إيران: الأدوار الاقتصادية والسياسية لمجموعات البنياد

 

 

كينيث كاتزمان

إيران: الأدوار الاقتصادية والسياسية للـ "بونيادس" 

يجمع الخبراء على أن الاقتصاد الإيراني شهد تحسناً جوهرياً خلال السنتين الماضيتين بسبب ارتفاع أسعار النفط التي عوضت الكثير من جوانب الضعف في الأداء الاقتصادي؛ إذ يشكل دخل النفط من 80 إلى 90% من عائدات الصادرات الإيرانية، وحوالي 50% من الميزانية الحكومية.

ومنذ قيام الثورة الإسلامية العام 1979، حالت بعض دوائر القرار دون إجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية بسبب الأبعاد الأيديولوجية، في الوقت الذي لم يتم فيه تطبيق إصلاحات أخرى بسبب المخاوف من الاضطرابات الجماهيرية.

ومن بين أهم جوانب الضعف الذي يكتنف الاقتصاد الإيراني وجود شبكة غير رسمية تعرف باسم "بونيادس" ( الجمعيات ) تتحكم في جزء كبير من الأنشطة الاقتصادية. ولا تخضع هذه التنظيمات للمراقبة الرسمية باعتبار أن أهم الزعماء السياسيين أو المسؤولين السابقين والحاليين في الحكومة هم الذين يشرفون عليها. فهي تتمتع بإعفاء حقيقي من الضرائب والجمارك وبأفضلية الاستفادة من القروض والتبادلات الأجنبية علاوة على الحماية القانونية من منافسة القطاع الخاص لها. وبفضل هذه المزايا، تمكنت بعض الجمعيات (بونيادس) من إقامة احتكارات حقيقية في مجال الاستيراد والتوزيع لعدد كبير من السلع، كما يقال إنها تشكل من 33 إلى 40% من صافي الناتج القومي الإيراني.

إن العديد من الجمعيات، التي يتم تعيين رؤسائها من قبل القائد الأعلى خامنئي، تهيمن على أصول واسعة النطاق منحت لها من قبل الدولة. ويقال إنها توظف ما يقرب من خمسة ملايين إيراني، وتوفر خدمات اجتماعية لملايين أخرى عدة. ومن ثم، تتمتع هذه الجمعيات بقاعدة واسعة من الأنصار، مما يجعلها قادرة على توفير دعم للنظام في أوساط الطبقات العاملة والفئات الاجتماعية البسيطة.

ومازالت أكثر المزاعم إثارة للجدل متمثلة في معرفة ما إذا كانت أموال هذه الجمعيات استخدمت لتوفير تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل. فلقد أثيرت هذه المسألة، في أول الأمر ولوقت طويل، حول أكبر الجمعيات وأشهرها في إيران وهي "جمعية المستضعفين والمعوقين"، والسبب في ذلك هو أن هذه الجمعية كان يديرها عدد من المتشددين والمسؤولين السابقين (على غرار محسن رفيق دست الذي كان وزيراً سابقاً للحرس الثوري). وبما أن الجمعيات ليست جزءاً رسمياً من الحكومة الإيرانية، فإن أنشطتها في الخارج يمكن أن تتفادى المراقبة، ومن ثم، يتسنى لها أن توفر بطريقة غير قانونية تجهيزات قد تكون ممنوعة التصدير لإيران. ومن بين أهم هذه الجمعيات ما يلي:

جمعية المستضعفين والمعوقين: وهي أكبر الجمعيات وأهمها؛ إذ حصلت على حصة الأسد من أصول الشاه المخلوع وشركائه الذين فروا هاربين من إيران في أعقاب الثورة الإسلامية. وكان يترأسها محمد فروزنده، رئيس أركان الحرس الثوري في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي قبل أن يصبح وزيراً للدفاع. وهي الآن تدير أكثر من 400 شركة يقدر خبراء إيرانيون قيمتها بنحو 12 مليار دولار أمريكي، وتعد أكبر هيئة اقتصادية بعد الحكومة. وتنشط الجمعية في العديد من القطاعات الرئيسة بما في ذلك الشحن (بونياد شيبينغ كومبني)، والمعادن، والبتروكيماويات، ومواد البناء، والسدود، والأبراج، والزراعة، والسياحة، والنقل، والفنادق (بما في ذلك فندقان كبيران في طهران)، والخدمات التجارية. تنتج الجمعية أكثر المشروبات مبيعاً في إيران والمتمثل في مشروب زمزم. وتستعمل هذه الجمعية إيرادات هذه المشروعات في مساعدة 120 ألف عائلة من قدامى وضحايا الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988) إلى جانب العديد من الفقراء والمحتاجين.

جمعية الشهيد: تقوم هذه الجمعية أيضاً بمساعدة عائلات أولئك الذين توفوا أو تشوهوا خلال الحرب الإيرانية-العراقية. وهي تملك العديد من الشركات التي تنشط في المجالات المتعلقة بالمناجم والزراعة والبناء إلى جانب الاستيراد والتصدير.

جمعية مقام الإمام رضا (( عليه السلام )) : يوجد مقرها في مشهد، شمال شرق إيران. ولقد استعملت هذه الجمعية التبرعات التي قدمها 8 ملايين من الحجاج (( الزوار ))  إلى مقام الإمام رضا في شراء 90% من الأراضي الصالحة للزراعة في تلك المنطقة. وأصبحت الجمعية أكبر صاحب عمل في مقاطعة خراسان (عاصمتها مشهد)، إذ تشرف على إدارة 56 شركة بما في ذلك مصنع للمياه الغازية وجامعتان إلى جانب دخولها مجال تصنيع السيارات. ويترأس هذه الجمعية آية الله عباس فائز، الذي هو عضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يرأسه الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني. و ابن فائز متزوج من ابنة القائد الأعلى خامنئي.

جمعية النور: تنشط في مجال استيراد السكر والمواد الصيدلانية ومعدات البناء، كما أن بحوزتها ممتلكات عقارية معتبرة. ويترأس هذه الجمعية محسن رفيق دست، وزير الحرس الثوري سابقا، الذي أصبح فيما بعد رئيس جمعية المستضعفين. كما أنه عضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام.

جمعية 15 خورداد: في العام 1989، عرضت هذه الجمعية تقديم مليون دولار أمريكي إلى أي شخص يقوم بقتل سلمان رشدي، صاحب كتاب "آيات شيطانية"، الذي وصفه آية الله خميني بالكفر. ولقد تم إنشاء الجمعية في العام 1963، وهو الوقت الذي شهد إطلاق الخميني نشاطاته الثورية ضد الشاه.

جمعية إيسارجاران: يقال إنها خاضعة لإدارة ضباط سابقين في الحرس الثوري. وهي توفر خدمات لعائلات أولئك الذين قتلوا أو سجنوا خلال الحرب الإيرانية-العراقية.

لقد أصبحت تلك "الجمعيات" تشكل قطاعاً آخر من الاقتصاد الذي بات خاضعاً لتحكم نخب مهمة. فهناك وزارة تشرف على مراقبة عمليات هذه التعاونيات، بيد أن حلفاء النظام وأنصاره يديرون أكبر هذه التعاونيات، مما يقيد قدرات الوزارة في مجال المراقبة للغاية. فابن عم رفسنجاني يدير أكثر التعاونيات شهرة في إيران وهي "رفسنجاني بيستاكيو جرويرس كوبيراتيف". وتؤكد هذه التعاونية بأنها تمثل أكثر من 70 ألف مزارع فستق. ولقد منح التحكم في هذا القطاع رفسنجاني قوة كبيرة، على الرغم من أن ثراءه لم يحل دون انهزامه في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في العام 2005.

لقد لاحظ البعض أن دور الحرس الثوري (الجناح الأكثر ولاء للقيادة الدينية ضمن القوات المسلحة) في المجال الاقتصادي ما فتئ يتزايد يوما إثر يوم. فلقد كان الرئيس الحالي أحمدي نجاد قائداً في الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988)، وأتاح توليه رئاسة الدولة الفرص لتوسيع مجال نفوذ هذه المؤسسة. ويبدو أن الدوافع من وراء توسيع الدور الاقتصادي للحرس الثوري هو توفير مكافآت للمسؤولين رفيعي المستوى وتأمين دخل لمساندة الميزانية المخصصة له من قبل الحكومة.

لقد أقام الحرس الثوري شركات خاصة بالمشروعات الحكومية من خلال استعمال النفوذ السياسي القوي بغرض الحصول على أعمال تجارية. فعلى سبيل المثال، أرسيت أخيراً على إحدى الشركات التابعة للحرس الثوري، وتدعى "جورب"، صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار أمريكي من أجل تطوير مرحلتين في مشروع أكبر حقول الغاز في جنوب إيران، في حين تم منح أغلب المراحل الأخرى إلى شركات الطاقة المتعددة الجنسيات المعروفة. وكانت الأعمال التي منحت لشركة "جورب" قد أرسيت أصلا على إحدى الشركات النرويجية الشهيرة، قبل أن تحول إلى "جورب". وهذا يدل على أن الحرس الثوري قد استخدم نفوذه السياسي للحصول على هذا العقد وانتزاعه من شركة يعتبرها معظم الخبراء ذات كفاءة عالية.

يقر العديد من المسؤولين الإيرانيين بنقاط الضعف في الاقتصاد الإيراني ويدعون إلى إجراء إصلاحات. ومع ذلك، فإن الاختلافات القائمة بين القادة الإيرانيين قد ساهمت إلى حد ما في سد الطريق أمام إجراء إصلاحات واسعة النطاق على المستوى الاقتصادي. إن العلاقات القائمة بين مختلف الجمعيات والحرس الثوري والمراكز المهمة في النظام قوية جداً لدرجة أنها لن تسمح بكبح نفوذها في المجال الاقتصادي. إن القوة الاقتصادية للجمعيات والتعاونيات تعكس القوة السياسية التي يتمتع بها رجال الدين والسياسيون الذين يشرفون على إدارتها. ومن جهة أخرى، فإن هذه الميكانيزمات الاقتصادية تحد من مناعة الاقتصاد الإيراني، في حين يرى البعض أنها تمثل مؤسسات مفيدة وضرورية حتى وإن كانت تقلص من شفافية هذا الاقتصاد.

 وكل ذلك بحسب رأي الكاتب نصأ ودون تعليق .

المصدر : http://www.ecssr.ac.ae