التقية هل قدر الشيعة أن يتعبوا أنفسهم بإعلان حسن النوايا ؟

 

السيد إدريس هاني *

 

 

لقد ارتبط مفهوم التقية بالعقائد الشيعية ، حتى بات في نظر خصومهم واحدة من مميزات الشخصية الشيعية لا تنفك عنها بأي حال من الأحوال . وذلك بعد أن تعدوا بالمفهوم إلى مطلق السلوك الشيعي الفردي والجماعي على السواء. فلم يكن غريبا أن يتحدث أحد المحللين عن موقف الشيعة بالعراق بأنهم يمارسون التقية مع الأمريكان .

ولقد بالغ خصوم الشيعة في هذه النعوت حد الشطط . لا، بل وأصبحوا يحملون عنها فهما خرافيا لا يقل تفاهة عن خرافة الشيعة أصحاب أذناب البقر التي تغذى عليها العقل التكفيري المريض ردحا من الزمان غير بعيد.

والواقع أن مفهوم التقية بعد أن كان مفهوما ذا أهمية قصوى في التاريخ الرسالي ودلالة إنسانية عالية في العقائد الإسلامية ، محكومة بضوابط شرعية وأخلاقية ، سرعان ما تحول إلى معنى قدحي ، دفع الشيعة بموجبه الثمن غاليا ، حيث ظن  غالبية الناس من ضحايا التجهيل ، بأن الشيعة غير صادقين في ما يظهر من كلامهم وتصرفاتهم .

ولا يخفى أن المنظور الذي يحمله خصوم الشيعة عن الشيعة بخصوص مفهوم التقية ، هو بخلاف الطبيعة البشرية وبخلاف الواقع التاريخي الذي عاشوه ولا يزال دربه ممتدا أمامهم وبخلاف منظومتهم المعرفية.

فأما من جهة الطبيعة ، فإن بشريتهم مانعتهم من أن يكون لهم باطن دون ظاهر ، كسائر خلق الله أجمعين بمن فيهم إبليس اللعين . فإذا كان مستساغا لدى من رأى فيهم يوما أنهم ليسوا بشرا ، بل لهم أذناب بقر ، فحتما سيصدق بكل ذلك إلا أن يقال أن لهم باطن فقط ، حيث كل ما للحيوان ، ظاهر لا محالة . فأن يكون سلوك الشيعة محكوم بهذا الستار الحديدي من التقية في الصغيرة والكبيرة ، دليل على طبيعة العقل الذي يتحلى به خصومهم ، وهزال التفكير الذي لا يزال يشكل القاعدة المنطقية لمثل هذه النعوت .

وأما من جهة التاريخ ، فإن الشيعة كانوا ولا زالوا يتواصلون ويتفاعلون ويكتبون ويحاضرون ويجاهدون ويبنون ويحلمون ويأكلون ويمشون في الأسواق.. ومثل ذلك لا يستقيم بالباطنية المطلقة ، والتقية الشاملة في حياتهم . وكيف يقال أنها كذلك ، في حين أن السر لو ذاع في المجتمع وفشا بين الناس عز أن تجد له حاجبا . فمادام للشيعة مجتمعا وما دام مجتمعهم محكوما بسنة الاجتماع البشري من نزعات وخصومات وعواطف وانفعالات ومعاملات وذنوب وحسنات وكدح ورغبات...  فحتما لن يكون لهم رأي باطن على طول ممشى حياتهم . 

بل و لكان انتهى التواصل بينهم منذ زمن بعيد . لجهة أن قوام التواصل هو ثبوت إرادة المتكلم وجريان الفهم على قانون التلقي ، الذي يقوم على حجية الظواهر وقرينة الحكمة كما يقول الأصوليون..

وأما من جهة منظومتهم المعرفية ، فلك أن تنظر  في عقائدهم ، وإن ظن الكثيرون أن التقية من الأصول التي تتقوم بها عقائدهم ، في حين التقية هي سلوك طبيعي وموقف عقلاني وعقلائي أمضاه الشارع أول ما أمضاه بنص الآية وجملة الروايات التي كان أول مواردها حادثة الصحابي الجليل عمار بن ياسر كما لا يخفى .

ولك أن تتأمل مورد الآية ، حيث رفع الحرج عن عمار بن ياسر لم يسلب قيمة الصدح بالحق الذي قضى في سبيله أبواه . فهم صدحوا وهو اتقى ، وكلاهما له حكم خاص ، فتأمل!  وهي تمثل ما سماه غيرهم تورية وما إليها من عبارات تؤكد على المطلب ولا تنفيه وإن كانت تخالف الاصطلاح الذي اقره القرآن ليتحول من معناه اللغوي المعروف، إلى حقيقة شرعية بموجب هذا المورد . مع أن أصل التسمية هو ظاهر الآية : ﴿  إلا أن تتقوا تقاة، ويحذركم الله نفسه ﴾.

ولعمري هي المرة الأولى التي أرى الشيعة يعيرون بمبدأ سماه القرآن ولم يسموه إلا تمسكا به. ومن جهة أخرى ، ما كان للشيعة أن يكون لهم هذا التراث الكبير من الفروع لو أن التقية قامت عندهم على خلفية هذا المنظور  الخرافي المستحيل تحققه في عالم النوع . فلا شك في أن الفروع تتحصل بظاهر الكلام ، وأنهم أدركوا في عملية الاستنباط أن كلام العقلاء ـ وذلك هو مفاد  قرينة الحكمة ـ  تام وظاهر ومفيد . وما استثني عند التعارض بسبب التقية إنما هي واحدة من طرائق فك التعارض بين الروايات عند انسداد باقي الطرق المتقدمة في الاعتبار في مقام التعارض والترجيح . وهي نكات أصولية غاية في الروعة لما تفهم أنها تستدخل البعد السياسي والتاريخي والثوري في تحقيق الأخبار .

أردت من خلال هذا المدخل الموجز أن أتطرق إلى هذا الحرص الشديد على التشبث بكل هذه النعوت ، لغاية ذميمة ؛ أن تتهم دوما نوايا الشيعة ويشكك في صدقهم . غير أننا لا نحتاج أن نعلم غيرنا بأن مدرسة عتيدة تنهل بالليل والنهار من تراث بيت النبوة وتستلهم من حكم وتعاليم نهج البلاغة وتتمثل شخصية علي ابن أبي طالب والحسين ، حتما لن تغيب عن خلدها قيم الصدق والشجاعة طرا ، إلا إذا سلمنا للقراءات التعسفية الساذجة ، بأن ثمة حبلا طويل من النفاق لا يزال يجتره هؤلاء الشيعة ، حتى لو استشهدوا بالجملة والتقسيط من أجل خير هذه الأمة وحتى لو ضحوا بما لديهم من نفيس من أجل كرامتها وازدهارها.

وأحسب أن المرحوم الشيخ مهدي شمس الدين ، كان في غاية النباهة والجرح ،  لما أشار إلى حالة الاستثناء التي يمثلها الشيعة في المعارضة والثورة والمقاومة  في الشرق الأوسط ، معتبرا ذلك خطرا على وجودهم ، فلا ينبغي أن يصبح ذلك حكرا على الشيعة ، فإما أن يشاركهم الأغيار في ذلك أو لا يفعلوا. وإما أن نكون جميعا في مورد العاشق لليلى أو لا نكون .

والحق أن المرحوم كان بعيد المدى ، حين خشي على الشيعة أن يكونوا دونكيشوت يقاتل بالوكالة عن الأمة ، على أن التاريخ ما أنصفهم في الماضي ولا يزال لم ينصفهم ، لسبب بسيط ، وهو أنه تاريخ لا تبرز حقائقه كلا . لكننا نعتقد أن على الشيعة أن يكونوا كما هم . وبأن قدرهم أن يكونوا ضمير الأمة النابض . وبأنهم مكلفون ومسؤولون أمام الله والتاريخ ، لا أمام لكع بن لكع. نعم ، عليهم أن يكونوا وحدهم عشاق ليلى . وليس في وسعهم أن يطالبوا بالاعتراف ، حيث لم يعترف بأئمتهم على علو شأنهم وعظيم قدرهم .

فبعد كل ملاحم الفداء التي سطرها علي بن أبي طالب ، منذ فجر الإسلام ، وجد في الأمة من تقرب إلى الله قرنا من الزمان بلعنه وسبه على المنابر وفي التعقيبات..وبعد عظمة النهضة الحسينية التي حالت دون تحول الأمة إلى قطعان من العبيد مسلسلة الكعاب ، وجد في الأمة من يصف الحسين بالخارجي وهكذا دواليك..

أجل : كونوا عشاق ليلى ولا تلتفتوا إلى من يستفيذ من إنجازات الشيعة دون أن يقر لهم بذاكا..

لقد استغل خصوم الشيعة كل هذه النعوت الخاطئة ، وأمعنوا في ممارسة التجهيل تلو التجهيل ، لم يهذب عقولهم هدير ما نحن عليه اليوم من نبوغ علمي فارد  وتفوق تقاني وإعلامي كبيرمن شأنه أن يقلب الطاولة في وجه محاولات التزييف والتجديف..لكن ما هو أنكى وأمر، أن الشيعة أذعنوا إلى هذه اللعبة وبات دورهم السلبي يكاد ينحصر في تبرير سلوكهم والدفاع عن وجودهم والبرهنة المستدامة على حسن نواياهم.

هذا في حين أنهم يصنعون إنجازات كبرى للأمة على الأرض ، وحيث الغلبة والقهر المعرفي والحضاري لهم في هذه الأمة ، فهم اليوم الذين يقدمون أفضل الآراء وأجمل الأفكار وأكثر الروائع نجاعة. بل لا يخفى أن هذا الجيل من المسلمين اليوم يتعلم منهم ومن أفكارهم ويستلهم  منجزاتهم ، فلا وجود لمن يستغني عن منتجاتهم الفكرية والثقافية ، والكل يتتلمذ عليه سواء اعترف أو لم يقر بذاك..

ولا يحتاج الأمر إلى كثير تأمل. فما يجري في معارض الكتب أكبر دليل على هذه الازدواجية المنكرة ، حيث يتسابق إلى المكتبات الشيعية كل هؤلاء زرافات وبعضهم خفية ، ومرة أخرى من دون اعتراف ، وأحيانا باعترافات ناقصة :

«نحترم أفكاركم ولا نحترم عقائدكم»..

أفلا يفيق هؤلاء من هذا الكيل بمكيالين ، ويعترفوا بحاجتهم إلى هؤلاء الذين ينهلون من كنوزهم بالليل ويشتمونهم بالنهار..

أفلا ينهض هؤلاء من سباتهم ويعترفوا ولو مرة واحدة في تاريخهم ،  بأنهم اليوم مدينين لهذا الفكر بعد أن انقطعت بهم الأسباب.. وبأن يعيدوا إنتاج علاقة صادقة وعقلانية مع ملايين الشيعة ، لو أنهم انقرضوا عن بكرة أبيهم ، فلن تكون هذه الأمة مليارية كما يزعمون ، ولن يجدوا بينهم من يبعث فيهم روح علي والحسين..

فماذا كان سيخسر العالم الإسلامي، لو ـ لا سمح الله ـ لم يكن للشيعة هذا القدر من الوجود ؟

وهل ستذكر هذه الأمة شأنية آل بيت النبوة الكرام لو لم يكن هؤلاء يذكرونهم بهم بالليل والنهار، أم أنهم كانوا  سيصبحون في خبر كان؟. بلا، الجواب واضح.. وعلى الشيعة اليوم أن يهزوا رؤوسهم ويتحرروا هم من تاريخ ذلك القمع الذي مورس في حقهم..فليعملوا دون اكتراث ، ولا يقدموا أدلة إضافية على حسن نواياهم ، فلا يشك في نواياهم بعد كل هذه المنجزات وبعد كل ما حصل، إلا مكابر ومعاند..وأمثال هؤلاء لا يلتفت إلى جهالاتهم..

*كاتب من المغرب.

المصدر : montadaalquran.com