كيف نقرأ الإمام الشـيرازي الراحل في ذكراه التاسـعة ؟

 

د. فـؤاد الصـادق

 

أراسـلك اليوم آملاً أن تصل رسالتي إليك ، كما كانت تصل من قبل ، ويصلني الجواب ، وبخط يدك المبارك ، لأنك عشت بدون حاجب تماماً ، وذلك قبل قصة الرحيل المفاجئ المفجع قبيل خلاص العراق الجريح من الديكتاتورية وإنتقاله إلى ديمقراطية مشلولة مختلة تملي التخطيط للإنتقال إلى الديمقراطية المباشرة ، وأعلم أني في هذه السطور أقوم بأقل الواجب و التقدير الذي أكنه لك ، ويدفعني إلى أن أبوح بهذه الكلمات إلى روحك الطاهرة...

بسـم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وأهل بيته المطهرين .

السـلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ألف تحية وسـلام و...

إلى منْ ردَّ الأقلامَ إلى صوابها دون أن يسميها ، ودون أن يجرحها .

إلى منْ علمنا أنه لا يؤلم الإنسان أن يموت على يد منْ يناضل من أجلهم .

إلى منْ علمنا بسلوكه كيف نحترق ؟ كي ننير الطريق للآخرين .

إلى منْ أرهق الأقلام في إنتاجه المعرفي الكبير دون يعرف قاموسـه ما يـُسـمى بالإرهاق .

إلى منْ علمنا التحصين بالوقاية الإستباقية المبكرة من الأخطار المعرفية والحضور الدائم في جميع الساحات المعرفية .

إلى منْ شـرحَ لنا كيف ؟ ، ولماذا ؟ يمكن أن تنقلب الثورة إلى "لا ثورة" ، أوحتى إلى "ضد الثورة" بطريقة واضحة ، وخفية في الوقت نفسـه .

إلى منْ علمنا أن الثورة التي لا تحافظ على كرامة الإنسان وشرفه ، وعلى كرامة المجتمع والدولة وشرفهما هي ثورة مغتالة ، ومخذولة لأنها ستفشل في تغيير الإنسان لعدم تمسكها بقاعدة أخلاقية قوية راسخة ذات يقظة روحية مستدامة عالية ، وإنضباطية سلوكية ذاتية إجتماعية ديناميكية إقتحامية مرنة .

إلى منْ حللَ لماذا كتب هذا ؟ كتاباً بعنوان " شاهد على إغتيال ثورة "، وذلك الأخر كتاباً عنوانه " الإستقلال المصادر " ، وذلك الثالث كتاباً سماه '' إستقلال ممزق '' لتحصين مستقبل حركات التغيير والإصلاح الاجتماعي التالية من تلك المآلات الخائبة.

إلى منْ فسـرَّ لنا ظاهرة النكوص المتواصلة في الثورات الإجتماعية لمواجهة فمعالجة الأمراض دون الضياع في أعراض المرض، وبالإسـتعانة بالأدوية المتوافرة في الصيدلية المسـلمة وبعيداً عن تضخيم فقه تبرير النكسات والإخفاقات والدفع به إلى السطح ، من خلال التركيز الأحادي المطلق على فكرة الابتلاء ، وفكرة المهم هو العمل ، وليس المهم هو النتيجة .

إلى منْ علمنا أن نتسـائل ، ونسـئل :

أين كانت الأمة من مذبحة كربلاء يوم عاشوراء ؟

لماذا لم يعرف لحد اليوم العالمُ كله عاشوراء ؟

لماذا لم يعرف المسلمون لحد اليوم حق عاشوراء عليهم ؟

لماذا لم تعرف البشرية لحد اليوم حق عاشوراء عليها ؟

كيف نقرأ الإمام الشـيرازي الراحل في ذكراه التاسـعة ؟

تصورات على الطريق إلى القراءة الصحيحة :

- قراءة لاتفوت إحداث التراكمية المعرفية للأمة بواسطة الاعتماد على نتائج دراسات شخصية محدودة ، غير دقيقة أوغير مكتملة لأسباب تعود إلى المنهج المستخدم ، أوإلى تحيزات سلبية مازالت تمنع الأمة من الإقلاع لدخول التاريخ الكبير لذوباننا في التاريخ الصغير .

- قراءة تحمل معولها في الحفر والتنقيب عن الأسس التي قام عليها فكر الإمام الشـيرازي الموسوعي الأصيل ، وبها ازدهر ، وآتى ثماره الفكرية النظرية يانعة ، وكيف نمنع دخول الصقيع الذي يحاول تجميّدها ، ويعيق إستمراريتها دون تسـلّف .

- قراءة تسكتشف القاعدة الثقافية التاريخية الإجتماعية الذاتية الإبداعية الأسـرية الحوزوية البيئية والبنيوية المؤثرة التي ساهمت في تمكين الإمام الشـيرازي من الإنتاج المعرفي الغزير الكثيف المتغيير الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة من جهة ، وبين الدورين الاجتماعي والمعرفي لرجل المعرفة بل لرجل الفقه والمرجعية التي حاول زرع اللامركزية ، التعددية ، المأسسة ، الشورى ، العمل الجمعي فيها ، و...الخ ، ودفع الثمن وبالتمام والكمال ، وأحياناً على طريقة الدفع المسبق التصاعدي المضاعف !.

- قراءة تسكتشف متطلبات التحديث المعرفي والإستمرارية لأن النظام العالمي تغير كثيراً حيث اصبح يتحرك نحو الأحادية القطبية الهشة خطوة ليتوقف فيفكر في الإشراك ، وباتت الرأسمالية تتحرك من العولمة والتجارة الحرة نحو القطرية الحرجة والحمائية والتأميم والنظام المالي العالمي الجديد علاوة على التراجع البطئ الخفي من الديمقراطية والإلتزام بحقوق الإنسان .

-  قراءة تستمر ، ومن حيث إنتهى الإمام الشـيرازي في التنقيب لإستكمال الإجابة على السـؤال الذي طالما طرحها مثل  "لماذا تأخر المسلمون ؟" ، "ماهوالسبيل إلى إنهاض المسلمين ؟"، و"ما هو الطريق لصياغة عالم الرفاه والحرية والتقدم ؟"، و" كيف يمكن إنقاذ الغرب ؟" ، " المرض والعلاج ؟" ، و...الخ .

- قراءة تنظر إلى الإنتاج المعرفي للإمام الشـيرازي نظرة متحركة ديناميكية ، وبعيداً عن النظرة السكونية الدوغمائية الستاتيكية ، لأنه طاب ثراه كان مبتكراً لحلول لاتفرط بالأصالة كما لاتفرط بالمعاصرة ، ويمكن أن تعالج معضلة العالم الحضارية بتكاليف قليلة ، غير جراحية ، وبعيدة عن العنف والمركزية ، والإستبداد بأنواعه ، ودون تفريط بالسيادة الكاملة لأن القراءة الديناميكية لوحدها يمكن أن تهدينا إلى كشف المنهج الذي قام عليه الإنتاج المعرفي الكبير للإمام الشـيرازي لتكريسه بعيداً عن الخلط بين الإنجاز السياسي ، والإنجاز الثقافي لأن الأخير يتميز بالبطئ الشديد ، ولابد فيه من التراكمية ، والنفس الطويل ، وتقديم للحركة العمودية على الأفقية .

- قراءة تستبعد إعمال التفكيك أوالإختزال لأن الإنتاج المعرفي الكبير للإمام الراحل كتلة واحدة ، ومنظومة متكاملة لا تقبل التجزئة ، أوالإقتطاع ، أوالإلحاق ، أو...الخ بدوافع تلفيقية واجتزائية أوانتقائية .

- قراءة لاتتجاهل النقد المزدوج للشرق والغرب كما لاتتجاهل المعامل الإستعماري ، وكما لاتتجاهل معامل القابلية للاستعمار ، لأن الوصول إلى السيادة الكاملة ، وبناء الدولة الحديثة سيتعثر ، والقضية واضحة ، ولاتحتاج إلى بيان كثير لأن الأصالة للواجبات ، وهي متقدمة في الرتبة على الحقوق بالرغم من تلازمهما ، وكما قيل :

"الحق ليس هدية تعطى ، ولا غنيمة تغتصب ، وإنما هو نتيجة للقيام بالواجب "

- قراءة واعية متتبعة لأدوات الإمام الراحل في معالجة الفصام الفكري المتفاقم الذي كان ومايزال قائماً مثل النقل الفكري الميكانيكي من الآخر ، ومقولات إنهزامية أداتية للإستعمار مثل مقولة :

" كل ما هو حضاري من الخارج ، وكل ما هو متخلف من الداخل " . ومقولة ادغار كينيه الإستشراقية :

" من الشرق الأنبياء ، ومن الغرب العلماء " .

ومقولة المطلوب :

" قلب إسلامي ، وعقل غربي "  

أو :

" قلب عربي ، وعقل أوروبي ".

ومقولة المتوسطية التغريبية  ، وما نحو ذلك من هرطقات معروفة .

- قراءة للتطبيق الإختباري المحدود فالمراجعة والتقييم فالتعميم...قراءة لتغيير الذات...قراءة للتكريس...قراءة تؤرقها هموم تحقيق الإنجاز الحضاري والمدني الشامل .

إنها قراءة تمليها المدرسـة الشـيرازية لمنْ يطمح ، ولابد أن يطمح كل واحد منا ليكون فاعلاً نهضوياً مسلماً وقادراً على تحويل البعد الإيماني إلى إنجاز حضاري...فاعلاً لايتقدم في الهدف والوسيلة كما لايتأخر فيهما عن مدرسـة أهل البيت المطهرين عليهم أفضل الصلاة والسلام قيد أنملة .