الـرأي :

 

إنـه التـمـكـين يا مسـتر نورث !... العـراق والدفع بالإتجاه الخاطئ

د. أحلام فؤاد السيد

 

صحـيح انه ليــس هـناك حل فوري وسحري للأزمة في العراق لكـن لايجوز أيضاً التراجع عن تمكين الشعب العراقي من الديمقراطية والتفـرج على الدفع المتعمد للعراق بالاتجاه الخاطئ .

وأعني بالاتـجاه الخاطئ تحـديـداً ؛ الإتجاه الذي التي مابـرحت جهات ترغبُ وتـركـِّزُ وتلتزِم ُبدفـع العراق نحـو مـا يُســمى بالأنظمـة المحـدودة ( المـقـيدة ) مقابل الأنظمـة المفتوحـة وذلك بحسـب التســميات الجديـدة اللبقة الناعمــة المُرهَـقـَة مـن عـمليات التجـميل المتعارضة ومســـاحيق المكـياج المتناقضة حيث تـُصنـِّف تلك الجهات الأنظمة الهامة المسـتقرة الى نوعين هما :

الأنظمة المقيدة ( المحدودة ) والأنظمـة المفتوحة .

وتـُعـرِّفُ نفس تلك الجهات المقيدة بالأنظمة التي تقدم حقوقاً سياسية وإقتصادية ذات قيمة لنخبة ضيقـة فـقط ، والمفـتوحة بالديمقراطيات التي تضـمن الحقـوق السـياسـية والاقتصادية لمعظم المواطنين .

وفي التعـريف محاولة لإزالة القـُبـْح من الدكتاتورية النخـبوية وتســويقها لأن تلك الجهات تصف النظام المـقيد بالدولة الطبيعية بل وتدعي بأن العراق كان في ظل نظام صدام نظاماً محدوداً، أو "الدولة الطبيعية" ! لتستنج :

( وعليه ، أفضل ما يمكن عمله هو إعادة العراق إلى حالته الطبيعية ، أي إلى نظام محدود حيث تكون الحقـوق والســـلطة مقصورتين على بعـض النخبة ، الذين لا يخضعون للمنافسة الاقتصادية أو السياسية . ) !!

ومن الجهات التي تروج لذلك عالم نوبل للاقتصاد ، دوغلاس سي . نورث ، وزميلاه ( جون واليس ، وباري وينجاست ) ، وذلك بحسب آرنولد كلينغ ( 1 )

وهذا يعني أن المغالطة تـُسـوق باللجوء الى نظرية التأثيرعلى مرحلتين بإستخدام قادة الرأي .

ويضيف نورث أيضاً :

- أن الأنظمـة المقيدة هـي "الحالة الطبيعية" فهي مستقرة ، تقاوم التقدم الاقتصادي ، ونادرا ما تنتقل وتتحول إلى الأنظمة المفتوحة. والانتقال في غاية الصعوبة والإشـكالية ، ولا يحدث إلا تحت ظروف خاصة فقط فمنذ الحرب العالمية الثانية لم تتمكن إلا ثماني دول من إجراء هذا التحول. ومما يثير الاهتمام أن هذه التحولات غالبا ما تتطلب فترة قصيرة نسبيا من الزمن التاريخي- خمسين سنة أو أقل-. وتشمل الأمثلة الحديثة على تايوان وكوريا الجنوبية وإيرلندا وإسبانيا.

- يحقق النظام المحدود الاستقرار من خلال تزويد كل مجموعة عنيفة محتملة بحق امتياز قيّم . فعلى سبيل المثال ، ومن أجل إحباط المحاولات الانقلابية ، يقوم اللواء الحاكم في المجلس العسكري بإعطاء العـقداء القادرين فرصـا عديدة للانتفاع شخصيا من الفسـاد . ويجب أن يتم سـجن أو نفي أو قتل الشخصيات القوية التي لا يمكن شراؤها.

وبالرغم من إمكانية حدوث انقلابات عسـكرية بشكل منتظم ، إلا أن النظام المحدود لا يزال ترتيبا مستمرا نســبيا. عندما يحدث انقلاب ما، لا تتم عملية إعادة توزيع السلطة على نطاق واسع وإنما يحدث تعديل وخلط في القمة فقط ( ولقد تم الإشارة إلى هذا النوع من الاستمرارية لأول مرة منذ أربعين عاما في ورقة العالم السياسي من جامعة واشنطن ميرل كلينج التي تحمل عنوان "العنف والسياسة في أمريكا اللاتينية" والتي نشـرت في عام 1967 في دراسة لمجلة سـوسـيولوجيكال ريفيو، العدد 11.

- يتوجب على حكام النظام المقيد أن يعملوا على الحد من حقوق الجماهير، فإذا نال الجميع حقوقهم الاقتصادية والسـياسـية ، فلن يكون لدى الحكام أي عرض خاص يقدمونه لتهدئة المغتصبين المحتملين !.

- من غير الممكن شراء المنافسين السياسيين المحتملين واستمالتهم إلا في حالة حصولهم على حقوق اسـتثنائية حصرية. ولكن إعطاء حقوق حصرية لمجموعة واحدة يستلزم بالضرورة تقييد حقوق المجموعات الأخرى . أن نقول لحكام النظام المحدود  :

"إننا نصرّ على التخلص من الفساد"

هو بمثابة أن نطلب منهم إرتكاب الإنتحار السـياســي.

- يقوم النظام المحدود بتوزيع السلطة بطريقة تحافظ على رضى المجموعات المنـظمة التي مـن المحـتمل أن تـكـون عنيفـة. ولـن يـكـــون لأولئك خـــارج المجموعـة الحاكمـة أي ســبيل للوصول إلى الســلطة السـياســية أو الفــرص الاقتصادية ، ومن مصلحة النخبة إبقاؤه على هذا النحـو.

- ويضيف نورث قائلاً :

إن النظام المحـدود لهـو توازن إجـتماعي . وتتقاســـم التوازنات خصائـص مشتركة :

 (1) السيطرة على العنف من خلال امتيازات النخبة ؛

 (2) تقييد حق الدخول في التجارة ؛

 (3) وجود حماية قوية نسبيا لحقوق الملكية للنخبة ، وضعيفة نسبيا لغير النخبة ( إن ســــيادة القانون التي قد تتميز بها الدولة الطبيعية هي من أجل النخبة ) ؛

 (4) القيود المفروضة على الدخول والخروج من المؤسـســات الاقتصادية والسياسية والدينية والتعليمية والعسكرية."

مـا هي المعاني الضمنية لحالة العـراق ؟

الجواب وكما في مقال الحالة الطبيعية للعراق لآرنولد كلينغ :

كان العراق في ظل نظام صدام نظاما محدودا، أو "الدولة الطبيعية". ولم يكن العراق أبدا على "عتبة" أن يصبح نظاما مفتوحا. وعليه ، أســتطيع القول أنه ليس واردا أن تنجح الولايات المتحدة في تحقيق هدفها المتمثل في إقامة نظام مفتوح في العراق . وأفضل ما يمكن عمله هو إعادة العراق إلى حالته الطبيعية ، أي إلى نظام محدود حيث تكون الحقوق والسلطة مقصورتين على بعض النخبة ، الذين لايخضعون للمنافسة الاقتصادية أوالسياسية كما نعرفها !!

بإختصار هذا هو الإتجاه الخاطئ الذي يقاتل مستميتاً البعض لسوق العراق بإتجاهه ، وللوقوف على التفاصيل والمغالطات في نظرية نورث يمكن مراجعة : مقال : الحالة الطبيعية للعراق - آرنولد كلينغ .

نعم هو الإتجاه الخاطئ بعينه ، لأن العراق ومنذ إستقلاله لم يكن مستقراً ، وكان ومايزال ومنذ بداية العشرينات من القرن الماضي على "عتبة" أن يصبح نظاماً مفتوحاً أي ديمقراطياً دستورياً ، وقد ناشدَ يومها العالمَ بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية لدعم إستقلال العراق ، و إستكمال سيادته ، وتحاشي مناهضة تمكين الشعب العراقي من الديمقراطية الدستورية التي يصبو اليها .

وماذا كانت النتيجة ؟

تمَّ تمكين العراق من الدكتاتورية ، وتمكين الدكتاتورية من العراق طبقاً لأعتراف الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب له في الأعوام الأخيرة بخطأ تأييد أميركا للحكام المستبدين وللأنظمة الدكتاتورية في المنطقة لمدة ستين عاماً بحثاً عن الإستقرار .

فكان ما كان في العراق ، وغيره في الوقت الذي تمَّّ تمكين تايوان وكوريا الجنوبية وإيرلندا وإسبانيا من الديمقراطية وهي نفس الأمثلة التي اوردها نورث مكتفياً بأنها تحولت من أنظمة مقيدة الى مفتوحة بصعوبة كبيرة ، وتحت ظروف خاصة ونادرة ،وكأن هناك لغز اومعادلة عصية على الحل ؟

إنـه التـمـكـين يا مسـتر نورث ! وأفضل ما يمكن عمله للعراق والمنطقة والعالم هو تمكين العراق من الديمقراطية الدستورية ، وبالمعنى الشامل للتمكين الذي يشمل التمكين ، الإقدار ، التسهيل ، التبيين ، رفع الموانع ، دعم الدوافع ، إيجاد الأليات والأسباب وكل ماهو ضروري مما لا تصح إلا معه الديمقراطية الدستورية ، ولا تحصل إلا معه ممارستها ، وهذه مسؤولية العراقيين ونخبهم بعد التحرر من النخبوية الضيقة .

............................

( 1 ) : بعنوان : الحالة الطبيعية للعراق : misbahalhurriyya.org

 

 

مقالات الرأي في الأعداد السابقة:


بعد الإعتداء الثاني على المراقد المقدسة في سامراء : جنون العقلانية !

إلـغـاز الديـمـقـراطـيـة فـي العـراق الجـديـد

عـلـى هـامـش المـؤتــمـر الـدولـي المرتـقـب حـول العـراق

الحلول العـرجاء للمأزق في العـراق

مـن ْ لقباب سامراء الطاهرة؟

فـوبـيـا الشـيعـة سـتـفـجـرّهـا وخـارج الـعـراق؟

الديمقراطية العـراقية : أيـنْ الخطأ ؟

المهمة الممكنة

مصير الفوضى الخلاقة الديناميكية الجديدة!

كي لا يشكّـل المستقبلُ صدمة

نحارب الديمقراطية وننادي بها!!

الـى مجلس إدارة العالم فـي منتدى دافوس

مـا اشـبـه جزرتـكـم بالعـصا !!

الإصلاح والأسئلة العالقة

 في العـراق : منْ يسرق منْ ؟

هـكذا تـسـقـيـم الأمور مع الإرهابيين

الى الأشقاء في البحـرين : التـفكـير داخل صندوق الإقتـراع

العلاقة بين النووي الإيراني والسماح ودخول المرأة الى الملاعب

 

المزيد ◄◄◄