علاقات أميركية عادية بإيران تشق حكامها

 

راي تقية

 

تبسّط دعوة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس الى مفاوضة ايران على برنامجها النووي، المشكلة الاميركية - الايرانية. فهذه المشكلة لا تقتصر على لجم برنامج التسلح النووي أو نزع هذا السلاح. ولا ريب في ان الاختلافات الاستراتيجية والسياسية بين البلدين كبيرة. وتفترض المفاوضة عليها وقف المساعي العسكرية المعادية لإيران، والعدول عن حصر المحادثات معها بالملف الذري.

وجلي أن الدعوة الى انتهاج سياسة احتواء الجمهورية الاسلامية غير واقعية. فسياسة الاحتواء فات زمنها. ولم تعد إيران دولة ثورية عازمة على تصدير نموذج الحكم فيها الى غيرها من بلدان المنطقة. فالحرب الايرانية – العراقية، في الثمانينات، قضت على أحلام الجمهورية الاسلامية بنشر ثورتها خارج اراضيها. وحملت هذه الحرب جمهورية الملالي على إدراك حدود قوتها. فانتهجت ايران سياسة خارجية براغماتية، على رغم تحجر خطابها الثوري.

وعلى الولايات المتحدة الإقرار بأن ايران قوة اقليمية، والتعايش مع نظام الملالي. فالجمهورية الاسلامية الايرانية، وهي دولة انتهازية تسعى الى بسط نفوذها في جوارها الإقليمي من دون شن الحرب على هذه الدول، ليست ألمانيا النازية، على رغم خطاب أحمدي نجاد المتطرف. وللولايات المتحدة باع طويل في «التعايش» مع أنظمة مماثلة. ففي أواخر الستينات، استعرضت بكين قوتها في آسيا، لم يتجاهل الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشار الأمن القومي هنري كيسينجر نفوذ الصين بالمنطقة، ولم ينكرا مرتبتها الإقليمية، بل بادرا الى مفاوضة بكين، وكسبا تعاونها في إنهاء حرب فيتنام و ضمان استقرار شرق آسيا.

والخلافات الايرانية الداخلية، اليوم، تدور بين الجيل القديم من السياسيين والجيل الجديد، وبين أبناء الجيل الجديد أنفسهم. فعدد لا يستهان به من المحافظين الإيرانيين الجدد هم حملة لواء التغيير السياسي. وعلى خلاف سياسة نظرائهم في الثمانينات، لم يدع القادة الإيرانيون الجدد، ومنهم غلاة المحافظين من أمثال أحمدي نجاد، الى إطاحة الأنظمة في الخليج، ولم يتآمروا لإسقاط الأنظمة العربية الموالية للغرب. ولم يصدّر هؤلاء نظامهم الثوري الى العراق. وتجنبوا، تالياً، استعداء رجال الدين العراقيين الشيعة والسياسيين.

وقد تكون معاداة أميركا، أو قبول التعايش معها، هما مدار الخلافات الداخلية بين المحافظين، الإيرانيين الجدد. ويقدم بعض هؤلاء المحافظين من أمثال علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي الأعلى، القومية الإيرانية على الهوية الإسلامية، والسياسة البراغماتية على تحجر الأيديولوجيا وثباتها. ويشغل هؤلاء مناصب متقدمة في مجلس الأمن القومي الأعلى وأجهزة الاستخبارات والجيش. وعلاقات المحافظين الجدد بشبكة رجال الدين التقليدية والنافذة وطيدة. وهم يسعون إلى انتزاع السياسة الخارجية الإيرانية من أيدي الإيديولوجيين. والدليل على نفوذ المحافظين الجدد المتنامي هو الانتخابات البلدية الأخيرة. ويعتبر بعض هؤلاء المحافظين ان شرط استتباب نفوذ ايران الإقليمي هو علاقات عقلانية مع واشنطن. ومن شأن هذه العلاقات، واحترام معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي، طمأنة أميركا الى برنامج إيران الذري. وسبق للاريجاني القول في مقابلة معه في نهاية 2005، ان «العمل مع العدو (أميركا) هو جزء من السياسة». ويوازن مرشد الثورة علي خامنئي، والحيرة والتردد هما من سمات سياسته وطبعه، بين تأييد المحافظين البراغماتيين والمحافظين المتشددين. فمرتبة خامنئي الدينية متدنية على سلّم «العلمية» أو الفقهية. وحمل ضعف المرتبة الدينية خامنئي على دعم الرجعيين رجاء محافظته على سلطته، والحؤول دون تقويض أحمدي نجاد لها. ويتردد هذا المرشد في حسم الجدل الايراني الداخلي. وعلى الولايات المتحدة المبادرة الى انهاء هذا التردد، وانتهاج سياسة مبتكرة قوامها الانخراط في معالجة إيجابية للمسألة تؤدي الى تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إيران. وهذا التطبيع هو باب المفاوضات على التسلح الذري الايراني ودعم الارهاب. فمن شأن سياسة الانخراط هذه إلزام ايران احترام الوضع القائم في المنطقة. ويعزز النهج السياسي موقع البراغماتيين في إيران، ويسمح، تالياً، بكبح مساعي ايران النووية ودعمها الارهاب.

*صاحب كتاب: «ايران الخفية، التناقضات والسلطة في الجمهورية الاسلامية»

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية نقلا عن «فورين أفيرز» الاميركية-8-4-2007