وجهة نظر :

                           لهذه الأسباب ينبغي على العالم التعامل مع أحمدي نجاد بصورة جادة

 

 

أمير طاهري

 

سعت إدارة الرئيس محمود أحمدي نجاد لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية منذ بداية الأزمة الحالية، حول برنامج إيران النووي.

يتلخص الهدف الأول في منع تشكيل جبهة دولية موحدة لمعارضة طهران. وتكمن الفكرة هنا في ان ايران، اذا نجحت في إحداث انقسام داخل مجلس الأمن، ومنعت الولايات المتحدة من تأكيد مساعدتها الكاملة للاتحاد الاوروبي، فإن أي خطة لوقف الخطط الايرانية، ربما كان مصيرها الفشل.

الهدف الثاني لإدارة أحمدي نجاد يمكن تلخيصه في سعيها لتصوير القضية النووية، كونها القضية الأكثر إلحاحا في ساحة السياسة الداخلية بإيران. وتلعب الحكومة الإيرانية دور «المدافع عن المصالح الوطنية» في مواجهة القوى الامبريالية التي تريد لإيران والدول النامية الأخرى، ان يكون لها نصيبها في مجال العلوم والتكنولوجيا الحديثة. كما ساعدت القضية النووية في حجب قضايا أخرى في الساحة السياسية الداخلية، خصوصا انتهاكات حقوق الانسان بصورة منتظمة والأزمة الاقتصادية التي تلوح في الافق والصراع الشرس على السلطة الذي يعمل على تمزيق المؤسسة الحاكمة.

ثالثا، حاولت إدارة أحمدي نجاد تحويل القضية النووية الى مواجهة بينها وبين إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش، وهذه استراتيجية تقوم على اساس حسابات مؤداها ان غالبية الدول، بما في ذلك الدول المجاورة لإيران والدول الأعضاء في مجلس الأمن، التي تملك حق الاعتراض (الفيتو)، ستكون مرتاحة في حال تحويل هذه القضية الى واشنطن. ومنذ بداية رئاسته، ادعى أحمدي نجاد انه لا يوجد في العالم إلا بديلان فيما يتعلق بالمستقبل. الأول هو تبني النموذج الاقتصادي والسياسي والثقافي الاميركي في اطار العولمة. والآخر هو تبني النموذج الخميني حيث تقدم السياسة والاقتصاد والثقافة، كما واحدا في الاطار الاجتماعي يعتمد على الدين وتسيطر عليه السلطة الدينية. وأحمدي نجاد على قناعة بأن النموذجين في طريقهما «لمواجهة أخيرة» وأن النموذج الخميني، الذي تبدل للتكيف مع الحقائق واحتياجات الدول الأخرى، سينتصر.

وفي الخطاب المفتوح الذي وجهه إلى الرئيس جورج بوش، عبر رئيس الجمهورية الإسلامية عن أمله في تبني الولايات المتحدة للنموذج الخميني. مشيرا الى ان النموذج الديمقراطي الاميركي قد فشل وفي طريقه للزوال. ويتساءل احمدي نجاد عما اذا كان بوش سينضم الي جماهير العالم، الذين من المفروض انها تتطلع لفرصة الحياة في ظل حكومة مثلا حكومة ايران اليوم.

وقد تلقى معظم المعلقين في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، خطاب أحمدي نجاد المفتوح بمزيج من السخرية وعدم التصديق. وهم على خطأ.

أحمدي نجاد يمثل أيديولوجيا ذات جذور تاريخية عميقة، ليس فقط في ايران، ولكن ايضا عبر معظم دول الشرق الاوسط. وطبقا لتلك الايديولوجية، فإن الغرب مصيره نهاية مأسوية لرفضه بإصرار طوال 14 قرنا على التخلي عن «الأديان الباطلة» واعتناق «النموذج النهائي للحقيقة الوحيدة».

ليس أحمدي نجاد وحده مقتنعا بأن هيمنة النموذج الغربي خلال السنتين أو الثلاث السابقة كان كارثة للجنس البشري. فالرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي كان هو الآخر مقتنعا بأن الغرب الذي يسميه «طفل التنوير»، لم يكن سوى وحش أشعل أجزاء كبيرة من العالم وأغرقها بالدم.

وقال خاتمي متسائلا في خطاب ألقاه في جامعة فلورنس قبل ستة أعوام، «ما الذي قادتنا حركة التنوير إليه؟ الحرب الكولونيالية والإمبريالية والمادية الضارية».

وهذا النمط من السياسة التبشيرية كانت دائما عسيرة على التقبل من قبل السياسي أو المثقف الغربي.

ففي القرن التاسع عشر كان السياسيون والمعلقون البريطانيون، مستمتعين بنداءات ماركس (أكثر من كونهم مستنفرين) الداعية إلى ثورة بروليتارية عالمية وتدمير النظام الرأسمالي. بل وحتى خلال عقد السبعينات من القرن التاسع عشر، حينما اعترف بالأفكار الماركسية، باعتبارها جزءا من أكثر السياسات تطرفا، ظل أغلب البريطانيين مقتنعين أن مجرد «نكتة أخرى قادمة من أوروبا». وبعد ما يقرب من نصف قرن كان لينين هو الذي تحدى النموذج الغربي الديمقراطي. ومرة أخرى أثار ذلك الاستمتاع لدى الغربيين أكثر من الخوف. وبعد خمسين عاما على لينين جاء دور هتلر لطرح نموذجه المتمثل بـ«شعب واحد ورايخ واحد وزعيم واحد»، باعتبارها نموذجا للبشرية جمعاء أو لتلك الأجزاء التي لا ينظر إليها باعتبار سكانها شبيهين بالبشر.

لكن كل ذلك لا يعني أن أحمدي نجاد هو ماركس آخر أو لينين أو هتلر. فمثلما لاحظ ماركس فإن التاريخ لا يكرر نفسه إلا كشكل كاريكاتيري.

وما هو مهم هو فهم أن الاختفاء المفاجئ لكل أنماط الشيوعية باعتبارها تحديا للنموذج الغربي قد ترك فراغا ستملؤه ايديولوجيات متطرفة خصوصا بين اليمين، وهذا يشمل الخمينية مع مساعيها لملء الفراغ.

ويستحق أحمدي نجاد الثقة، لأنه يمارس لعبا مكشوفا. فهو يقول بصوت عال ما يفكر به جميع الخمينيين، بمن فيهم أولئك الذين يتحدثون عن «حوار الحضارات». إن أحمدي نجاد على حق، فالنظام الخميني يواجه تهديد «النموذج الديمقراطي الليبرالي» الغربي والأميركي بشكل خاص. ولهذا فإن العلاقة بين الاثنين لا يمكن ان تكون الا علاقة مجابهة ونزاع الى ان يحقق طرف منهما نصرا حاسما على الآخر.

ولا حاجة أن تعني المجابهة والنزاع، بالطبع، صداما عسكريا، ناهيكم من غزو شامل للجمهورية الإسلامية. والصراع سياسي، في الجوهر، وبالتالي فإن المعركة الرئيسية هي المشهد الداخلي في إيران.

ومما يثير المفارقة، أن قرار أحمدي نجاد يدفع كل شيء الى نقطة الأزمة، يمكن أن يساعد اولئك الذين، عندما يجري قول وفعل كل شيء، يفضلون النموذج الغربي لإيران على النموذج الخميني. وبالتصريح علنا بأن النظام الخميني لا يتوافق مع الديمقراطية، وأن إيران لا يمكن أن تطور مجتمعا ليبراليا معتمدا على السوق ما لم يكن لديها نظام مختلف، فإن أحمدي نجاد يعيد توجيه الجدل باتجاه القضية الوحيدة المهمة: تغيير النظام.

ومن المحتمل نظريا بالطبع أن يكون أحمدي نجاد ما يزال قادرا على تعبئة الطاقات الكاملة للمؤسسة الخمينية، ويضيف اليها الأعداء غير المتدينين للنموذج الغربي، ليعطي النظام قاعدة اقوى مما كان يمتلك على الأقل منذ أواخر الثمانينات. ولكن حتى ذلك يمكن أن يهيئ المسرح لنزاع واضح بين رؤيتين لإيران: واحدة تعتبر ايران عدوا للديمقراطية، وبالتالي للغرب ككل، والأخرى تعتبر ايران قوة صاعدة تبحث عن الدمقرطة والمكانة الملائمة في النظام العالمي، الذي صيغ من جانب التنوير ذاته الذي يعتبره خاتمي «ظلاما محضا».

وبوضعه مصاعب امام رجال الدين لممارسة التشويش والنفاق والكذب فإن احمدي نجاد يفعل خيرا. انه يرغم الجميع في ايران وأولئك الذين في الخارج من المهتمين بإيران، على أن يتخذوا موقفا الى جانب هذا الطرف أو ذاك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-13-5-2006