الفقيه الشيرازي ومحبة الناس

 

احمد جويد

 

 

مرت عام كاملة على رحيل الفقيه آية الله السيد محمد رضا الشيرازي نجل الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي (رضوان الله تعالى عليهما) حيث مضى عن هذه الحياة الدنيا بهدوء ونفس مطمئنة راضية قانعة بقضاء الله ومع مرور ذلك العام مرت العديد من التأملات في العديد من المواقف التي أفرزتها مناسبة رحيل الفقيه الجليل والعبد الصالح، تأملات منها ما يتعلق بشخصه وسيرته ومنها ما يتعلق بعلمه وأخلاقه ومنها ما يتعلق بصفاته الأخرى كالصبر والحلم والتواضع والتسامح والابتعاد عن كل ما نهى الله عنه من المحرمات بل وحتى المكروهات... الخ، من تلك الصفات التي تصلح أن يكتب عنها بحوثاًً تشغل مجلداً إلا أننا نريد التأمل في مسألة هامة ومهمة وواضحة للعيان بدأت مع عرض محاضراته على الفضائيات ومع تعرف الناس عليه وبالخصوص الذين لم يلتقونه من قبل أو يرونه، آلا وهي مسألة المحبة في قلوب المؤمنين التي أضحت صرخة مدوية من الحزن واللوعة والأسى في قلوب هؤلاء المحبين بعد سماعهم لخبر الرحيل المفاجئ وتلك مسألة محبة المؤمنين لا يمكن أن ينالها أي إنسان مهما بلغت سلطته في المجتمع بل يختص بها الله سبحانه وتعالى عبادة المخلصين، كما وإنها فضيلة فضل أعطيت لأهل البيت (عليهم السلام) ليبقى ذلك الحب خالداً في نفوس المؤمنين على مر الدهور، وكما عن الإمام زين العابدين(ع) حينما قال في بعض كلامه أيها الناس أعطينا ست وفضلنا بسبع: أعطينا العلم والحلم والسماحة والشجاعة والفصاحة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا......ولو تأملنا تلك المحبة التي انعكست على تصرفات مئات الآلاف ممن شاركوا في تشيع الفقيه الراحل(قدس سره) والذين ظهرت عليهم علامات الحزن واضحة وجلية سواء ممن حضروا تشيعه وشاركوا في استقبال الجثمان الطاهر أو ممن لم تسمح لهم الظروف بالمشاركة وكأن لسان حالهم يقول (كنتَ طوال عمرك متريثاً جداً، أما كان بمقدورك أن تتريث في الرحيل؟ ثم لماذا هذا الرحيل المبكر؟ هل ساءك ما يحدث في بلادنا؟ أنت لم تخش يوما أحداً إلا الله عز وجل فلماذا إذن قررت الرحيل قبل الأوان؟) ومع تلك اللوعة وجدنا محبة جعلها الله سبحانه وتعالى لهذا العبد الصالح في قلوب المؤمنين، وهي نتيجة طبيعية لمن يجعل من الله مرآة له في السر والعلانية وفي كل صغيرة وكبيرة ولمن يعطي بلا حدود وبلا ثمن ولمن حباه الله سبحانه بغزارة العلم ولمن زكى علمه ونوّر به قلوب وعقول المؤمنين، يقول النبي محمد (صلى الله علية وآله وسلم): (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولد صالحٍ يدعو له) ان هناك الكثير من الذين يعيشون في هذه الحياة ولا احد يعرفهم في حين ان هناك الكثير من الموتى منذ عقود من الزمن ولكنهم يعيشون معنا، فالملايين من الذين يحيون معنا في أجسادهم ولكنهم نكرات لا نعرفهم، في حين يعيش آخرون في عقولنا ووجداننا على الرغم من موتهم قبل آلاف السنين وذلك لتمكنهم من أن يصنعوا لأنفسهم مجدا ساميا تفتخر البشرية بذكره على مر السنين، قال تعالى (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) آية (11) سورة المجادلة. وما بعد الخلود الدنيوي لعلومه ومعارفه وسيرته العطرة (قدس سره) في الأوساط العلمية والشعبية، فهنالك الخلود الآخروي في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع آبائه وأجداده الصالحين، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)آية (55) سورة القمر.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

المصدر: shrsc.com