الامام الشيرازي.. البطل الخالد

 

حيدر السلامي

 

 

يختلف الأبطال من زمن لآخر باختلاف البيئة التي يقدر لهم أن يعيشوا في كنفها والمسرح الذي يجسدون على خشبته بطولاتهم. وهكذا فلكل زمان أبطاله ودولته وأعلامه، ولا يشذ عن ذلك إلا العلماء الحكماء فإنهم أبطال كل الأزمنة وتأتي هذه الاستطالة والاستيعاب الشامل لأكثر من زمن من ذات الطبيعة الامتدادية للمنجز العلمي الذي يكدحون في سبيله حتى بلوغ الغاية وتحقيق أعظم الفتوحات.

العلماء ليسوا كغيرهم من البشر فهم لا يحلقون بأرواحهم في أعالي السماء فيستنزلون أسرارها التي يفتحون بها خزائن الأرض ويوجهون مسارات التاريخ ببراعة فائقة والنتاج الفكري المتدفق من يراعاتهم نحو العالم الوجودي ومنه إلى العقول والأفئدة يمنحهم قابلية التربع على عرش البقاء والذكر الخالد ومن أولئك الأبطال العلماء الذين امتلكوا العصور وهيمنوا على مساحات واسعة من الوجود الفكري والحركي، الإمام السيد محمد الشيرازي فقد كان هذا الرجل بما تمتع به من مواهب خلاقة نسيج وحده ومرآة جيله من الأبطال الأفذاذ.

لم يدع بابا من أبواب المعرفة إلا طرقه بفكره وولج منه إلى عالم أرحب ليعود بحصيلة زاخرة من الإبداع وتجديد العطاء وإفاضته على من أراد الانتهال من معينه الصافي والاكتساب من تجربته الملهمة فكان للشيرازي القدح المعلى والزعامة المطلقة والبطولة المتميزة في شتى المجالات وبنفس الدرجة. أذهلت مؤلفاته الكتاب والمؤلفين والنقاد عمقا وشمولية دقة وموضوعية أسلوبا ومنهجية حتى غدت لغزارتها وروعة انسيابية خطابها وتلقائيتها مكتبة عامة يرتادها كل صانع للحظة الحاسمة من التاريخ وكل فاتح من فاتح. وذهب بعض إلى تلقيبه بسلطان المؤلفين وبعض بنادرة الزمان واستهوت أفكاره فئة فاتخذت منه إماما للتجديد ومع أن الشيرازي كان بطلا من الطراز الأول وقد ترك بصماته الواضحة على كل مقطع زمني عاشته الأمة الإسلامية في حياتها المعاصرة إلا أنه عاش وارتحل غريباً، لم ولن تعرفه الدنيا إلا بعد مائتي عام كما قال أحد مجايليه (1) وبالنظر إلى أن هذا القول قد صدر عن حكيم كبير حاز على الملكات النفسية والخصائص الذاتية غير الاعتيادية وله معرفة وخبرة وفراسة إيمانية، فإنه يدعونا للتوقف عنده والتمعن فيه لعله يكشف سراً من أسرار شخصية الشيرازي الإنسان والعالم والمفكر والمصلح المربي ولا شك أن فيه تأكيد لما قلناه من أن الرجل كان يعيش غربة من نوع خاص مع قومه وعصره شأنه شأن العظماء السابقين لعصورهم..وطوبى للغرباء ولعل من أبرز مظاهر سبق الإمام الشيرازي زمانه طروحاته في الحرية والتعددية والشورى والأمة الواحدة والسلم واللاعنف والضمان الاجتماعي ومعالجاته للعديد مما حصل ويحصل من مشكلات الواقع الإسلامي والعراقي على وجه التحديد بالإضافة إلى نظرته الثاقبة لمستقبل العلاقات وطبيعة الصراع الفكري مع الغرب وتحديده بدقة لمجمل نقاط الالتقاء والافتراق بين العالم الإسلامي والعالم الغربي وغير ذلك الكثير مما تفتقت عنه عبقرية هذا المفكر العملاق.

لقد بدأ الشيرازي مشروعاً نهضوياً  شاملاً ستستفيد منه الأجيال والعصور الآتية وستأخذ منه ما استطاعت لذلك سبيلاً فهو مشروع متجانس الأبعاد واسع الحركة في عمق التجربة الإنسانية الحية ويمثل الجسر الواصل بين الأصالة والحداثة كما لم تكن فكرته محلية أو استهلاكية.. بل على العكس.. انفتح على التجربة الإنسانية عامة، وكان هذا الموقف بناء على الأسس العالمية التي جاء بها الإسلام الحنيف.. ذلك الدين القيم الذي جاء لإسعاد البشرية كلها من دون النظر إلى العرق أو الجنس أو اللون والشيرازي وهو ابن القرآن والسنة المحمدية والسيرة العلوية لم يشذ في فكرته عن هذا المسار مؤمناً بضرورة عولمة الفكر وجعل المبادئ في متناول ومشاركة الجميع.

إلى جانب ذلك آمن بحتمية التاريخ وصيرورة بناء المجتمع البشري وفقاً للتخطيط الإلهي فبشر بسيادة الفكر الإسلامي وبدأ يضع لمساته في مشروع الصياغة الجديدة لعالم الرفاه والحرية والعمل وغيرها من الركائز التي شيد عليها مدينته الفاضلة، فكان مشروعه التغييري (للحاضر والمستقبل) التجذيري (لارتباطه بمجتمع الرسالة الأول) أكبر من أن يستوعبه عصر واحد أو جيل واحد أو عمر واحد. وربما التفت وأكثر من الالتفات يميناً وشمالاً عله يجد من يعيره عمراً آخر وزمناً أطول يكمل به المشوار البعيد نحو الغاية، لكنه لم يرَ بين هذا الزخم الهائل إلا القليل ورغم ذلك لم يستسلم لليأس، بل راح يضاعف الجهد ويعزز المثابرة بصدق وإخلاص وكدح طويل وأناة لا توصف حتى لاقى ربه بثوب أبيض فكان بحق أمة في رجل.

تجلت في محياه ملامح البطولة واستحوذ على كثير من الأزمنة بعطائه الثر المتجدد وأصبح أنموذجاً لمن أراد السير على طريق ذات الشوكة مع عمق الوحشة وقلة السالكين وفقدان الزاد والراحلة.. وسيبقى هذا البطل، المثال الحي والدليل الشاهد على حركتنا..هذا عظيمكم فكونوا بعضه ** حتى يقال بأنكم عظماء

- هو آية الله المرعشي النجفي (قدس سره)  

*مركز المستقبل للدراسات والبحوث

كل ذلك حسب المصدر المذكور ودون تعليق .

المصدر : mcsr.net