي كان في كل مرة يزداد اتساعا ورونقا وجمالا . حتى وصل إلى ما هو
عليه اليوم من الأبهة والجلال والسعة ، إذ تبلغ مساحته اليوم حوالي (
13 ) ألف متر مربع . فطول الصحن ( 112 ) مترا ، وعرضه ( 108 ) أمتار ،
وهو مفروش بالمرمر الأبيض . وأما ارتفاع سوره فيبلغ ( 7 ) أمتار ، وهو
مكسو إلى ارتفاع مترين بالمرمر الأبيض ، وما يعلوه فقد كسي بالقاشاني
الملون البديع . في سنة ( 1287 ه / 1870 م ) قام ناصر الدين شاه
بزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء وقد حمل معه من التحف
والهدايا والأموال الشئ الكثير ، ولم أقف على مقدار ونوع الهدايا التي
قدمها لحضرة الإمامين في سامراء . وأجريت بعض الإصلاحات والإنشاءات
الخدمية ، من قبيل تبديل الأبواب وتفضيض الشباك وتذهيبه ، كما انجزت
مشاريع توسعة حول الصحن الشريف بعد ذلك التأريخ . فمثلا في سنة ( 1341
ه / 22 - 1923 م ) في عهد الملك فيصل الأول تم توسيع الطرق حول الصحن
وبين الدور التي تحيط به . وفي سنة ( 1343 ه / 24 - 1925 م ) تم إيصال
الماء عبر الأنابيب إلى الصحن المطهر . وأنشئت محلات الوضوء ودورات
المياه الصحية ، لرفاه حال الزائرين . وفي سنة ( 1349 ه / 30 - 1931 م
) جلب مولد كهرباء يعمل بالديزل خاص بالمرقد ، فنورت الروضة بالكهرباء
لأول مرة ونشرت فيها المصابيح ، وعلقت الثريات مما زاد المرقدين
والروضة جمالا وبهاء إلى بهائها . وفي سنة ( 1352 ه / 1933 م ) في عهد
حكومة الملك غازي الأول المولود في مكة والمتوفى في بغداد بحادث سيارة
سنة ( 1358 ه / 1939 م ) أجريت بعض التوسعات حول الصحن الشريف . في
سنة ( 1356 ه / 1937 م ) سرقت لوحتان ثمينتان من الذهب ، وبعض القطع
الفضية مما كان معلقا داخل الروضة .
وفي سنة ( 1359 ه / 1940 م ) وفي عهد الملك فيصل
الثاني بن غازي بن فيصل الأول المتوفى سنة ( 1377 ه / 1958 م ) أجريت
أيضا بعض الإصلاحات والترميمات الطفيفة وتوسعة الشوارع المحيطة بالحرم
المطهر .
وفي سنة ( 1360 ه / 1941 م ) نقل شباك الإمام الحسين (
عليه السلام ) الفضي من كربلاء إلى سامراء لنصبه على ضريح الإمامين
العسكريين ( عليهما السلام ) بعد أن رمم وأصلح . وفي سنة ( 1367 ه /
1948 م ) أصلح محمد صنيع خاتم الصندوقين الذي على الضريحين . وأخيرا في
سنة ( 1381 ه / 1961 م ) نصب شباك فضي مذهب جديد ، وهو الموجود اليوم
، وكان قد تبرع به جماعة من الوجهاء العراقيين والإيرانيين بسعي الشيخ
محمد حسين المؤيد والحاج علي الكهربائي وغيرهم . وتبلغ أبعاد هذا
الشباك ( 3 ) أمتار عرضا ، و ( 6 ) أمتار طولا ، و ( 50 / 2 ) مترا
ارتفاعا .
وهذا آخر ما وقفت عليه . وآخر هدية قدمت إلى الحرم
المطهر فرش الحرم بكامله عدا الرواقات بالسجاد الثمين ، تبرع به بعض
المؤمنين من التجار العراقيين والإيرانيين ، بسعي الحاج محمد رضا لطفي
في طهران والشيخ محمد حسين مؤيد في الكاظمية ببغداد منهم مؤلف هذه
الموسوعة : الحاج حسين الشاكري . وذلك في سنة ( 1386 ه / 1966 م ) .
والحمد لله رب العالمين ( 1 ) .
المصدر : الكشكول المبوب - الحاج حسين الشاكري - ص 101- 132
،
نصاً ودون تحقيق .
( 1 ) : اعتمدنا في استخراج هذه المعلومات التأريخية المصادر والمراجع
التالية :
1
- المنتظم في تأريخ الأمم والملوك ، لابن الجوزي . 2 - المسجد المسبوك
للملك الأشرف الغساني . 3 - رحلة ابن جبير . 4 - كتاب الحوادث ،
المنسوب خطأ لابن القفطي ، وهو مجهول المؤلف . 5 - موسوعة العتبات
المقدسة ، لجعفر الخليلي . 6 - تأريخ العراق بين احتلالين ، لعباس
العزاوي . 7 - مزارات أهل البيت وتأريخها ، للسيد محمد حسين الحسيني
الجلالي . 8 - الإمام الحسن العسكري من المهد إلى اللحد ، للسيد محمد
كاظم القزويني . 9 - الأعلام ، لخير الدين الزركلي . 10 - تأريخ التمدن
الإسلامي ، لجرجي زيدان .
|