الـرأي :

الـعـراق بـيـن الـتـدبـيـر والـتـدمـير

 

 

مـريـم عـبد الـرحـمن محسـن

 21-2-2007

 

 

هل بات العـراق على مـفـتـرق الطرق بـيـن الـتـدبـيـر والـتـدمـير ؟

الـستـراتيجـية ضـد الإرتجال والعـفـوية ، وهي متلازمة مع التكتيك الذي يتلخص في مجموعة من الوسائل المختلفة الموصلة إلى الهدف الأصلي ، والمـقصـود بالـستـراتيجـية أسـاسـاً الوسيلة أو الطريقة أو التدبير ... وفي التدبير يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :

(( مـنْ سـاءَ تدبيره تعجـّلَ تدميره ))

((مـنْ سـاءَ تدبيره كان هلاكه في تدبيره ))

 ((مـنْ سـاءَ تدبيره بطل تـقـديـره))

إذن هناك علاقة عضوية بين التدبير والتدمير ، وهناك ستراتيجية سيئة فاشلة وأخرى حسنة ناجحة ، والستراتيجية الخاطئة لا تتسبب في الفشل على طريق تحقيق الهدف الأكبر فقط بل يمكن أن تـُبطِل التقديرَ وتـُربـِك الحسابات وتنقلب من دواء الى داء مميت وتـُعجـِّل في تدمير البلاد والعباد ، وبناءً على هذه الملازمة والأهمية والخطورة تلزم العناية الكافية بوضع الستراتيجية المتقنة كما تملي دراسة وتحليل الستراتيجيات ذات العلاقة ، بعيداً عن التراخي ، ودونما تأخير لقولة عليه السلام :  

((مـنْ تأخـرَ تدبيره تقدم تدميره ))

ولقول الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وأله ) :

 ((الأمـور مـرهـونـة بأوقاتها ))

ويـُسـتفاد لزوم ذلك رأسـاً من نصوص أخرى كـقـولـه تعالى :

{ وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} - البقرة – 189

كما في الرواية عن الإمام محمد الباقر عليه السلام :

(( في قول الله " وأتوا البيوت من أبوابها " قال : يعنى ان يأتي الامر من وجهه أي الأمور كان.))

وبعض المفسرين أستفاد من إشارة الآية إلى ما يُـعرف بالجدوائية الإقتصادية للخطة بقوله في تفسيرها :

( أنه ينبغي في كل أمر من الأمور، أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب، الذي قد جعل له موصلاً ... ).

الأهـم في هذا المجال انه في السنة الأخيرة قامت المراكز البحثية المختلفة بإعداد مئات الدراسات المختلفة حول الأزمـة في العراق ومآلاتـها المستقبلية المحتملة ، وكان الغائب الأكبر فيها الحديث عن مستقبل العراق ... مستقبل العراقيين ، وكأنها أتفـقت على البحث عن مخرج لخفض تكاليف الواقع المأساوي القائم في العراق ، وحل للأزمة لا يتجاوز إدارتها بتكاليف منخفضة أوتدويرها بنقلها من مكان الى أخر ، و... الـخ :

فهل الستراتيجية الأخيرة في العراق يمكن أن تشـكـّل حلاً للأزمة ؟

هناك ترابط بين الإقتصاد والسياسة والإجتماع والثقافة والأمن والحرب و السلام والنفسيات ، والترابط مثلاً كبير بين الإقتصاد والسياسة حيث يُقال انهما وجهان لعملة واحدة ، و يُقال ان النجاح العسكري في جوّ من الفراغ السياسي يساوي الهزيمة. ولذلك فالحلّ الأحادي الذي لا يقدم معالجة لمختلف جذور و دوافع و ذرائع المشكلة اوالأزمة لا يُثمر للإرتباط و التشابك والتداخل المذكور، ولأن نجاح المعالجات لايتبع النيات أوالنوايا في عالم الأسباب والمسببات .

إذنْ الحلّ العسكري البحت لمعالجة الأزمة في العراق لا ينفع ، وهكذا الحل العسكري الأمني البحت اوالحل العسكري الأمني الإقتصادي البحت لا يجدي ، وعليه فالحل لابد أن يكون عسكرياً أمنياً سياسياً إقتصادياً إجتماعياً ثقافياً نفسياً ، وبإختصار يجب ان يكون الحل العراقي شاملاً أولاً ، ومتوازياً ثانياً ، وشفافاً ثالثاً ، ومحايداً رابعاً,و صريحاً يبدأ بالمصارحة والإعـتذار رابعاً كي لا يرسل الحل ُّإشارات متضاربة ورسائل متناقضة الى الأطراف المساندة اوالمعارضة اوالمحاربة اوالتي يمكن ان تتحول الى مساندة اومعارضة اومحاربة للحل في المركز او المحيط المحلي والأقليمي والدولي .

مـنْ المـُعـتذِر و لمنْ الإعـتـذار ؟

أولاً : الإدارة الأميركية يجب أن تعتذر الى الشعب العراقي للأخطاء التي ارتكبتها في العراق على عهد صدام وبعده ... تلك الأخطاء التي أقرت وزيرة الخارجية الأميركية بإرتكاب الألاف منها في العراق ، ولا غرابة اومثالية في ضرورة هذا الإعتذار إذا تذكرنا الإعتذار الشجاع للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قبل أعوام من الشعوب لمساندة أميركا للانظمة الإستبدادية لأكثر من نصف قرن . هناك أخطاء كثيرة ارتكبت قصوراً اوتقصيراً وضحايا كثيرون سقطوا منذ التحرير وحتى اليوم لإستخدام القوة المفرط وإعلان العراق محتلاً بعد تحريره من الديكتاتورية وتعيين حاكم عسكري للعراق واخطاء بريمر وما تلى ذلك من تدخلات مما يطول وهو معروف و سرده يطول ولا سيما فيما يرتبط باخطاء مواجهة الإرهاب و خروقات حقوق الإنسان في معتقلات أبوغريب .

وليس هذا فحسب بل لابد أن يسبق الإنتقال الى الحلّ المصارحة و الإعتذار والتعويضات المتعارفة في العالم أعقاب الصراعات الكبيرة وقبل التحول الى الديمقراطية مما هو معروف في المؤسسات المختصة بمسائل العدالة الإنتقالية للإنتقال الى الديمقراطية والتعايش والمشاركة والتعاون من الإستبداد والصراع والإعتزال والحروب لأن عمر الأزمة في العراق هو عمرالدولة العراقية الحديثة ، وهذا ما كان يجب أن يبدأ منذ وقت طويل ، الم يبدأ الرئيس الأميركي في 1991 بإرسال خطابات تحوي اعتذاراً من رئيس الجمهورية وكذلك شيكاً بمبلغ التعويض واستمر هذا حتى 1998. وتلقى هذه الخطابات أكثر من 82250 من ذوي الأصول اليابانية المعتقلين زمن الحرب العالمية الثانية ، وتم دفع ما يزيد على 1,6 بليون دولار تعويضات لليابانيين الذين تضرروا نتيجة القرار التنفيذي رقم 9066 الذي أصدره الرئيس الأمريكي روزفلت في 19 شباط 1942، والذي أدى إلى احتجاز 120000 أمريكي من أصل ياباني لا ذنب لهم (منهم ما يزيد على 70000 مواطن أمريكي)، وذلك بحسب بابلو دي جريف مدير البحوث في المركز الدولي للعدالة الانتقالية في دراسة له بعنوان : جهود التعويضات من المنظور الدولي : مساهمة التعويضات في تحقيق العدالة غير الكاملة .

ثانياً : الحكومة العراقية بدورها يجب أن تعتذر الى الشعب العراقي وتدخل مع الشعب في مكاشفة ومصارحة تضع النقاط على الحروف فيما يتعلقُ بالمسائل الحساسة وباخطاءها في تجفيف جذور الإرهاب وإعادة الإعمار ومكافحة الفساد وأسباب ضعف الأداء الحكومي وسبل معالجة ذلك لأن الشعب تحدى المخاطر والتهديدات والإتهامات وشارك في الإنتخابات ليعبر وبصوت عال للعالم بأسره عن رفضه للإستبداد والإمضاء على إقصاء صدام ... ليعبرعن إختياره الحرّ للديمقراطية الدستورية الفيدرالية ... لينتخب بنفسه منْ يمثله في إنجاز إستحقاقات وأولويات المرحلة وعلى رأسها تنجيز الإستقلال وإستكمال السيادة على الأرض من زاخو وحتى الفاو وإعادة إعمار العراق الموحد.

اتصور ان الوقت لا يخدم تأجيل الإعتذار وتصحيح المسار بهدوء و بصورة جذرية فالوضع معقد ومعقد جداً في العراق حتى من وجهة نظر العديد من الدراسات الأميركية التي تؤكد ما مضمونه:

الحرب في العراق اصبحت معقدة بل معقدة جداً لأننا غارقون في ثلاث حروب وترجع الدراسة التعقيد الى أمور منها تجذر الشك في العراق والتصديق بتفسيرات نظرية المؤامرة التي تقول اننا نخطط لإحتلال طويل الأمد في العراق وربما لتجزئته ونهب بتروله وما الى ذلك مما يعكس مدى تزعز المصداقية وضرورة المصارحة والإعتذار وتصحيح المسار بما لايقبل التشوية اوالتأويل اوالمزايدة و يبدد قلق الرأي العام تماماً ، ولا سيما فيما يرتبط بتحديد جدول زمني مبدئي مشروط بتقدم العملية السياسية الأمنية لسحب قوات التحالف بعد حصر مهامها بالمساندة والمشاورة و حفظ السلام وبتشخيص البرلمان العراقي والتسريع في إقرار البرلمان لقانون النفط العراقي بحيث يكون عادلاً ومنصفاً ، وتحديد الموقف من الفيدرالية بما يميز تماماً بينها وبين الإنفصال والتجزئة ، فالإستقرار يجب ان يعود الى المنطقة وعاجلاً والعراق مفتاحه ولابد للعراقيين شعباً وحكومة من تحمل مسئولياتهم ، وقبل أن يصبح الجميع مرة أخرى أمام موقف ليس فيه مجالاً للإختيار، وعلى جميع الأطراف أن تتذكر وتذكر بأن الإنتخابات لم تكن إلا خطوة على طريق تكريس اليمقراطية الدستورية وتحقيق الاستقلال وتنجيزه ، وتفريقاً واقعياً بين ميكانيكية الاستقلال وبين ديناميكية الاستقلال .

فلايجوز، و لايمكن الإتكال على قوات التحالف لأنها لها حساباتها الخاصة بها في الربح والخسارة يقول مايكل أ. بالمر – بعد تحرير الكويت - ، وهو أستاذ مساعد للتاريخ في جامعة ايست كارولينا وصاحب عدة مؤلفات مشهورة ، ومؤلف كتاب حراس الخليج ما نصه :

( مثلما كانت بريطانيا العظمى في سنة 1919 فان الولايات المتحدة في سنة 1991 كانت في اوج قوتها في الخليج وقد يكون هذا درساً تاريخياً اخراً في حد ذاته ، لان السيطرة البريطانية في فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى اثبتت انها قصيرة العمر . ولكن التحدي التجاري من جانب قوة غربية اخرى – الولايات المتحدة – دفع البريطانيين الى الخروج من الخليج ولم يكن القوميون العرب او الايرانيون هم الذين اخرجوا البريطانيين والفترة الزمنية التي ستحافظ الولايات المتحدة خلالها على مواقعها في المنطقة سوف تتحدد على الارجح بعوامل من خارج الخليج . والوصول الى مستودعات البترول هو في نهاية المطاف وسيلة الى غاية وسوف تكشف مجريات الامور ما اذا كان الاميركيون سوف يستخدمون – ام لا – نفط الخليج في تنشيط النمو الاقتصادي الديناميكي في القرن الحادي والعشرين .

فاذا لم يحدث .. فان الاميركيين سوف يكتشفون في يوم ما ربما لن يكون بعيدا جدا ... ان دولة اوروبية او اسيوية او مجموعة من الدول سوف تتجه رأسا نحو تحقيق هدف ان تحل محل الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا في المنطقة ولكن الى ان يجئ هذا اليوم سوف يظل الامريكيون حراس الخليج .) ص 248

ويضيف في فقرة أخرى :

 ( المازق الذي يواجه الاميركيين - وهو على شاكلة المازق الذي واجه البريطانيين في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين – هو انهم يجب ان يقرروا :

ما اذا كان انفاق الوقت والموارد ( والارواح الاميركية من بين هذه الموارد ) لضمان البقاء المستمر لدول الخليج ، يتفق مع مصلحتهم ام لا ؟ ) ص 245

ألم يوقف الكونغرس كافة التمويلات للحرب في الهند الصينية في صيف عام 1973 (عندما كانت كمبوديا مازالت تتعرض للقصف الجوي) ؟

وبذلك فتحَ مرحلة جديدة توجب على الرئيس بالرغم من سلطاته في الشؤون الخارجية أن يتحاشى على الأقل مخالفة الكونغرس لو أراد النجاح لمبادراته في الأمد البعيد.

صحيح أن كل شـيء قد تغير ، وأن التاريخ لا يعيد نفسـه بهذه الصورة لكن : مـنْ سـاءَ تدبيره بطل تـقـديـره كما تـقـدمَ فهل العراق يقف بين التدبير والتدمير ؟

ومـا هـو التدبير القادم يا ترى ؟

المقالات تعبر عن أراء أصحابها ولا تعكس بالضرورة عن أراء المعهد .

معهد الإمام الشيرازي الدولي للدراسات – واشنطن

 

 

 

مقالات الرأي في الأعداد السابقة:


 

مـن ْ لقباب سامراء الطاهرة؟

فـوبـيـا الشـيعـة سـتـفـجـرّهـا وخـارج الـعـراق؟

الديمقراطية العـراقية : أيـنْ الخطأ ؟

المهمة الممكنة

مصير الفوضى الخلاقة الديناميكية الجديدة!

كي لا يشكّـل المستقبلُ صدمة

نحارب الديمقراطية وننادي بها!!

الـى مجلس إدارة العالم فـي منتدى دافوس

مـا اشـبـه جزرتـكـم بالعـصا !!

الإصلاح والأسئلة العالقة

 في العـراق : منْ يسرق منْ ؟

هـكذا تـسـقـيـم الأمور مع الإرهابيين

الى الأشقاء في البحـرين : التـفكـير داخل صندوق الإقتـراع

العلاقة بين النووي الإيراني والسماح ودخول المرأة الى الملاعب

 

المزيد ◄◄◄