من ذاكرة الوجدان بمناسبة الذكرى السنوية السابعة لرحيل المجدّد السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

سجلت الأسرة الشيرازية عبر العديد من مراجعها التجديديين وعلمائها القادة مواقف رائدة أسست من خلالها منهجاً (إيمانياً - إنسانياً - أخلاقياً) يهدف الى الإصلاح والتجديد والتنمية والرفاه والفضيلة عبر الحوار والتواصل والبر والتعاون في أجواء يتلازم فيها السلام والحرية المتلازمة أصلاً مع العدالة وفي الوقت نفسه يهدف (المنهج الشيرازي) الى التخلص من قيود التقاليد المفروضة ورواسب التقولب وعقدة الاستسلام الى الأعراف المريضة, ويؤكد على عدم الركون الى الواقع الذي لا يلبي الطموح ولا تتقدم عبره الأمة ولأنه منهج مرجعي يغور في عمق الماضي وتراثه, ويتعايش مع توثب الحاضر وتناميه, ويحادث المستقبل ويستقرئ تحدياته ومتطلبات انتصاراته كان على الأسرة الشيرازية أن تعتمد التدرج في تقديم مشروعها (النهضوي - الحضاري) الى الأمة واستقدام الأمة الى المشروع وخاصة إبان مرجعية الراحل الكبير آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه) وكان أن يتقاسم علماء الأسرة الشيرازية الأدوار حيث إن قوة الطغيان لها أثرها وإن لعناصر الانحراف تأثيرها.

لقد ذكر أهل العلم والخبرة أن الإمام الشيرازي الراحل قد تميز بعمقه الفقهي وغناه الموسوعي وفكره الأصيل المستلهم من الكتاب الكريم والسنة المطهرة, والذي يعالج شتى القضايا الحيوية ومشاكل العصر كما امتاز (قدس سره) بمنهجه الموضوعي في قراءة الأمور والأحداث والحاضر والمستقبل ومن خلال قراءة مؤلفات الإمام الشيرازي يمكن تلمس عمق تجربته الثقافية ومكانتها الحقيقية الفاعلة في مشروعه الحضاري حيث يرى (قدس سره) أن الثقافة "عبارة عن الدين والعلم والأخلاق والرسوم والعادات ونحوها"كما يؤكد أن ثقافة المجتمع - على كثرة وحداتها وفروعها - تنتظم في ثقافة موحّدة هي بمنزلة الهيكل العظمي لثقافة المجتمع العامة، فثقافة العقائد وثقافة الآداب وثقافة العلوم والفنون وحتى ثقافة الأحوال الشخصية هي عبارة عن أجزاء ووحدات ثقافية تعطي المجتمع هويّته المتميزة" ومن الوسائل التي يؤكد عليها – دائماً- في عملية الوعي الثقافي بين المسلمين عموماً، قراءة سيرة النبي الأكرم والأئمة الأطهار (ع), فحياتهم الحافلة بالمآثر الإنسانية وبالصور المشرقة تعتبر نبعاً عذباً وصافياً لاستلهام الدروس والعبر من سيرتهم وسنتهم. ومن خلال نظرة تحليلية لمؤلفاته (قدس سره) يلاحظ أنه (قدس سره) يربط دائماً بين المرتكزات الثقافية والقيمة الحضارية للحرية، وإن أحد الشروط الأساسية لتأهيل المجتمع والارتقاء بنضجه الحضاري هو االتكامل بين الثقافة بكل مفرداتها والحرية بكل مقوّماتها ولذلك فعندما يتحدث (قدس سره) عن الحرية، فإنه يتحدث عنها بوصفها (ضرورة), وليس بوصفها منحة أو عطاءً، لأنه يرى أن: "الأصل في الإنسان الحرية".

يمثل الفقه عند الإمام الشيرازي الراحل الدائرة الأوسع التي يبحث جميع المسائل والقضايا في إطارها، ولذلك فإنه ينتقد تقسيم العلوم إلى دينية ودنيوية حيث ينظر إلى الإسلام باعتباره شريعة منجزة قد اجتازت عصر التأسيس، ويركز بصورة خاصة على إدراك التطورات وبناء ما يلائمها من أحكام، وهو بذلك لا يتفق مع حركات النهوض التي حاولت إنجاز قطيعة مع الإسلام، إما بشكل علني عن طريق الإعلان عن مشروع مستورد، أو بصورة غير معلنة عن طريق الوصول الى نموذج آخر بعد جر الأحكام إليه، ولو بتحميل النصوص ما لا تحتمله، ومن هنا جاءت نظرية (شورى الفقهاء) لتدفع بالمرجعية بحالتها العامة إلى أقصى درجات التكامل الممكن، وذلك لأنها تتيح الفضاء الواسع أمام العالِم لطرح آرائه كما إنها تخلق حالة من الفضاء العلمي المتحرك الذي يتطلب المزيد من القوة والإحكام بسبب وجود النقد الذي يمارسه فريق من العلماء، كلٌّ على حدة، ومن وراء هؤلاء ثلّة من أهل الفضيلة، وأخيراً الجمهور. وبهذا فإن شكل النظام السياسي عنده (قدس سره) عبارة عن عملية تطوير للحوزة العلمية، ونقلها إلى نظام أكثر مواءمة للدولة إن القارىء لحياة الإمام الشيرازي الراحل سوف يجد اهتماماً بـ(مفهوم التعددية)، وقد أعطى رؤية واضحة ومؤصلة لهذا المفهوم، وباعتباره فقيهاً بارزاً فإن ما كتبه في هذا المجال يحظى بأهمية بالغة عند رجالات الفقه والثقافة. ويرى (قدس سره) أنه حينما يقبل الإسلام بوجود سائر الأديان والاتجاهات ضمن مجتمعه وفي ظل دولته، فإنه يمنحها (الحرية الكاملة) في ممارسة شعائرها والقيام بطقوس عباداتها، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها دون أن يفرض عليهم شعائره وأحكامه أو يتدخل في شؤون أديانهم. وفي الوقت نفسه يشير (قدس سره) الى إن التعددية المذهبية تعني الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء المذهبي في مجتمع واحد. واحترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في الفروع أو غيرها وإيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بشكل يحول دون نشوب صراعات تهدد سلامة المجتمع ويرى أن مفهوم التعددية المذهبية يتضمن, أيضاً, الإقرار بأن "أحداً لا يحق له نفي أحد", و"ضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي للجميع" و"المساواة في ظل سيادة القانون". أما "التعددية السياسية" التي أكد عليها فتعني مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش وفي التعبير عن نفسها وفي المشاركة في التأثير على القرار سياسياً في مجتمعها وينطلق الإمام المجدد الشيرازي من أن الأديان بحكم انتمائها إلى السماء لا تأمر إلاّ بالخير والحق والصلاح والبر والمحبة والرحمة والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، وما كانت يوماً عائقاً أمام التعايش والتعارف والحوار، وإنما العائق يكمن في الذين يتوهمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة, ويستغلون الأديان للتحكم في أقدار الناس ومصائرهم، عبر العنف والطغيان. لذلك أكد (قدس سره) ضرورة التفريق بين الأفكار الحقة التي تستند على قيم العقل والحوار والتعايش السلمي والتشارك الإنساني، وبين تلك الأفكار التي تستخدم قوة الاكراه والتسلط للسيطرة على الآخرين لتحقيق غايات فردية. يقول (قدس سره): "الناس بطبيعتهم لا يميلون إلى الأفراد العنيفين وسيّئي الأخلاق، وإذا حدث واستطاع بعض أصحاب القدرة والعنف استغفال مجموعة من الناس وخداعهم لفترة، فإن أوراقهم سرعان ما تنكشف وينقلب الأمر عليهم وينفض الناس من حولهم إن لم ينقلبوا عليهم". لقد نادى الإمام الشيرازي الراحل بإعلاء كلمة الإسلام عبر الاقتداء بسنن رسول الله وآل بيته الطاهرين (عليهم السلام) من خلال ما طرحه من رؤى وأفكار والعمل بمبدأ اللاعنف، فحياته كانت مصدر إلهام لمبادئ العدل والحرية والخير والمحبة والرفاه وداعية إلى الحقوق المدنية والتغيير الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم لا في العالم الإسلامي فحسب  ومن أقوال المرجع الديني السيد صادق الشيرازي دام ظله في الذكرى السنوية بهذا الخصوص : «مما يجدر ذكره - ونحن في الذكرى السنوية لرحيل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي الأليم - ما كان يضمره, ويلهج بذكره، ويواصل من أجله, قضايا المسلمين ومآسيهم في كل مكان، سواء في البلاد الإسلامية أم في غيرها».

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: أجوبة المسائل الشرعية العدد: 131