ماذا ينبغي لنا أن نعمل للحسين عليه السلام *

 

 

المحاضرة لشهید آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين إنّ الأعمال الصعبة والتضحيات الكبرى نهض بها الآباء والأجداد، فقد قطعت أيديهم وأرجلهم في سبيل سيد الشهداء وزيارته (صلوات الله وسلامه عليه) وتحمّلوا أنواع التعذيب والنفي من أجل أهل البيت (عليهم السلام) ولم يقصّروا أما الأعمال المنوطة بنا نحن اليوم، فهي في الغالب هيّنة ولا مؤونة كثيرة فيها؛ ومنها:

1- إقامة مجالس العزاء في البيوت

الأمر الأول الذي يحسن بنا أن نؤديه للإمام الحسين (عليه السلام) خاصة في شهر محرم الحرام، هو أن يقيم كل منا مجلس الحزن والعزاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في بيته، إن لم يكن هناك مانع يحول دون ذلك وهذا الأمر مهم جداً وأقدّم لبيان أهميته بمقدمة قصيرة وهي: أن علماء الاجتماع يقولون: كلما كان عدد أفراد المجتمع أكثر، وتطوره أكثر، وعلاقاته مع المجتمعات الأخرى أوسع وأكثر تشعباً، فإن مشكلاته واحتياجاته ستكون أكثر. ويضربون مثلاً لذلك في العائلة. فالأسرة المتكونة من زوج وزوجة توجد فيها علاقتان فقط هما: علاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الزوجة بزوجها. ولكن ما إن يضاف للعائلة فرد ثالث بولادة مولود مثلاً حتى يرتفع عدد العلاقات إلى ستّ؛ هي بلغة الرموز: علاقتا (أ) مع كل من (ب) و (ج)، وعلاقتا (ب) مع كل من (أ) و (ج)، وعلاقتا (ج) مع كل من (أ) و (ب). وهكذا تتعقد علاقات المجتمع كلما أضيف إليها فرد جديد، أي كلما زاد عدد أفراده. وتزداد احتياجاته كلما زاد تطوره، وتتضاعف مشكلاته مع تطوره أيضاً. والسؤال المطروح هنا: كيف تحل هذه المشكلات وتلبّى هذه الحاجات؟وما هي الجهة التي يقع على عاتقها حلّ مشكلات المجتمع ومتابعة قضاياه. يقول علماء الاجتماع أيضاً: إن المؤسسات الاجتماعية، كلما كانت أكثر وأقوى كان المجتمع أكثر قوة وتماسكاً، وكانت علاقات أفراده أسلم وأمتن فلو قارنا بين مجتمعين من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، للاحظنا أن مجتمع المؤسسات هو الأقوى في كل تلك النواحي ومن مؤسساتنا الاجتماعية المهمة - نحن الشيعة- مؤسسات سيد الشهداء وأبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام). ولا تكمن أهميّتها في بعدها الديني فقط، بل هي مهمة في الأبعاد الأخرى أيضاً، كالبعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وغيرها. فلو أنك أقمت مجلس تعزية في بيتك وحضره أربعة أشخاص فقط، فإن ذلك - بحد ذاته- يعدّ مؤسسة اجتماعية تنهض بدور ثقافي، وديني، واجتماعي، واقتصادي وأعمال أخرى ذات أبعاد أخرى لكن الكثير منا غافلون مع الأسف عن أهمية هذه المجالس، لأنها أصبحت كالعادة بالنسبة لنا؛ فإن الذي يعيش إلى جنب النبع العذب قد لا يلتفت إلى دور الماء في حياته، لكن من يعيش في صحراء قاحلة يعرف أهميّة الماء بالنسبة للحياة.

قال القس المسيحي الذي التقي المرجع الديني المعروف آية الله المرعشي النجفي رحمة الله عليه - في قصة مفصلة- : أنتم الشيعة لديكم ثلاثة أمور مهمة، لكنكم لا تدركون أهميتها؛ منها: مزارات الأئمة وأولادهم وذراريهم. [1] ومنها سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه.

هذا ما عندنا، فماذا عند المسيحيين؟

هم يقولون - وسبحان الله عما يقولون - : إنّه كان لله ولد اسمه المسيح عيسى (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام)، صلبه اليهود وانتهى كل شيء فاستمع إلى الإذاعات وانظر إلى الشاشات وطالع الصحف والمجلات، لترى المسيحيين قد ملأوا الدنيا بقولهم إن ((المسيح افتدانا)) أما نحن فعندنا أئمة آل البيت عليهم السلام، وعندنا الحسين (عليه السلام) وقضاياه المشجية التي لا يملك المسيحيون معشار معشارها ولا دون ذلك، ولكننا مقصرون. فلنقم بما يمليه الواجب الشرعي والوجداني علينا تجاه سيد الشهداء في العالم الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا نقصر في إقامة مراسم عزائه في بيوتنا؛ فلهذا الأمر أهمية بالغة، فكل برنامج يقام في أحد البيوت يعد مؤسسة تربوية وثقافية واجتماعية واقتصادية . . . بالكامل إن إحدى العائلات الشهيرة في الكويت تقيم المجلس الحسيني في بيوت أفرادها على مدار السنة بشكل دوري، أي كل ليلة من ليالي الأسبوع في بيت أحدهم، باستثناء شهر محرم وصفر حيث تقام المجالس العامة. كل الذين أعرفهم من أفراد هذه العائلة هم أفراد مؤمنون متدينون ومن المبادرين إلى الخيرات. فمن الطبيعي أن يمتاز الشخص المتربي في أجواء المنبر وذكر الحسين (عليه السلام) عن المتسكع في الشوارع أو المتربي في أجواء الفضائيات الهابطة.

بناءً على هذا، فإن إقامة المجالس الحسينية هي إحدى الواجبات الكفائية إن لم نقل العينية في حق بعض (بالقدر الذي يتوقف أداء الواجب عليها).

أقيموا المجالس الحسينية في بيوتكم، وسوف تلمسون بأنفسكم بركاتها وآثارها، ولا تتخلون عنها إن شاء الله بعد ذلك. أنا اعرف أشخاصاً شرعوا بهذا الأمر ومازالوا مستمرين عليه دون أن يندم أي منهم، لأنهم رأوا بأعينهم البركات الدنيوية والأخروية تنزل عليهم على أثر ذلك.

2- مشاركة الإمام الحسين (ع) بالأموال

لنشارك الإمام الحسين (عليه السلام) بأموالنا مهما كانت وبالمقدار الذي نستطيع، لننال البركات والخير الوفير والأجر الجزيل في الدنيا والآخرة.

3- ليكن في كل بيت خادم للحسين (ع)

إذا كان للمرء أولاد فليجعل أحدهم خادماً لسيد الشهداء (عليه السلام)، فكما يكون هذا طبيباً – مثلاً- والآخر مهندساً، والثالث تاجراً أو مهنياً أو غير ذلك، فليكن أحدهم من خدمة الحسين (عليه السلام) ومنبره وقضاياه. وهذا منوط - إلى درجة كبيرة - بترغيب الوالدين وحثهما.

كانت إحدى الأمهات في العراق - والقصة تعود إلى ما قبل حوالي خمسين سنة- تنكّس هاوناً كبيراً (يسميه العراقيون الجاون) وتدعو ولدها الصغير الذي كان في حوالي الثالثة من عمره ليجلس عليه ويقرأ لها تعزية الحسين (عليه السلام). وكان الطفل يستجيب لأمه ويردد ما يعرفه وإن كان ذكر ((يا حسين)) فقط كما كانت هذه الأم تشجع ولدها أيام شهر رمضان المبارك على الصعود إلى سطح الدار وارتقاء التنور لكي يرفع أذان المغرب، وكان الابن يمتثل أيضاً. وقد أصبح اليوم من أشهر خطباء الشيعة حيث يعرض قضية سيد الشهداء (عليه السلام) من على الفضائيات العالمية، وتوزّع تسجيلات صوته في أنحاء العالم. وكل ذلك تعود بداياته للهاون والتنور - أي لترغيب الأبوين وحثهما- فلنعلّم أولادنا على ذكر أبي عبد الله (عليه السلام) منذ الصغر، وليختص أحدهم بخدمة الحسين (ع) كما يختص سائر الأولاد باختصاصات شتى.

أحد المؤمنين كان يقول لطفله الصغير الذي لم يبلغ العامين حين يشرب الماء: بنيّ قل: (( يا حسين)).

يستحبّ أن يقول أحدنا إذا شرب الماء: ((سلام الله على الحسن والحسين)) فإنّ من قالها كتبت له مئة ألف حسنة - كما في الأثر- ، ولكن حيث إن الطفل الصغير قد يعسر عليه أن ينطق بهذه الجملة، فإنّ هذا الأب المحبّ كان يطلب من صغيره أن يذكر الحسين (عليه السلام) ولو بأن يلهج باسمه فقط ليزرع حبه في قلبه منذ نعومه أظفاره.

4- ولا نقصر في خدمة نستطيع تقديمها للحسين (ع)

ليقدم كل منا ما بوسعه من خدمة للإمام الحسين (عليه السلام)، مهما كانت تلك الخدمة. فمن استطاع تقديم الشاي -مثلاً- في مجلس أبي عبد الله (عليه السلام) فليفعل، فإن ذلك شرف وفخر. ومن استطاع أن يشترك في المواكب الحسينية فليشترك، أو أمكنه أن يكون خطيباً لسيد الشهداء (عليه السلام) فليكن، ومن استطاع أن يكتب كتاباً أو يقوم بطبعه ونشره أو يشتري كمية من الكتب أو الأشرطة أو الأقراص الكمبيوترية وما أشبه، مما يعنى بقضية الإمام الحسين (عليه السلام) ومظلوميته، ثم يقوم بتوزيعها مجاناً، أو يبني حسينية أو يساهم في بنائها... إلى غير ذلك من الخدمات فليفعل؛ فكل ذلك فخر وشرف وذخيرة للآخرة. وفي الحديث: ((المرء تحت ظل صدقته يوم القيامة)) . فكما أن البيت الذي يبنيه الإنسان في الدنيا يقيه من الحر والبرد، فكذلك الحسينية التي يبنيها سوف تكون ظلاً له يوم القيامة.

ينقل أنه عزم جماعة من المؤمنين على بناء حسينية فجاءوا إلى تاجر حسينيّ وفاتحوه بالمشروع فقال لهم: كم تحتاجون من المال؟ وحيث إن المبلغ كان كبيرا جداً تهيبوا أن يذكروه بلسانهم فكتبوه على ورقة وقدموها للتاجر. لكن التاجر قال: إنني لم أضع في حياتي نظارة على عيني في قضية سيد الشهداء (عليه السلام). ولعله كان يعني بعبارته أنه لا يدقق في عطائه في هذا المجال كما يدقق عند تقديم المال في سائر المجالات. وطالبهم بأن يذكروا له المبلغ الذي كتبوه شفاهاً. ثم كتب لهم صكاً مصرفياً بالمبلغ الذي طلبوه أو بأكثر منه وبعد أن توفي هذا التاجر رؤي في المنام من قبل بعض المؤمنين، الذي سأله عن حاله في العالم الآخر، فأجاب: كما أنني لم أستعمل النظارات في إنفاقي على قضايا أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) هنا أيضاً عاملوني بنفس الكيفية، فلم يدققوا معي كثيراً بل كنت ممن ((يدخلون الجنة بغير حساب)) لو أراد الله أن يدقق معنا في الحساب فسيكون حالنا كما قال ذلك الرجل: ((وجدنا سوق الأعمال كساداً))؛ قال تعالى: ((ويخافون سوء الحساب)). أما من أعطى بغير حساب فربما يقال له: ادخل الجنة بغير حساب.

وهنا أنقل لكم القضية التالية، وقد سمعتها من طريقين:

كانت والدة المرحوم الجد الميرزا مهدي الشيرازي (رحمها الله) امرأة مؤمنة متعبدة، وكانت إذا استيقظت لصلاة الليل أيقظت الجد وهو صغير ثم تعطيه بعض النقل أو نحوه وتقول له: يا مهدي كل هذه واحدة واحدة وانظر إليّ.حقاً، كيف سيكون الطفل الذي ينهض في قلب الليل وينظر إلى أمه تصلي إلى ربها؟ وما هو الأثر الذي سيتركه هذا الأمر عليه في المستقبل؟ ولذلك ينقل عن  الجد (رضوان الله عليه) أنه لم يكن يستطيع النوم قبيل أذان الفجر وإن كان قد نام قبل ساعة واحدة فقط، فإنه كان يستيقظ في ذلك الوقت. وهذا من آثار التربية والتعويد الذي عودته والدته عليه منذ الصغر.

وكان للجد - رحمه الله- أخوان، فكانت والدتهم تطلب منهم أن يقرأوا لها تعزية الحسين (عليه السلام) كل يوم قبل مغادرتهم البيت على نحو التناوب، فيوم نوبة هذا ويوم نوبة ذاك ويوم نوبة الأخير. ولم يكن أي منهم خطيباً. فكان من يأتي دوره يأخذ بيده كتاباً ويقرأ منه لها وحل الوباء (الطاعون) بكربلاء وبعد أن زال تبين أن حوالي ثلث أهل المدينة قد ماتوا بسببه، حتى مات الغسالون والدفانون ورجل الدين الذي يصلي على الأموات، فكان إذا مات شخص بعد ذلك رموه في مكان وولوا هاربين وكان البيت الذي يسكنه الجد يقع في زقاق يقال له (المائية). قيل إنه لم يبق بيت في ذلك الزقاق لم يطرق الموت بابه، بل مات أفراد عائلة من تلك العوائل بأكملهم مع أنه لم يفصلهم عن بيت الجد  إلا بيت واحد. وكانت الدار الوحيدة التي لم يمت منها أحد، ويشير إليها الأهالي بالبنان بقولهم: (هذا البيت ما طلعت منه جنازة) هي دار والدة الجد. وقد رأت في عالم الرؤيا أنّ عجوزاً دميمة تشير إلى بيوت كربلاء وتقول بغضب: لقد دخلت كل هذه البيوت إلا هذا البيت فهم مشغولون بقراءة التعزية يومياً فهذا من الآثار الدنيوية لمجالس عزاء الحسين (عليه السلام)، ولهذه المجالس آثار أخروية عظيمة أيضاً.

كان هنالك شخص يعرف في كربلاء المقدسة باسم (مرتضائى)، ولعل كثيراً من أهالي كربلاء سمع به أو رآه، لأنه كان في عاشوراء من كل عام يقوم بتمثيل دور شمر بن ذي الجوشن ويحرق خيام الحسين عليه السلام. جاء هذا الشخص إلى ايران ثم توفي فيما بعد في مدينة اصفهان. ينقل أنه رؤي في عالم المنام وسئل عما صُنع به فقال: عندما وضعوني في القبر جاءني منكر ونكير وسألاني من ربك؟ من نبيك؟ من إمامك؟ وإذا بسيد الشهداء (عليه السلام) قد أقبل وأشار لمنكر ونكير أن يدعاني ثم طلب مني أن أؤدي ما كنت أقوم به في يوم عاشوراء في حياتي. قلت: سيدي إن هذا يتطلب فرساً وخياماً وساحة وسيعة. فأمر الإمام (عليه السلام) الملائكة ليهيئوا ذلك كله لي. ثم إني ركبت الجواد وقمت بالهجوم على الخيام وتحريقها. وهنا رأيت بطرف عيني الدموع تجري من عين أبي عبد الله صلوات الله عليه. عند ذلك قال الإمام الحسين عليه السلام: هذا يكفي ثم منحوني القصر والبساتين والنعيم الذي أرفل فيه الآن، ببركة مولاي سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

إننا لو أدركنا أهمية هذه الشعائر حقاً لم نتخلّ عنها أبداً. كان هناك شخص كبير السن في الكويت - وناقل القصة لي ابنه- كان يقيم مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) في بيته، فرأى على أثر ذلك بركات كثيرة، مما دفعه إلى أن يوصي بوقف داره للإمام الحسين (عليه السلام)، على أن تكون تحت تصرفه وتصرف زوجته ما داما على قيد الحياة وكان والد والدتي - الحاج صالح رحمه الله -من جملة من لمس هذه البركات في قضية يطول الحديث عنها وملخصها أنه وقع في مشكلة مالية كبيرة فخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) قائلاً: لئن نجوت من هذه المشكلة فسوف أشرككم في أموالي، ونجا من المشكلة بنحو معجز فلنقم مجالس العزاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في بيوتنا، ولنشركه في أموالنا، ولندع أحد أولادنا يتوجه إلى التفرغ لخدمة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيراً: لنقدم ما وسعنا من خدمة في هذا المجال. فهذه كلها ذخيرة لنا ليوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 .......................... 

[1] - ينقل أحد الأشخاص أنه قرأ في كتاب أن في مدينة (قم) وحدها يوجد ما يربو على أربعمئة مزار، أما في كل ايران فربما زاد على الأربعة آلاف. لكن ذلك الرجل المسيحي يعرف أهمية هذه المزارات. فوجود مرقد السيدة معصومة (عليها السلام) في قم أمر مهم جداً، ليس دينياً فحسب بل لدنيانا أيضاً، فهذا المقام مؤسسة اجتماعية ذات أبعاد مختلفة، لكن بعضنا غفل عن تلك الجوانب والأبعاد، ولم يعِ أهمية وجود السيدة المعصومة (عليها السلام) بيننا حق الوعي.